الرئيسية » مقالات » كافكا و الآخر

كافكا و الآخر

نشر ملحق جريدة الثورة السورية الرسمية “الثقافي” بتاريخ 17 – 2 – 2009 مقالة للأديب الدمشقي نصر الدين البحرة يتحدث فيها عن كافكا و انتمائه للصهيونية و إيمانه بعقيدة الشعب المختار الصهيونية..أنا شخصيا أعتقد أن هذا الموقف الكافكي من انتمائه اليهودي و تعاطفه مع الفكر الصهيوني ليس إلا جزءا ثانويا هامشيا من عقيدته و موقفه من الحياة و قضاياها الكبرى الذي عبر عنه من خلال تفاصيل حياته كما من خلال كتاباته..يجب هنا أن نذكر أولا أن كافكا عاش حياته الواعية كيهودي في أوربا الوسطى في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين , عندما كان اليهودي يعادل المكافئ الوجودي للفلسطيني في هذه الأيام , عندما كان اليهود , مثل الفلسطينيين اليوم , مهددين بمصير الهنود الحمر الأمريكان..كان تاريخ طويل من الاضطهاد الممتد من محاكم التفتيش القروسطية إلى مجازر مستمرة قادها في العادة الأمراء الإقطاعيون , قد شكل ثقافة الغيتو المنكفئة على الذات , و التي شكلت الصهيونية الفكرة القومية اليهودية , إلى جانب مخارج أخرى لاهوتية ( كعقيدة المسيح المخلص ) و اشتراكية متنوعة , محاولة لتجاوزها باتجاه “الخلاص”..كانت ثقافة الغيتو تجد نقيضها الآخر , في المحيط اللا يهودي و المعادي غالبا , في فكرة المؤامرة “اليهودية” , التي تشكل عادة نظرة الكتلة الأكبر , قوميا أو طائفيا أو مذهبيا , التي تعيش وهم الانتماء إلى السلطة , إلى السائد , من الأقليات المعزولة داخلها..لا ينتبه السائد , المسيطر , المهيمن , سواء الثقافي أو الحضاري أو السياسي أو الديني , إلى مأساة الأقليات على الإطلاق التي عادة ما يكون هو سببها , لكنه يتنبه لوجودها فقط عندما يتعرض للهزيمة أو للانكسار , عندما يكون بحاجة إلى أن يبرر الهزيمة على نحو ما , لا عقلاني غالبا , و دائما لصالح القوة المهيمنة فعليا , فتستخدم الأقليات عادة كمركز هذا التبرير , في أوقات أكثر سلمية , تبقى الأقلية ضرورية لأنها تمنح الأكثرية نوعا من التعريف المريح لماهيتها , لهويتها , التعريف القائم على تمايزها عن الأقليات بأن تعرف هويتها “الصحيحة” “السليمة” في مواجهة الأقليات , التي تبدو كحالة أقرب للهرطقة , و حالة مهزومة في نفس الوقت , خاضعة للأكثرية , لسلطتها العددية , و للسلطة الفعلية التي تشيع وهم تمثيلها للأكثرية..يمثل ابن العلقمي الوزير الشيعي لآخر الخلفاء العباسيين المستعصم المثال الأفضل في تاريخنا , فالرجل متهم على نطاق واسع بأنه المسؤول الأول , الأساسي , عن حادثة سقوط الخلافة , أنه رأس الحربة في المؤامرة الشيعية على الخلافة العباسية السنية , هذا التفسير الدارج “لهذه الواقعة التاريخية” يتجاهل أمورا كثيرة جدا , من واقع الخلافة العباسية المزري في قرونها الأخيرة الذي لم يكن يتجاوز في أغلب الأحيان حدود قصر الخليفة , إلى واقع الخلفاء أنفسهم الذي يتعارض حتى مع أكثر الوصفات الأخلاقية السائدة الفضفاضة , إلى حقيقة أن الخليفة العباسي ال 34 الناصر لدين الله كان هو من كاتب جنكيز خان مغريا إياه بمهاجمة مملكة خوارزم التي كان شاهها قد أخذ يهدد بغداد نفسها قبل أن يذوق حفيده من ذات الكأس , أو حقيقة أن الشيعة البغداديين كانوا عرضة لمجازر تشبه تلك نظمها الأمراء الإقطاعيون الأوروبيون المسيحيون ضد اليهود , حصل في الأيام الأخيرة لحكم المستعصم آخر الخلفاء العباسيين أن أغار أهل السنة على الكرخ و هو محلة الشيعة فأهانوا أهلها و أسرفوا في قتلهم و نهب دورهم , و كان ذلك بأمر أبي بكر أحد أولاد الخليفة المستعصم ( الدولة العباسية , تأليف الشيخ محمد الخضري بك , دار الكتاب العربي , ص 427 ) , لكن هذا كله يبدو غير مهم في القراءة السائدة لسقوط الخلافة العباسية , لا بد أن الأمريكي الأبيض , الذي كان قد تسمم تماما بالخرافات العنصرية عن السود و باحتقار الهنود الحمر و سكان العالم الثالث المتخلفين , قد فاجأته قلة أدب عبيده السابقين و هم يطالبون بالمساواة معه و هم يتهمونه بالعنصرية , هو المتفوق , الذكي , و المتسامح مع وجودهم المتخلف في محيطه , ليس من الغريب أن نسمع البيض العنصريين اليوم يخاطبون العرب و المسلمين في أمريكا و أوروبا بنفس المنطق : طالبين منهم مغادرة “عالمهم” , بلدهم , حضارتهم , نفس المنطق وراء هذا النسيان أو التناسي الغريب للمجازر المرتكبة بحق الشيعة في بغداد “دار الخلافة” كجزء من حادث سقوط الخلافة و القدرة المذهلة للغرب الليبرالي على تحمل المشاهد الرهيبة لقتل الفلسطينيين ببرود أعصاب لافت , نفس الشيء قام به صدام تجاه العراقيين الشيعة عملاء إيران الجارة العدوة , ستالين ضد “التحريفيين و التروتسكيين” عملاء الرأسمالية و أعداء الشعب , مكارثي ضد “العملاء الشيوعيين” , هذا الجنون الرهابي اللاعقلاني تجاه الآخر و الذي استخدم دوما لتبرير أشنع الفظائع ضد هذا الآخر , و لكن من جهة أخرى , لتبرير سلطة صدام وستالين و نظام الرأسمالية الأمريكية و غيرهم , الغريب في الموضوع هو هذا التحول المثير في قصة اليهودي , من الغيتو إلى معسكرات الموت , إلى أن يصبح هو نفسه مجرم , قاتل مأجور يعمل لصالح قتلته السابقين , من أن يكون الآخر الجدير بالموت و القمع , الآخر الذي يثير حضوره أساطير المؤامرة ضد الأنا , إلى جزء غريب من الأنا البيضاء الغربية الكولونيالية مغروس بعيدا تماما عن حدود الحضارة الأم كجزء يجب لفظه و حمايته في نفس الوقت , تماما كما يدعي منظرو المارونية السياسية أن الموارنة هم جزء من الأنا الغربية بسبب ديانتهم فقط , يعتبر اليهود الإسرائيليون اليوم أنفسهم جزءا من ذلك الغرب الذي طالما لفظ أجدادهم و استخدمهم ككبش فداء يتسلى بدمائهم عند اللزوم , كان المطلوب أن يصبح بعض اليهود الناجين من معسكرات الموت قتلة في خدمة المشروع الغربي للهيمنة العالمية , هكذا ينتهي الكابوس الكافكي في غياهب السياسة القذرة لينتج قتلة جدد و ضحايا جدد بالضرورة….
شيء عن كافكا….
هذا في الحقيقة إجابة على السؤال : لماذا أحسست بضرورة الدفاع عن كافكا , المتهم بالصهيونية , و هي جريمة لا تغتفر اليوم , على الأقل شعبويا , ربما لأن كافكا اختار أن يكتب لنفسه عندما أوصى بإحراق كل ما كتبه , ليس فقط أن كان يكتب ليحارب واقعه , و هواجسه , و كوابيسه الخاصة , أو ربما ليقطع الحبل السري بينه و بين أسرته الذي قضى حياته محاولا إنجازه , و هذا جزء من أسطورته فكافكا لم يكتب لجمهور ما , و من الواضح أنه لم يفكر في نشر ما كتبه حتى بعد موته , ربما لأنه صور الكابوس الواقعي الذي نحياه بصدق لا يطاق , ربما لأنه مثلنا ابن هذه الأرض , ابن المأساة و الملهاة الإنسانية في ذات الوقت , لا أزعم هنا أن كافكا كان مصيبا في كل شيء أو أنه كان من طينة غير البشر , لا تخطئ , بل إن مصدر أسطورته الحقيقي أنه كان إنسانا يشعر بقزامة وجوده…ادعت الكثير من المدارس الفلسفية و الأدبية أبوتها لكافكا , من الفرويدية إلى الوجودية إلى الحداثة و الواقعية السحرية , و الحقيقة أنه شيء من كل ذلك , و بغض النظر عن كل ذلك يستحق هذا الإنسان المرهف حتى الألم بعض التقريظ , في عصر أصبح فيه الجنرالات و أشباه البشر من القتلة و تجار الشعوب و الكراهية مثار إعجاب النخب..
ماذا قال كافكا ؟
“إن قوانيننا غير معروفة عموما , لقد أبقيت سرا من قبل مجموعة صغيرة العدد من النبلاء الذي يحكموننا … لأن هذه القوانين وضعت منذ البداية لمصلحة النبلاء , إنهم أنفسهم يقفون فوق هذه القوانين”
The problem of our laws