الرئيسية » مقالات » ليو شتراوس : الأب الفكري للمحافظين الجدد

ليو شتراوس : الأب الفكري للمحافظين الجدد

خلافا لكل مزاعم النيو ليبرالية الامتداد النظري للمحافظين الجدد , فإن الأساس الفعلي لصعود المحافظين الجدد لا يشكل على الإطلاق تطورا للعقلانية البرجوازية في فترة الإمبراطورية..فالتنظير الفكري الرأسمالي في فترة نهاية الحرب الباردة و ما بعدها ( منذ صعود ريغان حتى بوش الابن ) شكل قطيعة حقيقية , بل و تمرد جذري , على الأشكال المتأخرة للعقلانية البرجوازية الحداثية..لا ينتمي فكر المحافظين الجدد , الذي يعود الفضل في إحيائه و نشره لشتراوس , إلى نقد ما بعد الحداثة النيتشيوي عموما , بل هو نقد ينطلق من موقف كلاسيكي قبل حداثوي , و ذلك خلافا لكل مزاعم الليبراليين العرب , الذين تحدثوا عموما عن العلاقة الوثيقة بين فكر المحافظين الجدد و مشروعهم العالمي و الشرق أوسطي و بين الحداثة كهدف نهائي للنهضة العربية المعاصرة..على العكس تماما كان هذا الفكر ردة نحو الماضي قبل الرأسمالي باتجاه تشريع و تأسيس نظام شمولي يقوم على خطاب فكري سياسي شعبوي مؤلف من مزيج من الفلسفة و الدين بغرض خداع الناس العاديين و ضمان ولائهم….في الحقيقة كان تنامي نفوذ ليو شتراوس ( 1899 – 1973 ) في الأوساط الأكاديمية الأمريكية علامة هامة على العودة القوية للأفكار المحافظة المعادية لليبرالية لممارسة تأثير مركزي في الفكر السياسي و الاقتصادي الأمريكي منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي..بدأ شتراوس مما اعتبره نقائص الليبرالية التي اعتبرها النتيجة المنطقية للأفكار الفلسفية للحداثة , أي ما يمكن اعتباره نقائص الحداثة نفسها..آمن شتراوس أن الليبرالية , كما مورست في القرن العشرين في الغرب , تشتمل على ميل داخلي نحو النسبية الذي يؤدي إلى العدمية..و اعتبر أن الدولة الليبرالية الألمانية كانت مفرطة في تحملها للشيوعيين و النازيين الأمر الذي أدى في نهاية الأمر إلى تدميرها , و أنها بتحملها للفوضى الأخلاقية قلبت الألمان العاديين ضدها…بعد مغادرته ألمانيا عام 1938 بسبب ديانته اليهودية , حمل معه نفس التقييم للمنظومة السياسية الأمريكية الليبرالية..اعتقد شتراوس أن أمريكا قد وجدت على أساس متنوع , معاصر و كلاسيكي و آخر إنجيلي , و انتقد الاستبعاد الليبرالي للعنصر الكلاسيكي و عمل على إعادة إحيائه عن طريق تبنيه للمثال السياسي الأفلاطوني , في وقت كان الفكر الكلاسيكي عرضة للنقد و حتى الإهمال من المدرسة الوضعية التجريبية السائدة يومها في الفكر الأمريكي..لهذا الموقف أصل أكثر عمقا عند شتراوس , فقد رأى أن الفلسفة السياسية المعاصرة قد اعتبرت متطلبات الفضائل التي وضعتها الفلسفة السياسية الكلاسيكية أرفع بكثير من أن يمكن بلوغها , هكذا تصبح الفلسفة السياسية المعاصرة مجرد مساومة نحو فضائل واقعية لكن أكثر تواضعا و ذلك عندما تقدم أساسا واقعيا لإنجاز إنساني معتدل من الاستقرار و الرخاء…من المشهور عن شتراوس وصفه للحداثة أنها تقف على أرض صلبة لكن منخفضة…من جهة أخرى رأى شتراوس أن الفلسفة السياسية المعاصرة خطرة , لأنها عندما تكشف الحقيقة الرديئة للأخلاق التي يقوم عليها النظام المدني تضعف قناعة الإنسان العادي بهذا النظام , و لذلك ميز شتراوس بين مستويين من إعلان أو تصريح النص الفلسفي , بحيث يجري فهم حقيقة ما يقوله فقط من قبل قلة متخصصة دون أن يفهم من الناس العاديين و بالتالي دون أن يؤثر على قناعتهم و خضوعهم للنظام السائد..لذلك نراه , على العكس من الأكاديميين الليبراليين الذين اعتبروا سقراط شهيدا للفكر , يرى أن إعدام أثينا له كان مفهوما…و رغم أنه اعتبر ماكيافيلي نقطة التحول الكبرى التي قادت إلى الفلسفة السياسية المعاصرة إلا أنه انتقده لأنه صرح عن آرائه للعامة , و انتقد إطاحة ماكيافيلي بالقيم القديمة و دعوته لتشكيل النظام السياسي وفق القيم الإنسانية , الأمر الذي انتهى إلى علوم اجتماعية لا تقوم على القيم و سياسات حداثية وضعية تقوم على مقاربة تكنوقراطية بحتة ( في الحالة الليبرالية البرجوازية )…النقطة المركزية في الميكافيلية , و التي طورها هوبز و لوك من بعده , هي أن الإنسان يقف خارج الطبيعة , بل في مواجهتها , عندها لن توجد قيم أو لاهوت طبيعي , أو ستبقى دائما موضعا للشك…على العكس من هذه النظرة للإنسان يعود شتراوس إلى تعريف أرسطو للإنسان على أنه كائن سياسي بطبيعته , بالتالي فالسياسة و قيمها الجيدة هي طبيعية , و إذا كانت هناك تراتبية هرمية “طبيعية” لهذه القيم فمن الضروري عندها وجود تراتبية هرمية “طبيعية” بين البشر ( هنا يستخدم شتراوس ذات التبرير الأرسطي للعبودية على أنه نظام طبيعي )..و يستعير شتراوس أيضا موقف أفلاطون المعادي للديمقراطية الأثينية في موقفه من الليبرالية البرجوازية , هكذا كانت أفلاطونية شتراوس سلاحا لتبرير الانقسام الطبقي و انقسام البشر إلى حكام و محكومين من جهة و للدفاع عن الأوليغاركية من جهة أخرى ( أوليغاركية النخبة المالية الاجتماعية , البرجوازية )..أما في سعيه للبحث عن حل للنزعة العدمية لما بعد الحداثة , فقد قرر شتراوس أن يعود إلى الدين كأساس ضروري للفكر اليومي للبشر العاديين , كأساس لخطاب السلطة الشعبوي الذي يعيد إنتاج خضوع الناس لها….هنا يجد شتراوس رده على عدمية ما بعد الحداثة , فأمريكا ليست فقط حالة متقدمة جدا لليبرالية البرجوازية و بالتالي تحمل خطورة عالية “للانزلاق” إلى العدمية , بل أنها قامت , جزئيا , على أساس كلاسيكي إنجيلي و قد مثل هذا الأساس مصدرا لخطاب شعبوي يقبل بالأمر الواقع , لمخرج واقعي لخطر العدمية هذا…و فيم بدت العولمة محصلة لمشروع الحداثة , كان شتراوس معاد لمفهوم المجتمع العالمي , و اعتقد أن المواطنة العالمية مستحيلة , مثلها مثل الصداقة العالمية , الناس الجيدون هم وطنيون فقط , يحبون وطنهم الأم…هدف مشروع النقد الشتراوسي للحداثة إلى إحياء المثل التي هدمها النقد الحداثي و ما بعد الحداثي , و ذلك وفقا لخطاب شعبوي يقوم على خداع مبرر تماما للجماهير من قبل النخبة و السلطة السائدتين…يحتل الشتراوسيون اليوم مراكز قيادية في معظم أقسام العلوم السياسية و الفلسفة في الجامعات الأمريكية….يكفي أن نذكر بين أتباعه , ولفوفيتز , جين كيركباتريك , جون أشكروفت , فرانسيس فوكوياما , و صموئيل هنتنغتون…هذا يسهل بالتأكيد فهم الأساس النظري لأطروحة هنتنغتون , قبل الحداثية بل و المعادية للحداثة , عن صراع الحضارات….


المراجع :
– Leo Strauss , Conservative Mastermind ; Robert Locke , www.frontpagemag.com/Articles/authors.aspx?GUID
– Profile : Leo Strauss , Fascist Godfather of the Neo-con , Jeffery Steinberg , www.larouchepub.com/eirtoc/2003