الرئيسية » مقالات » الكورد.. في المعادلة السياسية السورية (الحلقة السادسة)

الكورد.. في المعادلة السياسية السورية (الحلقة السادسة)

ب- موقف جبهة الخلاص الوطني السوري: إن جبهة الخلاص الوطني والتي هي – حسب تعريف البيان الختامي التأسيسي لها “جزء لا يتجزأ من الحراك الوطني العام، وأنها ليست بديلاً عن أي تجمّعٍ وطنيٍ معارِض، بما في ذلك إعلان دمشق الذي تعتبره حجر أساس في حركة المعارضة الوطنية البنّاءة” والمؤتلفة (أي الجبهة) – وكما رأينا في فقرة “لمحة عن اللوحة السياسية في سوريا وغرب كوردستان” – من قوة سياسية محورية (جماعة الإخوان المسلمين) وبعض الأحزاب والقوى السياسية الأخرى المتحالفة معها وكذلك بعض الشخصيات المعروفة مثل النائب السابق لرئيس الجمهورية السيد عبد الحليم خدام وأيضاً الشخصية السياسية الكوردية المعروفة الأستاذ صلاح بدر الدين.

وهكذا فإن الجبهة تضم في صفوفها – هي الأخرى – طيف من التنوع الأتني العرقي وكذلك السياسي الأيديولوجي؛ من عرب وكورد وقوميين وليبراليين وجماعة الإخوان حيث أكثرهم قوةً وحضوراً. وبالتالي فإن الموقف (أي موقف جبهة الخلاص) من القضية الكوردية سوف يكون خاضعاً لتوافقات وتجاذبات سياسية عدة وقد تلخص ذلك في مقولة “بناء سورية دولةً مدنيةً ديمقراطيةً حديثة، تقوم على التعدّدية والتداولية والمؤسّساتية، مرجعيتها صندوق اقتراعٍ حُرٍ نزيهٍ يعبّر عن إرادة المجموع العام لأبنائها، دون التجاوز على حقوق أي فئةٍ أو أقليةٍ دينيةٍ أو مذهبيةٍ أو عرقية، لأن سورية التي نريد، ونسعى إليها، هي سورية جميع أبنائها، على قاعدة المساواة والسواء الوطني العام، ضمن حدود دستورٍ عصريٍ يشترك في صياغته وإقراره الجميع”. (البيان الختامي للمؤتمر التأسيسي لجبهة الخلاص الوطني في سورية بتاريخ 4 – 5 حزيران/يونيو 2006) والذي أنعقد في لندن.

والبيان المذكور يوضح، في نقاط أخرى، رؤيته وموقفه من القضية الكوردية بشكل أكثر تفصيلاً حيث يقول: “..كما أن الظلم الفادح قد أصاب المواطنين الأكراد، شركاءَنا في الوطن والمصير، الأمر الذي يستوجب إزالة هذا الظلم ومعالجة نتائجه في إطار الوحدة الوطنية وحقوق المواطَنة، وممارسة الحقوق السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، كسائر القوى والمكوّنات للشعب السوري كما سيحددها الدستور الجديد”. ولكن وعلى الرغم من هذا التوضيح فقد خضعت هذه الرؤية لتأويلات متباينة؛ حيث أوضح السيد عبد الحليم خدام رداً على سؤال حول القضية بـ”أنه تمت مناقشة القضية الكردية في سورية في مؤتمر الجبهة، واتخذت (الجبهة) قرارات ستحل المشكلة.. نحن ندرك أن هناك مشكلة وستعمل الجبهة على حلها”. وهكذا فإن القضية الكوردية في رؤية السيد عبد الحليم خدام هي (مشكلة) وطنية داخلية وسوف تحل من خلال دولة المواطنة والديمقراطية لسوريا، وذلك دون الإقرار بخصوصية الشعب الكوردي وحقوقه القومية، ناهيك عن الجغرافية الكوردية (أي إقليم غرب كوردستان) والملحق بالدولة السورية؛ حيث يرفضها السيد خدام – حتى – مصطلحاً جغرافياً للمناطق الكوردية.

أما السياسي الكوردي السوري الأستاذ صلاح بدر الدين، وهو أيضاً عضو في الأمانة العامة للجبهة، فإنه يؤكد في إحدى مقابلاته ويقول: “كنا نطمح أن يتبنى المؤتمر العديد من القضايا التي طرحناها، ولكن بما أن المؤتمر هو تحالف.. فتم الاتفاق على المبادئ المشتركة”. ويوضح أكثر فيقول: “نحن جبهة وهناك برامج مشتركة. نحن هدفنا جميعاً هو التغيير الديمقراطي في سورية، ودستور جديد يلبي مطامح جميع مكونات الشعب السوري”. مضيفاً إليه قائلاً: “أي شعب في العالم ومن ضمنه الشعب الكردي من حقه تقرير مصيره بنفسه”. وبأن: “هذه هي المرة الأولى التي تطرح فيها قضية الشعب الكردي ضمن إطار المعارضةالسورية، لم تكن هناك معارضة سورية منظمة لكن حتى الأحزاب خارج السلطة لم تكن تعترف بالقضية الكردية.. الأحزاب الشيوعية عادةً ما تكون اقرب إلى تفهم القضية الكردية في الدول التي تقتسم كردستان لا سيما في كل من العراق وسورية ولكن شيوعيي سورية كانوا بعيدين عن المسألة الكردية. ومن الصعب أن تطرح كلمة كردستان سورية على القوميين والشيوعيين العرب. وكثيراً ما يحصل خلافات حادة بسبب هذا الموضوع في مؤتمرات وكونفرانسات المعارضة. ونحن كطرف أساسي في جبهة الخلاص الوطني في سورية استطعنا تثبيت بعض الأمور الهامة ومنها وجود شعب كردي في سورية له حقوقه القومية والديمقراطية التي يجب أن تثبت في الدستور الجديد لسورية بالإضافة إلى تعويض خسائر الشعب الكردي وإعادة أملاكه المنقولة وغير المنقولة المصادرة إلى أصحاب الحقوق. خطونا خطوة لكن مطالبنا أكثر من هذه بكثير وسنتابع النضال من أجل تحقيقها ولكن كل ذلك يحتاج إلى الوقت”. (من مقابلة مع صلاح بدر الدين).

ويبقى بعد الاستعراض السابق لبعض رموز الجبهة أن نقف – وبشيء من التفصيل – عند موقف الطرف الأقوى في جبهة الخلاص الوطني؛ ألا وهم جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، حيث بالنظر في وثائقهم وتحديداً وثيقة ” لندن في 17 أيار (مايو) 2005″ والتي جاءت تحت عنوان “القضية الكردية، رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية” فإننا نقف على ما يلي: “لقد عاش الشعب السوريّ منذ نشأته موحّداً، بكلّ مكوّناته العرقية والدينية والمذهبية.. ووقف بكلّ فئاته ضدّ محاولات التفرقة، وفي مواجهة الاحتلال والاستعمار. ولقد سجّل التاريخ للإخوة الأكراد أروع البطولات في الدفاع عن الأرض والمقدّسات، وأصبح البطل العظيم صلاح الدين، ملكاً لتاريخ الأمة كلها.. إلاّ أنّ الأوضاع الشاذّة القائمة في سورية منذ أكثر من أربعة عقود، والسياسات العنصرية الإقصائية التي استأثرت بالوطن.. أفرزت حزمةً من المشكلات الوطنية، وعمل الظلم في دائرتيه العامة والخاصة على تفتيت وحدة المجتمع، وإيجاد أزماتٍ بينيّة بين مكوّناته؛ إنسانيةٍ وحضاريةٍ وسياسيةٍ وطائفيةٍ وعرقيةٍ وتنموية.. ولقد أصاب الأشقّاءَ الأكرادَ في السياق الوطنيّ العام، ما أصابَ إخوانَهم من أبناء الشعب السوري، من إقصاءٍ وقهرٍ وظلمٍ وتهميش.. في ظلّ قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وسياسات القهر والتسلّط والاستبداد، كما كان لهم – بحكم خصوصية انتمائهم العرقي – نصيبُهم من الظلم الذي طال وجودَهم وانتماءَهم، وأشعَرَهم بالغربة في وطنهم، وبين أهليهم، وألقى في نفوسهم الشكّ والريبة تجاه شركائهم في العقيدة والوطن والتاريخ..”.

وهكذا وبعد هذه المقدمة لتوصيف الحال وما آل إليه أوضاع البلاد (سوريا) عموماً وعلى الأخص الشعب الكوردي في غرب كوردستان فإن الوثيقة المشارة إليها تقدّم رؤية (جماعة الإخوان المسلمين في سورية)، “للقضية الكردية، من منظورٍ وطنيّ يتجاوز (ضيق اللحظة) بما فيه من ألمٍ واحتقان، إلى (رحابة المستقبل) وما نتطلّع إليه من عدلٍ وحريةٍ وأمان..” وذلك حسب توصيف الوثيقة نفسها، حيث تضيف “وإنّ جماعة الإخوان المسلمين في سورية، انطلاقاً من مبدأ (المواطنة) الذي يجمع كلّ أبناء الشعب السوريّ تحت خيمةٍ واحدة، تساوي بينهم في الحقوق والواجبات، وفي فرص المشاركة في بناء مؤسّسات الوطن المختلفة، والدفاع عنه، وتقرير شئونه.. وفق ما ورد في الميثاق الوطنيّ، ومشروعها السياسي لسورية المستقبل، لتؤكّد على ما يلي:
– المواطنون الأكراد مكوّنٌ أصيلٌ من مكوّنات الشعب السوريّ، يعيشون على أرضهم التاريخية، تضربُ جذورُهم في أعماق الأرض والتاريخ والحضارة، نشأوا على أرض هذا الوطن، وانتمَوْا إليها، وأخلصوا لها، ودافعوا عنها، وامتزجوا بإنسانها وترابها، وشاركوا في صنع حضارتها وأمجادها.. . (إن القول هذا، لا يعني الاعتراف بالجغرافية الكوردستانية؛ كون المشروع الإسلامي والخلافة تتقدم تاريخياً على مفهوم الدولة القومية وبالتالي إلغاءها وصهر القوميات داخل المشروع ذاك وإن ما يلي من النقاط والتوضيحات يكشف بجلاء عن مشروع الإخوان المسلمين – التعليق من كاتب البحث).
– كان الأكراد على مرّ التاريخ عنصراً إيجابياً فاعلاً، يعزّزُ اللحمةَ الوطنية، وينبذُ الفرقة، ولم يُعرَفْ عنهم في تاريخهم الطويل أنهم كانوا جسراً للغزاة، أو معبراً لإراداتٍ خارجية، بل كانوا دائماً المؤْثِرين على أنفسهم ولو كان بهم خَصاصة.. (وهنا الخطاب موجه للتيار القومي الكوردستاني والذي يقول بجغرافية غرب كوردستان؛ حيث من وجهة نظر الإخوان هم يدعون للفرقة وذلك بدل “اللحمة الوطنية” – أيضاً التعليق من كاتب البحث).
– إنّ انتماء الأكراد للأمة الإسلامية، يعزّز انتماءهم الوطنيّ، فلقد صهرهم الإسلام الذي تدين به الغالبية العظمى من الشعب الكردي، في الكيان الجمْعي للأمة، فاندمجوا فيها، وتحمّلوا العبءَ في الأوقات الصعبة، فقادوا وأبدعوا. وستظلّ هذه الوشيجة الجامعة، الأساسَ الذي يربط الأكرادَ بأمتهم وبشعوبها. مؤكّدين أنّ هذا الاندماجَ والارتباطَ لا ينبغي أن يكونَ مدخلاً للبغي، أو ذريعةً للتجاوز على الحقوق. (ولكن الاندماج والانصهار ذاك سوف يكون في المشروع الاسلامي ذات اللسان والثقافة والقيم والأعراف والعادات والتقاليد العربية وبالتالي إستلاب الخصوصية القومية للشعب الكوردي وهي في هذا لا تختلف – بالشيء الكثير – عن المشاريع الأممية للشيوعيين وكذلك دولة المواطنة لليبراليين الجدد؛ حيث الجميع يداورون الكورد – وللأسف – في لعبة سياسية بحيث تتخلى الحركة الكوردية عن شعاراتها القومية ومن دون أن يتخلى هم عن “عروبة سوريا” ولو بطريقة مضمرة وبأغطية إسلاموية أو أممية أو ليبرالية عروبية ومن خلال مشروعهم “المواطنة” الجديدة – كذلك التعليق من كاتب الدراسة”.
– في دولة (المواطنة) القائمة على التعاقدية والتعددية والمؤسساتية والتداولية.. التي تعتبرها جماعتُنا هدفَها للغد الوطنيّ المأمول، يحتفظ المواطنُ الكرديّ كغيره من أبناء الوطن، بسهمه الوطنيّ الوافر في المشاركة في القرار والسلطة والثروة الوطنية. وإنّ الحوارَ البنّاء، والتعايشَ الأخويّ بين كلّ مكوّنات المجتمع السوريّ، هو المدخلُ السديدُ إلى الوحدة الوطنية، وبناء سورية المستقبل. (بالتأكيد لسنا ضد الشراكة في الوطن الواحد ولكن على أساس الاعتراف بالآخر الكوردي أرضاً وشعباً وإن أمثل حل لقضايا الشرق هو ما تم الاتفاق عليه في العراق الجديد؛ حيث النظام الديمقراطي الفيدرالي – التعليق من كاتب البحث).
– تدعو جماعتنا إلى فتح قنوات الحوار مع الأشقاء المواطنين الأكراد، من خلال كلّ القوى الممثلة لهم، على الصعيدين الرسميّ والشعبيّ، وتأخذ زمام المبادرة بهذا البيان، لإطلاق آفاق هذا الحوار وتعميقه.
– تدين جماعتنا كلّ السياسات العنصرية التي مورست وتمارس ضدّ الإخوة الأكراد، تحت أيّ مسمّى، وتعتبرُ ردودَ الفعل المختلفة التي قامت في وجهها، إنما تندرجُ في إطار الحراك الوطنيّ العام، ضدّ الظلم والتسلّط والاستبداد، وتطالبُ برفع الظلم الذي لحقَ بالمواطنين الأكراد (وذلك في إشارة خفية إلى إنتفاضة آذار لعام 2004 – التوضيح من عندنا)، وتؤكّدُ (الجبهة) تضامنَها معهم في المطالبة بحقوقهم المشروعة التالية:
1 – التوقف فوراً عن ممارسة سياسات التمييز العنصرية بحق المواطنين الأكراد، وإبطال كافة الإجراءات التمييزية الناشئة عنها.
2 – إنهاء معاناة مئات الآلاف من المواطنين الأكراد الذين حُرِموا من حقّ الجنسية، أو جُرّدوا منها، وذلك بإعادة هذا الحق إليهم، ومعالجة الآثار الناجمة عن حرمانهم منه.
3 – الاعتراف بالخصوصية الكردية والحقوق الثقافية للإخوة المواطنين الأكراد، بكلّ أبعادها الحضارية، والثقافية، والاجتماعية.. في إطار وحدة الوطن وتماسكه، وبحق التعبير عن هذه الخصوصية، لإبراز ملامحها ومآثرها التي هي مآثرُ للأمة والوطن أجمع.
4 – التعويض على المتضرّرين من السياسات والإجراءات العنصرية على كافة الأصعدة، وبالطريقة التي تعيد للمواطن الكردي ثقته بذاته وبمكانته في وطنه، وبشركائه في هذا الوطن.
5 – إطلاق سراح جميع المعتقلين والموقوفين على خلفية أحداث الثاني عشر من آذار (مارس) 2004 وتداعياتها، أو أيّ خلفيات فكرية أو سياسية.. وإلغاء الأحكام الجائرة الصادرة بحقهم”.

وهكذا فإن موقف جماعة الإخوان المسلمين في سوريا يندرج ضمن مشروع إسلامي (خلافوي من الخلافة وليس الإختلاف والتخالف) تدعوا إليه القوى والأحزاب الإسلامية في المنطقة وبالتالي يمكن إعتبارها دعوة للدولة أو الخلافة الجديدة “للأمة الإسلامية” وكمشروع سياسي جامع لكل الشعوب والأقوام التي تدين بالإسلام في مقابل المشروع الأمريكي “الشرق أوسط الكبير أو الجديد” وبحيث تصبح (الدولة أو الخلافة الإسلامية الجديدة) هي الكتلة البشرية والإقتصادية الثالثة بعد كل من الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوربي. وبالتالي فإن المشروع السياسي لجماعة الإخوان يندرج ضمن منظور رؤيوي إسلاموي في حل القضايا العالقة في المنطقة. ولكن وعلى الرغم من هذه الحقيقة فإنه (أي مشروع الإخوان) يعتبر متقدماً على غيرها من المشاريع المطروحة كحل للقضية (المشكلة) الكوردية وذلك من لدن بعض الكتل السياسية السورية ومن قوميين أو شيوعيين وهذه تدعوا للمفارقة.

ولكننا – ومن منظور تاريخي تقدمي (يؤمن) بتقدمية حركة التاريخ وليس تقهقره ودحرجته إلى الخلف – نرى بأن المشروع “ولد ميتاً” كون المرحلة والتاريخ قد تجاوزه بأحقاب وعقود زمنية عدة وبالتالي فلا بد أن نبحث عن صيغ ومشاريع سياسية (جديدة) تنسجم مع روح العصر وحركة التاريخ والتي نراها في نظم الدول الحديثة والقائمة على التعددية العرقية والثقافية والسياسية وكذلك الدينية المذهبية؛ أي من خلال نموذج الدولة الديمقراطية الفيدرالية واللامركزية في إدارة البلاد وبحيث أن تتمتع كل مكوناتها بحقوق متساوية ومتكافئة غير خاضعة لهيمنة جهة وكتلة ما، إن كانت دينية طائفية أو عرقية أتنية أو أيديولوجيا حزبية سياسية مثلما هي ممارسة في ظل قانون إستثنائي في سوريا وعلى أساس أن حزب البعث “يقود الدولة والمجتمع” وذلك بموجب المادة الثامنة من الدستور السوري الحالي.

هولير – 24/2/2009