الرئيسية » مقالات » المصالحة الوطنية.. من المصارحة الى المفاصحة

المصالحة الوطنية.. من المصارحة الى المفاصحة

المصالحة والمصارحة عرفناهما.. وعرفنا انهما لم يتحققا على الرغم من اننا اضعنا في سوقهما الكثير من الاموال والورق والوقت. اما المفاصحة فهي سلعة جديدة نزلت في متاجر المصالحة اخيرا، وتحت شعار: إن لم نتصارح فلنتفاصح(تقويم اللسان) في الاقل، وإن لم نعتمد حكمة المصارحة فلنعتمد كلام المفاصحة، وهي اضعف الايمان.

ياتي هذا الاستطراد في وقت بدأ قطار المصالحة الوطنية يتحرك هذه الايام، وهذه المرة، بحذر اكبر على الرغم من انه القى من حمولته عبئا ثقيلا كان يشكل محور تجاذب واختلاف، واعني به ملف الحوار مع المسلحين بعد ان انتقل الكثير من اولئك المسلحين الى صفوف العملية السياسية (او النشاط السياسي السلمي) وشارك بعضهم في آخر انتخابات لمجالس المحافظات (وصار لهم فضائيات) والاهم من كل ذلك تدهور سمعة الخيار المسلح ومفرداته الموصولة بالتفجيرات المروعة والمذابح التي تطال المدنيين، وبمسؤوليته عن الاحتراب الطائفي، ولم تبق وراء اسلحتها غير فلول منبوذة من تنظيم القاعدة وبعض الجماعات المتحدرة من حزب النظام السابق (تتحاور الآن مع الامريكان) وشراذم صغيرة تتخذ من مناطق الحدود مع الدول المجاورة منطلقات لها، والاخيرة تنتظر الفرصة المواتية لالقاء السلاح والانخراط في “المقاومة السلمية”.
مقابل ذلك، تبلورت اكثر فاكثر، ملامح معارَضة سياسية (ثقلها وزعاماتها في الخارج) اهتمت في الاونة الاخيرة بترشيد شعاراتها ودعواتها وتخلت عن اوهام الوصول الى السلطة عبر الانقلاب او “الثورة” او الفراغ السياسي بعد انسحاب القوات الاجنبية، وربما كانت اجواء الانتخابات وهوامش التنافس الحر ومشاركة الملايين في التصويت عاملا في تشجيع خطوط منها على مراجعة مواقفها مما يجري في العراق، والمؤكد، ان صراعا عميقا يجري بين اجنحتها الدينية والقومية لجهة تدقيق جدوى السلاح والتجييش في تحقيق الاهداف السياسية، ولاينبغي التقليل من اثر تفكك العزلة الاقليمية والدولية عن العراق في حمل بعض المعارضين على اعادة قراءة المشهد السياسي ومناسيب القوى المؤثرة فيه، وفي مستقبل البلاد، وقد ابلغني “معارض” من القاهرة القول: “القليل منّا بدأوا يقتنعون بخطأ استخدام السلاح، لكن هذا القليل يتزايد كل يوم، والمشكلة هي في الاشارات المضطربة والمتناقضة التي نتلقاها من بغداد. ان الكثير منا فقد مصالحه ومساكنه واعزّة له في العراق، ومعاملات استرداد الحقوق بطيئة ومرهقة ومحبطة، وعدد غير قليل تلاحقه دعاوى باطلة وتهديدات بالانتقام، وهناك محاولات لسلب كراماتنا بجعل عودتنا مذلة وكأننا عائدون الىالصف الوطني او توابون”.
من هنا يمكن للمراقب ان يتفهم دواعي تلك الميزانية المقترحة (65 مليون دولار) لتكون في خدمة مشروع المصالحة الوطنية، بوصفه مشروعا لتحقيق دولة المواطنة، وبمعنى ما، جزئيا، في تعويض ضحايا الاحتراب، والاكثر اهمية انها وضعت تحت توصيف “العدالة المجتمعية” كما اكد الناطق باسم خطة “فرض القانون” تحسين الشيخلي، ما يشجع على البحث في توجيه البرنامج نحو تلك الحلقات التي تعرقل تحقيق المصالحة، وقد باتت واضحة، مع التحذير(اقول التحذير) من تكرار التجارب العقيمة التي شهدناها طوال السنتين الماضيتين في اقامة احتفاليات خطابية استعراضية، او عقد مؤتمرات كيفية (عشائرية او دينية) او وساطات خارجية بقيت تدور في محاولات تطييب الخواطر.
اقول، تحرك قطار المعارضة، وافترضُ ان اصحابه صاروا اكثر دراية بالسكة التي ينبغي ان يمشي عليها، وبالمحطة التي يتجه اليها.. وان وقتا ومالا وكلاما كثيرا أهدر من غير فائدة، وان ثمة بعض الحق لاولئك الذين يعتقدون بان صرف الوقت للمصالحة الوطنية هي مضيعة للوقت.. حتى يُثبت العكس.
طبعا، لا يمكن الحديث عن تحريك قطار المصالحة الوطنية بالاتجاه السليم والجدي من غير العودة الى الخطة التي اطلقها، بهذا الصدد، رئيس الوزراء نوري المالكي في تموز 2006 وتتضمن 24 نقطة، واحسب ان لوازم النجاح تفرض اضافة ورقة الاصلاح السياسي التي اقرها البرلمان العراقي في اواخر تشرين الثاني 2008 بالتلازم مع تمرير معاهدة سحب القوات الاجنبية من العراق، لأنها تمس جوهر فكرة المصالحة، وتُعد مكملة للخطة، إن لم تكن تأطيرا لها.
وقد نضطر الى استباق الامر بالاشارة الى ان الخطة والورقة، معا، رُكنا جانبا من غير تنفيذ او مراجعة او حتى اشارة، وطبعا، من غير آليات تطبيق وتوقيتات ومراقبة، وليس ثمة من تعليلات لهذا الخلل إلا تعليل واحد يتمثل في ان الذين التزموا ترجمة وثيقتي الخطة والورقة الى الواقع، والذين قبلوا بهما وصوتوا عليهما لم يكونوا مقتنعين بوجاهة الافكار والالتزامات التي تتضمنانها.
فالخطة تعالج عملية التصالح في ثلاثة مستويات، الاولى اجرائية، مثل اصدار قوانين وتشريعات واوامر تخص موظفي وعسكريي النظام السابق وقضايا المعتقلين وملف الاجتثاث، والتحقيق في اعمال قتل وتصفية وتنكيل، واعادة المهجرين وتعويض المتضررين، وبناء المؤسسات الامنية المتوازنة، والثانية سياسية، وتتعلق ببناء الخطاب الوطني اللاطائفي واللافئوي، وتفعيل حملة الوعي بحقوق الانسان، واحترام رأي واجتهاد المعارضين مقابل احترام شرعية الحكومة المنتخبة والدستور، ، والثالثة، خدمية وتتركز على التعجيل بحركة الاعمار وتوفير الخدمات الضرورية للمواطنين والمناطق التي تضررت باعمال العنف.
اما ورقة الاصلاح السياسي فقد شكلت معبرا آخر لترشيد العملية السياسية في العراق من خلال اعتبار تطبيع العلاقات بين الفرقاء السياسيين بمثابة قوانين والتزامات دستورية بالاضافة الى تلك الاشارات الى انتماء العراق الجغرافي ونبذ العنف ومواجهة الارهاب وبناء الجيش الجديد وتطوير مفهوم الشراكة في القرار السياسي على اساس جديدة واكثر فاعلية وتوازنا، وكان الجدل الذي سبق التصويت على الورقة ومعاهدة الانسحاب يثير الشكوك في استعداد بعض الفرقاء المتنفذين على الايفاء بالتزاماتهم حيال تنفيذ الورقة، وهذه نفس العلة في تلكؤ خطة الـ24 نقطة، وقد نجملها بالقول ان الفرقاء المعنيين غير مستعدين على التنازل عن بعض امتيازاتهم الفئوية (والذاتية)لشركائهم في العملية السياسية، ولجماعات مرشحة للانخراط في هذه العملية.
من زاوية مقربة من كواليس المناقشة في موضوع المصالحة الوطنية، يبدو ان ثمة حاجة الى عكازات اخرى غير خطة المالكي وورقة الاصلاح السياسي، على اهميتهما.. عكازات من وزن ثقيل يمكن تسميتها باجواء الثقة التي تسمح بالمصارحة، علما بان المصالحة والمصارحة فلقتان من جنين واحد نأمل ان يرى الحياة.. صحيحا، وفصيحا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“ التاريخ قد لا يعيد نفسه… ولكنه يتشابه كثيراً.”.
مارك توين