الرئيسية » مقالات » زاوية حادة .. النائب البرلماني العجيب!!

زاوية حادة .. النائب البرلماني العجيب!!

بطريقة مشروعة ولا غبار عليها إطلاقاً رشح إسمه في الإنتخابات ليفوز فيها وينتخب فيما بعد عضواً في البرلمان ضمن إحدى الكتل، لكنه ما أن وجد نفسه في مواجهة نفسه حتى إكتشف وكأن إنفجاراً نووياً يمور بداخله، فأول ما فعله تسبب في فقدان علاقته بالكثير من معارفه وأقاربه عندما بدأ بعضهم بالإتصال به لـ(يوسطونه) من أجل الحصول على وظائف في الدولة وهم – في نظره – لا يستحقون!!، كان قد قال لبعضهم: “أنا أحد ممثلي الشعب وليس فقط ممثلاً لكتلتي أو لكم ، والواسطة غير المشروعة لدي عمل غير أخلاقي وغير مشروع لأنها تتنافى مع ما تعنيه لدي عضوية البرلمان، فضلاً عن أنها خروج عن القانون، ولا أظن أن أحداً منكم يرضى أن أكون خارجاً على القانون!”، وقال لآخرين “إئتوني بشخص كفء ومظلوم، وسترون أنني أقيم حرباً لأجل وضعه في المكان المناسب”، كان من أوائل الدعاة لتطبيق مبدأ الشفافية في حياة وممتلكات النائب البرلماني حيث طالب بتشريع وتفعيل قانون “من أين لك هذا”، ولم يكف عن هذا الأمر كلما وجد فرصة سانحة، وأكثر من ذلك أنه قدم لرئيس البرلمان قائمة تتضمن جرداً تفصيلياً بكل موجوداته وممتلكاته هنا وهناك!!، وعندما علم أن راتبه أكثر من حاجته قرر التبرع بجزء منه إلى من يستحق، وعلى عكس توقعات بعض أقاربه في أنه “ناكر للدم واللحم” إبتدأ بأقرب الناس اليه دماً أوعاطفة مجرياً لبعضهم راتباً مقداره 150 الف دينار من جيبه الخاص قبل أن تتمكن هذه الأسر من الحصول على رواتب الرعاية الإجتماعية، والأكثر من ذلك بات يبحث عن بعض من لا يستطيع دفع تكاليف إجراء عملية جراحية لإنقاذ صحته أو عزيز عليه ليجريها على حسابه الخاص في الداخل، وتعهد بدفع إيجار شهري لمدة عام لأسرتين لا تمتلكان سقفاً يأوي أطفالهما. لم يغب يوماً عن جلسات البرلمان -إلا مرتين- لأنه يعتبر الحضور اليها أمراً مقدساً بل في غاية القداسة، في المرة الأولى كان مريضاً جداً وقد أكد هذا الأمر بتقرير طبي مصدق يؤكد إجازته المرضية وفي المرة الثانية كان قد زار أسرة فقيرة في إحدى القرى ثم حبس نفسه لديها لمدة يومين ليرى كيف تعيش تحت أوضاع خدمية سيئة حيث لا كهرباء ولا ماء ولا ولا ولا… الخ. كان -وما زال- الوحيد الذي يعارض دوماً الحصول على مزيد من الإمتيازات لأعضاء مجلس النواب، وكان في كل مرة يكتب على لائحة إستلام المبالغ الإضافية أمام إسمه عبارة “أعتذر عن إستلام المبلغ وأرجو إعادته إلى خزينة الدولة”. هذا النائب يكره السفر إلى الخارج بشدة لكنه يعشقه إذا كان في الداخل إلا في الحالات التي يُستوجب فيها سفره لأمر يتصل بحاجة المجلس، وغالباً ما يعتذر عن السفر إلى الخارج إذا وجد أن القضية لا تستحق ترك عمله، فيترك الفرصة سانحة لهواة السفر الدائم!. أول ما فعله بعد فترة من إنتخابه عضواً لمجلس النواب أنه تنصل عن كتلته (من الناحية العملية)، فلم يعد يؤيد ترشيح هذا أو ذاك لمنصب ما لأنه من كتلته بل كان يؤكد دوماً على وضع الإنسان المناسب في وظيفة مناسبة يكون فيها عادلاً، كفءاً لأداء مهام عمله بغض النظر عن إنتمائه عرقياً أو طائفياً أو حزبياً، نائبنا هو أقل النواب عدداً في أفراد الحماية وليس في حمايته من أقاربه غير إثنين فقط، فيما إختار الباقين من أولاد الفقراء الذين تضرروا في زمن السلطة السابقة. عجيب أمر هذا النائب البرلماني، أنه نسخة عراقية فذة لا تتكرر ولا وجود لها في جميع برلمانات العالم بكل عوالمها الرأسمالية والإشتراكية والإسلامية والدكتاتورية، ولعله (طفرة وراثية) لا تتكرر في عالم السياسة، لم يرصده أحد إلى الآن ولم يتمكن منه مترصديه!، لم يكتب عنه أحد على حد علمي، ورغم أنني أكره بشدة مقالات المدح وكاتبيها لكنني سأظل أمدح بهذا النائب العجيب ما حييت وسأكتب عنه القصائد والملاحم والقصص عندما أصبح أديباً (كبيراً)!!. من بين مزاياه أنه لايسكن في المنطقة الخضراء بل في أحد أحياء بغداد، وبسبب الوضع الأمني إضطر للقبول بنصب نقطتي حراسة في مدخل ومخرج الشارع الذي يسكن فيه، أما أخطر مزاياه فهي أنه من الد أعداء إحالة النائب على التقاعد بعد إنتهاء مهام عمله في الدورة الإنتخابية، ويطالب بإلغاء هذا القرار لأنه يعتبر أغلب من تقاعدوا من (البرلمان السابق) هم الآن عالة على الإقتصاد العراقي، حيث يتقاضون مبالغ طائلة وهم عاطلون عن العمل وأغلبهم في كامل قواهم العقلية والجسمية. هذا النائب العجيب يعتبر مهامه في البرلمان تشريف في خدمة الشعب وتنسيب وظيفي لفترة لا تتجاوز الأربع سنوات ليعود بعدها كأي مواطن يعيش من وظيفة تناسب مؤهلاته بين مواطنيه. إلى الآن لا يملك نائبنا بيتاً وليس لديه فائض من المال يكفي لشراء قطعة أرض (محترمة) يبنيها لأسرته لأنه (يبذر) أمواله على الفقراء والمعوزين.
يعرف جيداً أسماء كل الصحف والمجلات العراقية ويتابع ما ينشر فيها من شكاوى المواطنين ومقالات الرأي يكتب أحياناً بعض المقالات ويرسلها إلى الصحف لكنه يشترط عليها أن تنشر في مقالات الرأي من دون تمييز!. وهو أيضاً متابع جيد لكل ما يكتب عن مجلس النواب يدافع عنه حتى بأسنانه عندما يجد أن هناك من يستهين به كمنبر رئيس للشعب العراقي، لكنه يؤكد على كل مثالب عمل البرلمان عندما يرى تشخيصاً سليماً، موضوعياً ومنصفاً لما يعتري مجلسه من مشاكل ومعوقات، نائبنا قارئ جيد ويطلّع بإستمرارعلى التجارب البرلمانية في العالم وكثيراً ما يكتب أو يحاضر بهذا الشأن. ملاحظة مهمة جداً: “في حياة كل عراقي نائبان برلمانيان، واحد يصنعه خياله وآخر لم يولد بعد *.
ــــــــــــــــــــــ
*العبارة مستوحاة من حكمة قالها الشاعر جبران خليل جبران في كتابه “رمل وزبد” : ( في حياة كل رجل إمرأتان واحدة يصنعها خياله وأخرى لم تولد بعد).