الرئيسية » مقالات » أنطون بانيكوك* رأسمالية الدولة و الديكتاتورية 1936

أنطون بانيكوك* رأسمالية الدولة و الديكتاتورية 1936

1

يستخدم تعبير “رأسمالية الدولة” كثيرا بطريقتين مختلفتين : الأولى كشكل اقتصادي تمارس فيه الدولة دور رب العمل الرأسمالي , مستغلة العمال لمصلحة الدولة . نظام البريد الفيدرالي أو السكك الحديدية المملوكة من الدولة هي أمثلة على هذا النمط من رأسمالية الدولة . في روسيا يهيمن هذا النوع من رأسمالية الدولة في الصناعة : يجري تخطيط العمل و تمويله و إدارته من قبل الدولة , تعين الدولة مدراء الصناعة و تعتبر الأرباح دخلا للدولة . في الطريقة الثانية نجد وضعا يحدد كرأسمالية الدولة ( أو اشتراكية الدولة ) تسيطر في ظله الدولة على الشركات الرأسمالية . هذا التعريف خادع , طالما كانت الرأسمالية تستمر بالوجود تحت هذه الظروف في شكل الملكية الخاصة , رغم أن مالك الشركة لم يعد السيد الوحيد بمفرده , و أن سلطته قيدت طالما تم القبول بنوع ما من نظام التأمين الاجتماعي للعمال .
إنها تعتمد على درجة تدخل الدولة في عمل الشركات الخاصة . إذا مررت دولة ما قوانينا خاصة تؤثر على ظروف العمل مثل تعيين و طرد العمال , و إذا جرى تمويل الشركات من قبل منظومة البنوك الفيدرالية , أو منحت إعانات حكومية لدعم تجارة التصدير , أو إذا جرى تثبيت حدود أرباح الشركات الكبرى بالقانون – عندئذ سنصل إلى وضع ستنظم فيه سيطرة الدولة مجمل الحياة الاقتصادية . هذا يختلف عن رأسمالية الدولة الصارمة بدرجات معينة . عند اعتبار الوضع الاقتصادي الحالي في ألمانيا فإننا نعتبر هذا النوع من رأسمالية الدولة سائدا هناك . إن حكام الصناعة الكبرى في ألمانيا ليسوا أتباعا خاضعين للدولة لكنهم القوة الحاكمة في ألمانيا من خلال الموظفين الفاشيين في مكاتب الحكم . تطور الحزب الاشتراكي الوطني كأداة لهؤلاء الحكام . أما في روسيا , من جهة أخرى , قد جرى تدمير البرجوازية من قبل ثورة أكتوبر تشرين الأول و قد اختفت تماما كقوة حاكمة . و تولت بيروقراطية الحكومة الروسية السيطرة على الصناعة النامية . يمكن لرأسمالية الدولة الروسية أن تتطور لأنه لا توجد هناك برجوازية قوية . في ألمانيا , كما في أوروبا الغربية و في أمريكا , فإن البرجوازية في كامل قوتها , مالكة لرأس المال و وسائل الإنتاج . هذا ضروري كسمة للرأسمالية . العامل الحاسم هنا هو صفة تلك الطبقة التي تملك السيطرة الكاملة على رأس المال و ليس الشكل الداخلي من الإدارة و لا درجة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية للشعب . إذا اعتبرت هذه الطبقة أنه من الضروري أن تقيد نفسها بتنظيم أكثر صرامة – خطوة يمكن أن تجعل أيضا الرأسماليين الفرديين الأصغر أكثر اعتمادا على إرادة الرأسماليين الكبار – فإن طبيعة الرأسمالية الخاصة ستستمر بالبقاء . علينا لذلك أن نميز بين رأسمالية الدولة و هذه الرأسمالية الخاصة التي قد تنظم إلى أعلى الدرجات بواسطة الدولة .
هذه التنظيمات الصارمة يجب ألا ترى ببساطة على أنها محاولة لإيجاد مخرج من الأزمة . تلعب الاعتبارات السياسية دورا أيضا هنا . تشير أمثلة تنظيم الدولة إلى هدف واحد عام : الاستعداد للحرب . حيث يجري تنظيم صناعة الحرب , كما يحدث لإنتاج المزارعين للغذاء – لكي يجري الاستعداد للحرب . مفقرة بنتيجة الحرب الأخيرة – و قد انتزعت منها بعض المقاطعات , و المواد الخام , و مستعمراتها , و رأس المال , يجب على البرجوازية الألمانية أن تحاول إعادة تأهيل قواها المتبقية من خلال تركيزها الشديد . و هي ترى الحرب كملاذ أخير , عليها أن تضع أكثر ما يمكنها من موارد ضرورية بيد سيطرة الدولة . عندما تواجه بالهدف العام للسلطة العالمية الجديدة توضع المصالح الخاصة بأقسام مختلفة من البرجوازية في الخلف . كل القوى الرأسمالية تواجه هذا السؤال : إلى أي حد يجب تفويض الدولة , كممثل للمصالح المشتركة للبرجوازية الوطنية , بالسلطة على الأفراد و الموارد المالية و الصناعة في الصراع العالمي من أجل السلطة ؟ هذا يفسر لماذا في تلك الشعوب من السكان الفقراء لكن التي تتقدم بسرعة , دون مستعمرات أو مع القليل منها فقط , ( مثل إيطاليا , ألمانيا , اليابان ) تولت الدولة أكبر أو أعلى سلطة .
يمكن للمرء أن يطرح السؤال : أليست رأسمالية الدولة هي فقط “مخرجا” للبرجوازية ؟ من الواضح أن رأسمالية الدولة مناسبة , فقط إذا كان من الممكن إدارة و تخطيط القوى المنتجة بشكل مركزي من الأعلى لتلبي حاجات السكان و للقضاء على الأزمات . إذا أمكن خلق ظروف كهذه فإن البرجوازية ستتوقف عن أن تبقى برجوازية حقيقية . في المجتمع البرجوازي , لا يوجد فقط استغلال للطبقة العاملة بل يجب أن يوجد أيضا الصراع المستمر بين الأجزاء المختلفة من الطبقة الرأسمالية على الأسواق و على موارد استثمار رأس المال . هذا الصراع بين الرأسماليين مختلف تماما عن المنافسة الحرة القديمة على السوق . فتحت غطاء تعاون رأس المال داخل الأمة يوجد هناك صراع مستمر بين احتكارات عملاقة . لا يمكن للرأسماليين أن يتصرفوا كمجرد جامعين للربح , تاركين المبادرة لموظفي الدولة أن يتفرغوا لاستغلال الطبقة العاملة . يمتد صراع الرأسماليين بين بعضهم البعض على الربح و على السيطرة على الدولة لكي يحموا مصالح جناحهم الخاصة و مجال نشاطهم أبعد من حدود الدولة . رغم أنه أثناء الأزمة الحالية جرى تركيز قوي داخل كل أمة رأسمالية , تبقى هناك تداخلات عالمية قوية ( لرأس المال الكبير ) . في شكل صراع بين الأمم , يستمر الصراع بين الرأسماليين , حيث إن لأزمة سياسية شديدة في الحرب و الهزيمة تأثير أزمة اقتصادية .
عندما يبرز سؤال فيم إذا كانت رأسمالية الدولة أو لا – بالمعنى الذي استخدمت فيه آنفا – هي مرحلة وسيطة ضرورية قبل أن تستولي البروليتاريا على السلطة , فيم إذا كانت الشكل الأعلى و الأخير من الرأسمالية التي أقامتها البرجوازية , فإن الجواب هو لا . من جهة أخرى فيم إذا كانت رأسمالية الدولة تعني السيطرة و التنظيم الصارمين لرأس المال الخاص من قبل الدولة , فالجواب نعم . تختلف درجة سيطرة الدولة داخل بلد ما مع الزمان و الظروف , و الاحتفاظ ب أو زيادة الأرباح المتأتية من خلال طرق مختلفة , و اعتمادا على الظروف التاريخية و السياسية و العلاقة بين الطبقات .

2

إن هدف الطبقة العاملة هو تحررها من الاستغلال . لم يتم الوصول إلى هذا الهدف و لا يمكن الوصول إليه من خلال طبقة حاكمة و موجهة جديدة تحل مكان البرجوازية . بل يمكن تحقيقه فقط بأن يصبح العمال أنفسهم سادة على الإنتاج .
لكن من الممكن و المرجح تماما أن رأسمالية الدولة ستكون مرحلة وسطى , حتى تنجح البروليتاريا بإقامة الشيوعية . لكن هذا يمكن أن يحدث لأسباب سياسية لا اقتصادية . لن تكون رأسمالية الدولة نتيجة أزمات اقتصادية بل نتيجة الصراع الطبقي . في المرحلة النهائية للرأسمالية يصبح الصراع الطبقي أكثر القوى أهمية التي تحدد أفعال البرجوازية و ترسم شكل اقتصاد الدولة . من المتوقع أنه نتيجة للضغط و الصراع الاقتصادي الهائل فإن الصراع الطبقي لبروليتاريا المستقبل سيندلع أو يثور في عمل جماعي , سواء إذا كان هذا العمل الجماعي نتيجة النزاعات على الأجور أو الأزمات الاقتصادية , سواء أكان الشكل الذي ستأخذه إضرابات عامة , اضطرابات في الشوارع أو صراع مسلح , ، فإن البروليتاريا ستقيم منظمات مجلسية ( مجالس ) – أي أجهزة للتسيير الذاتي و الأداء المنظم للعمل . هذه ستكون الحالة خاصة في ألمانيا. هناك جرى تدمير الأجهزة السياسية القديمة للصراع الطبقي , و يقف العمال كأفراد جنبا إلى جنب دون أن يكون لديهم أي ولاء سوى لطبقتهم . ما أن تتطور الحركات السياسية واسعة النطاق , حتى يتصرف العمال فقط كطبقة , يحاربون فقط كطبقة عندما يعارضون المبدأ الرأسمالي لديكتاتورية الرجل الواحد بالمبدأ البروليتاري للتسيير الذاتي للجماهير . في بقية البلاد البرلمانية , من جهة أخرى , فإن العمال معاقون بشدة في تطويرهم للفعل الطبقي المستقل بواسطة نشاطات الأحزاب السياسية . تعد هذه الأحزاب الطبقة العاملة بوسائل نضالية أكثر سلامة , فارضة قيادتها على العمال محولة أغلبية الشعب إلى أتباعها المغفلين بمساعدة ماكينتها الدعائية . في ألمانيا هذه العوائق هي تقليد ميت .
إن نضالات جماهيرية بدائية كهذه هي فقط البداية لمرحلة من التطور الثوري . دعنا نفترض وضعا ملائما للبروليتاريا , حيث الفعل البروليتاري قوي بما فيه الكفاية ليؤدي إلى شلل الدولة البرجوازية و الإطاحة بها . بالرغم من الفعل الجماعي بهذا المعنى , فإن درجة نضج الجماهير قد تختلف . سيتم اكتساب فكرة واضحة عن الأهداف , الطرق و الوسائل , فقط أثناء عملية الثورة و بعد النصر الأول ستؤكد الخلافات فيما يتعلق بالتكتيكات المستقبلية . سيظهر المتحدثون باسم الحزب الاشتراكي أو الشيوعي , أنهم ليسوا ميتين , فأفكارهم على الأقل حية بين الجزء “المعتدل” من العمال . لقد حان الآن دورهم ليضعوا برامجهم عن “اشتراكية الدولة” موضع التنفيذ .
أما العمال الأكثر تقدمية الذين سيكون هدفهم وضع قيادة النضال تحت سيطرة الطبقة العاملة من خلال منظمات مجلسية ( أي المجالس أو السوفيتات العمالية – المترجم ) , ( و بالتالي يؤدون إلى إضعاف قوة العدو الممثلة في قوة الدولة ) سيصطدمون بالدعاية “الاشتراكية” التي ستشدد على ضرورة بناء سريع للنظام الاشتراكي من خلال حكومة “اشتراكية” . ستكون هناك تحذيرات ضد المطالب المتطرفة , و اتهامات بالجبن من أولئك الذين ما يزال فكر الشيوعية البروليتارية مستحيل بالنسبة لهم أو لا يمكن تصوره , سينصحون بمساومات مع الإصلاحيين البرجوازيين , إضافة إلى الدفع للبرجوازية عوضا عن إجبارها من خلال تجريدها من الملكية من خلال المقاومة الصارخة . ستجري محاولات لزجر العمال بعيدا عن الأهداف الثورية – بعيدا عن الصراع الطبقي الحازم . حول هذا النمط من الدعاية سيلتف أولئك الذين يشعرون أنهم مدعوون ليكونوا على رأس الحزب أو لتولي قيادة العمال . بين هؤلاء القادة سيكون قسم كبير من الإنتلجنسيا ( طبقة المثقفين – المترجم ) الذين يكيفون أنفسهم بسهولة مع “اشتراكية الدولة” , و لكن ليس مع الشيوعية المجلسية , و مع بقية فصائل البرجوازية التي ترى في نضال العمال موقعا لطبقة جديدة يمكنها منه أن تحارب الشيوعية بنجاح . “الاشتراكية ضد الفوضى” , هكذا ستكون صرخة الحرب لأولئك الذين يريدون أن ينقذوا من الرأسمالية ما يمكنهم إنقاذه .
ستعتمد نتيجة هذا الصراع على نضج الطبقة العاملة الثورية . إن أولئك الذين يعتقدون أن كل ما يجب على المرء فعله هو انتظار الفعل الثوري , لأنه عندها ستقوم الضرورة أو الحتمية الاقتصادية بتعليم العمال كيف سيتصرفون على نحو صحيح , هم ضحايا الوهم . من المؤكد أن العمال سيتعلمون بسرعة و سيتصرفون بقوة في الأزمنة الثورية . في تلك الأثناء من الممكن تجربة هزائم ثقيلة , تؤدي إلى خسارة أعداد لا تحصى من الضحايا . كلما كان عمل تنوير البروليتاريا أكثر كمالا أو حصافة , كلما كان هجوم الجماهير على محاولة “القادة أو الزعماء” توجيه أعمالهم في قنوات اشتراكية الدولة أكثر حزما . باعتبار الصعوبات التي تواجه اليوم مهمة التنوير هذه يبدو من غير المحتمل أن يكون أمام العمال طريق مفتوح نحو الحرية دون نكسات . في هذا الوضع توجد احتمالات لرأسمالية الدولة كمرحلة وسيطة قبل قدوم الشيوعية .
هكذا فإن الطبقة الرأسمالية لا تتبنى رأسمالية الدولة بسبب صعوباتها الاقتصادية . يمكن للرأسمالية الاحتكارية , خاصة عندما تستخدم الدولة كديكتاتورية فاشية , أن تضمن لنفسها معظم امتيازات تنظيم اقتصادي واحد دون أن تتخلى عن سيطرتها على الإنتاج . لكن سيكون هناك وضع مختلف , عندما تشعر بنفسها تحت وطأة ضغوط شديدة من الطبقة العاملة أن الشكل القديم من الرأسمالية الخاصة لا يمكنه الاستمرار بعد اليوم . عندها ستكون رأسمالية الدولة هي المخرج : المحافظة على الاستغلال في شكل مجتمع “اشتراكي” , حيث سيوجه “القادة الأكثر كفاءة” , “أفضل العقول” , و “أعظم الرجال الفاعلين” الإنتاج و حيث ستعمل الجماهير بخنوع تحت إمرتهم . لا فرق في المبدأ إذا سمي هذا الوضع أم لا برأسمالية الدولة أو اشتراكية الدولة . إذا أشار المرء من التعبير الأول “رأسمالية الدولة” إلى وجود بيروقراطية دولة حاكمة و مستغلة أو في التعبير الثاني “اشتراكية الدولة” إلى جهاز ضروري من الموظفين الذين هم خدم صالحون أو مطيعون للمجتمع يتشاركون العمل مع العمال , الفرق في التحليل الأخير يكمن في مقدار الرواتب و المستوى الكمي للنفوذ في أمور الحزب .
إن شكلا كهذا للمجتمع لا يمكن أن يكون مستقرا , إنه شكل للتراجع أو للارتداد , ستنهض الطبقة العاملة ضده مرة أخرى . في ظله يمكن جلب قدر معين من النظام لكن الإنتاج سيبقى مقيدا . و سيبقى التطور الاجتماعي معرقلا . كانت روسيا قادرة , من خلال هذا الشكل للتنظيم , أن تتحول من شبه البربرية إلى رأسمالية متطورة , أن تتفوق حتى على إنجازات الرأسمالية الخاصة في الدول الغربية . في هذه العملية نشاهد الحماسة الظاهرة بين الطبقات البرجوازية “المحدثة” , في كل مكان بدأت فيه الرأسمالية طريقها . لكن رأسمالية الدولة كهذه لا يمكنها أن تتطور . في أوروبا الغربية و أمريكا نفس الشكل من التنظيم الاقتصادي لن يكون تقدميا , لأنه سوف يعيق قدوم الشيوعية . إنه سيعيق الثورة الضرورية في الإنتاج , التي ستكون رجعية في الطابع و ستأخذ الشكل السياسي للديكتاتورية .



3

يتذرع بعض الماركسيين بأن ماركس و أنجلز قد تنبآ بهذا التطور للمجتمع نحو رأسمالية الدولة . لكننا لا نعرف عن أي تصريح لماركس فيما يتعلق برأسمالية الدولة يمكننا أن نستنتج منه أنه قد اعتبر الدولة و هي تنهض بدور الرأسمالي الوحيد , على أنها المرحلة الأخيرة للمجتمع الرأسمالي . لقد رأى في الدولة أداة قمع , يستخدمها المجتمع البرجوازي ضد الطبقة العاملة . بالنسبة لأنجلز “تستولي البروليتاريا على سلطة الدولة و عندها تغير ملكية وسائل الإنتاج إلى ملكية للدولة” .
هذا يعني أن نقل الملكية إلى ملكية للدولة لا يحدث من قبل . إن أية محاولة لجعل جملة أنجلز هذه مسؤولة عن نظرية رأسمالية الدولة , تضع أنجلز في تناقض مع نفسه . أيضا لا يوجد تأكيد على وجودها في الوقائع الفعلية . ما تزال السكك الحديدية في البلاد الرأسمالية عالية التطور , مثل انكلترا و أمريكا , ملكية خاصة للشركات الرأسمالية . فقط خدمات البريد و التلغراف ( البريد البرقي ) مملوكة من الدولة في معظم البلاد , لكن لأسباب أخرى عدا مستواها العالي من التطور . كانت السكك الحديدية الألمانية مملوكة للدولة لأسباب عسكرية غالبا . فقط رأسمالية الدولة التي مكنت من نقل وسائل الإنتاج إلى ملكية الدولة هي روسية , و لكن ليس بسبب مستواها العالي من التطور , بل بالأحرى بسبب مستواها المتدني من التطور . لكن لا يمكن إيجاد أي شيء عند أنجلز يمكن تطبيقه على الظروف كما توجد في ألمانيا و إيطاليا اليوم , حيث هناك تنظيم إشرافي ( وصائي ) قوي , و تقييد لحرية الرأسمالية الخاصة من قبل الدولة كلية القوة .
هذا طبيعي تماما , لأن أنجلز لم يكن نبيا , لقد كان فقط عالما يدرك بشكل جيد عملية التطور الاجتماعي . إن الذي يعرضه هو الاتجاهات الأساسية في هذا التطور و أهميتها . إن أفضل تعبير عن نظريات التطور عندما يجري الحديث عنها من خلال العلاقة مع المستقبل , لذلك من المفيد إبداء الحذر عند التعبير عنها . إن تعبيرا أقل حذرا , كما هي الحالة غالبا مع أنجلز , لا تقلل من قيمة التنبؤات على الأقل , رغم أن الوقائع لا تتطابق تماما مع هذه التوقعات . لرجل من وزنه الحق في التوقع لكن يجب التعامل مع افتراضاته بحذر , رغم أنه قد تم التوصل إليها تحت ظروف محددة . إن استنتاج اتجاهات الرأسمالية و تطورها , و صياغتها في نظريات مترابطة و شاملة ضمنت لماركس و أنجلز موقعا بارزا بين أكثر المفكرين و العلماء الكبار للقرن 19 , لكن الوصف الدقيق للبنية الاجتماعية لنصف قرن مقدما بكل تفاصيله كان مستحيلا حتى بالنسبة لهما .
تصبح الديكتاتوريات , كتلك التي في إيطاليا و ألمانيا , ضرورة كوسيلة لفرض النظام الجديد و القيود المنظمة بالإكراه على الجمهور المعارض الذي يتألف من الرأسماليين الصغار . لهذه الأسباب ينظر إلى ديكتاتوريات كهذه غالبا على أنها شكل سياسي مستقبلي لمجتمع الرأسمالية المتطورة في كل العالم .
طوال 40 سنة أشارت الصحافة الاشتراكية إلى أن الحكومة الملكية العسكرية هي شكل سياسي لمجتمع ينتمي إلى مجتمع رأسمالي مركزي . لأن البرجوازية بحاجة لقيصر , اليونكر ( طلاب المدارس العسكرية من الطبقة الأرستقراطية – المترجم ) و الجيش للدفاع ضد الطبقة العاملة الثورية من جهة و ضد الدول المجاورة من جهة أخرى . لعشرة سنوات ساد الاعتقاد بأن الجمهورية كانت الشكل الحقيقي لحكم الرأسمالية المتطورة , لأنه في ظل هذا الشكل من الدولة كانت البرجوازية هي السيدة . تعتبر الديكتاتورية اليوم شكلا ضروريا للحكم . مهما كان شكل الدولة فقد جرى على الدوام إيجاد الأسباب الضرورية لهذا . بينما أن بلدان مثل انكلترا , فرنسا , أمريكا و بلجيكا مع وجود رأسمالية عالية التركيز و التطور , تحتفظ في نفس الوقت بنفس شكل الحكومة البرلمانية , سواء أكانت جمهورية أو ملكية . يثبت هذا أن الرأسمالية تختار طرق عديدة تؤدي إلى نفس الغرض , و يثبت هذا أيضا أنه يجب ألا يكون هناك أي تسرع في التوصل لاستنتاجات من الخبرات في بلد ما لتطبق على العالم بأسره .
في كل بلد يحقق رأس المال الكبير سلطته من خلال المؤسسات السياسية القائمة , التي تطورت عبر التاريخ و التقاليد , و التي تتغير وظائفها عندها بوضوح . تقدم انكلترا مثالا هنا . هناك النظام برلماني مقترن بدرجة عالية من الحرية و الاستقلال الفرديين ناجح جدا بحيث أنه لا توجد هناك أية آثار مهما تكن للاشتراكية , الشيوعية , أو للتفكير الثوري بين الطبقة العاملة . هناك أيضا رأسمالية احتكارية تنمو و تتطور . هناك أيضا تسيطر الرأسمالية على الحكومة . هناك أيضا تتخذ الحكومة إجراءات للتغلب على نتائج الكساد , لكنها تتمكن من فعل ذلك دون مساعدة الديكتاتورية . هذا لا يجعل من انكلترا ديمقراطية , لأنه قبل نصف قرن بالتمام كانت زمرتان أرستقراطيتان من السياسيين تشكلان الحكومة بالتناوب , و نفس الظروف تسود اليوم أيضا . لكنهم يحكمون هناك بوسائل مختلفة , على المدى البعيد قد تكون هذه الوسائل أكثر فاعلية من الديكتاتورية القاسية . مقارنة بألمانيا فإن الحكم السهل و القوي للرأسمالية الانكليزية يبدو أكثر طبيعية . في ألمانيا يدفع ضغط الحكومة البوليسية العمال إلى الحركات الراديكالية , و بالنتيجة سيحصل العمال على السلطة السياسية الخارجية أو الظاهرة , ليس من خلال جهود قوة داخلية كبرى منهم , بل من خلال الهزيمة العسكرية لحكامهم , و سيشاهدون في النهاية تلك السلطة و قد دمرتها ديكتاتورية شديدة , نتيجة الثورة البرجوازية الصغيرة التي مولها رأس المال الاحتكاري . يجب ألا يفهم هذا على أنه يعني أن الشكل الانكليزي للحكم هو طبيعي بالفعل , و أن الشكل الألماني غير طبيعي , كما سيكون من الخطأ أيضا افتراض العكس . يجب الحكم على كل حالة بشكل منفصل , كل بلد يملك نوع الحكومة الذي ينشأ عن مساره الخاص من التطور السياسي .
عند مراقبة أمريكا , نجد في هذه الأرض التي يوجد فيها أكبر تركيز لرأس المال الاحتكاري , رغبة محدودة جدا بالتحول إلى ديكتاتورية كما هي الحال في انكلترا . لقد فرضت تحت إدارة روزفلت ضوابط و أفعال محددة للتخفيف من آثار الكساد , بعضها كان جديدا بالكامل . من بينها كانت بداية سياسة اجتماعية كانت حتى ذلك الوقت غائبة تماما عن السياسة الأمريكية . لكن رأس المال الخاص يثور بالفعل على هذا و هو يشعر أنه قوي بما فيه الكفاية ليسير في مساره الخاص في الصراع السياسي على السلطة . عند رؤيتها من أمريكا تبدو الديكتاتوريات في عدد من الدول الأوروبية مثل مدرعات ثقيلة , مدمرة للحرية , يجب على الشعوب المضغوطة في أوروبا أن تتحملها , لأن العداء الموروث يدفعها نحو التدمير المتبادل , لكن ليست كما هي في الواقع , أشكال ذات غرض محدد من رأسمالية عالية التطور .
إن الجدال في سبيل حركة عمالية جديدة , التي نسميها باسم الشيوعية المجلسية , لا تجد أساسها في رأسمالية الدولة و الديكتاتورية الفاشية . تمثل هذه الحركة حاجة حيوية للطبقة العاملة و التي ستتطور في كل مكان . إنها تصبح ضرورة بسبب الصعود الهائل في قوة رأس المال , لأنه ضد قوة بهذه الضخامة تصبح الأشكال القديمة للحركة العمالية عاجزة , لذا يجب على العمال أن يجدوا أشكال جديدة للصراع . لهذا السبب فإن مبادئ أي برنامج للحركة العمالية الجديدة لا يمكن أن يقوم لا على رأسمالية الدولة , الفاشية و لا الديكتاتورية على أنها قضيتها , بل فقط على القوة ( أو السلطة ) المتنامية باضطراد لرأس المال و عقم الحركة العمالية القديمة للتغلب على سلطة رأس المال تلك .
بالنسبة للطبقة العاملة في الدول الخاضعة للفاشية يسود كلا الظرفان , السلطة المتصاعدة لرأس المال هناك هي السلطة التي تمسك بالديكتاتورية السياسية كما الاقتصادية للبلد . عندما ترتبط الدعاية لأشكال جديدة من الفعل مع وجود الديكتاتورية , فإنها تكون وفق ما يجب أن تكون . لكن سيكون من الغباء إقامة برنامج أممي كهذا على مبادئ كهذه متناسين أن الظروف في بقية البلدان تختلف كثيرا عن تلك في الدول الخاضعة للفاشية .


ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.marxists.org/archive.pannekeo/index.htm

* من أبرز منظري الشيوعية المجلسية