الرئيسية » مقالات » مفترق الطرقات

مفترق الطرقات

استأذنت الشمس لتلملم ما تبقى من بصيص ضوئها , معلنة ً بخجل , كعروس ليلة عرسها عن غفوتها في مخبأ بعيد تفرضها قوانين الطبيعة اللامتناهية , ثم رويداً رويدا يسدل الليل وشاحه على المكان ليفصل الحركة والصخب عن السكون , ليلامس بيوتاً مهجورة , وشوارع خالية , واشجارا منتصبة شامخة , ونسمة على شفاه عاشق , وهاهو وسادة لزوجين , اتعبهما الركض وراء لقمة او رغيف , بهذه الكلمات تتمتم ليلى وهي تجوب الرصيف ذهابا وايابا ,وعلى الرصيف المقابل شاب وسيم يميل الى اليسار , لا يكاد يرفع ببصره عن الساعة , ثم ليحجق فيها من جديد , يمرر باصابعه من بين شعره , ويدب الارض بقدميه , يعود اليه الهدوء لحظات , يحاول يداري قلقه من ليلى بخطوات مترددة وبإمامه مكتسبة .
– مرحباً آنستي قالها واصابعه متشابكة , يحاول السيطرة على الفشعريرة التي اصابته , اهي من الخوف ام من نسمات الهواء التي تميل الى البرودة مع زخات خفيفة من المطر ..؟؟
– مرحباً سيدي .
– هل لي ان اتعرف عليك ..؟ او حتى اكلمك ارجوك ان لا ترفضي ..؟؟
– تفضل , قالتها وكلها ثقة بنفسها , ومعا جعلها تشفق على حالته المضطربة .
– اذا ما هو اسمك ..؟
– ليلى
– وانت ..
– جميل
– ليلى لم يبقى غيرنا في هذا المفترق , والسماء في حالة غير مستقرة اتنتظرين احداً
– اجل انتظر السيارة التي تاخذني الى حيث عملي في المشفى , ولا اعلم سبب التاخر ..؟؟ اردفت : لكن من البديهي ان يرحل الناس وتخلو الشوارع رويدا رويدا في وقت كهذا ..؟؟!
يرحلوا .؟ لم لا تقولين انصرفوا الى بيوتهم للسكينة , اما يرحلوا ..؟ خطت عدة خطوات مما ابعدها عنه التفت اليه قالت : اجل يرحلوا هذه المفردات محببة الي تابعت : ( الرحيل ) كلمة حزينة عميقة , لا تعني عندي موت شخص ما او الهجرة الى مكان بعيد فقط انما تعني لي الشمولية , ها انا في طريقي الى عملي , رحلت عن امي التي هي بامس الحاجة الي , ومن سضمن رجوعي اليها ..؟؟ وانت تركت ما وراءك وتسعى للرحيل لتحقيق غاية والعامل يرتك بيته يرحل عن زوجته , ساعات عديدة , والطبيب والمهندس الخ , ومن المتوقع ان يكون شخص ما , في غفوة عن الاخر وهما في الفراش واحد وهذه اسميها رحيل الارواح وتنافرها والبحث عن الجديد , وهي اقصى درجات الشجن والمآسي , ثم توقفت عن الكلام كمن تعبت من مشوار الحياة من خلال ما سردته من كلام , اما جميل فكانت كل كلمة تتناهى الى مسمعه لتترك اثرا في نفسه التفت اليها قائلا :
– ليلى هل انت متشائمة ..؟؟
بالعكس تماما انا اكثر الناس حباً للحياة والانطلاق , ولكن لا يجب على الانسان ان يعيش على هامش الحياة , ان يكون واقعيا ً , الذي يذهب يصب في الماضي , ليغدو ذكرى لن يرجع ثانية , يجب ان تدرك هذا تماما انظر هذه الارصفة الى هذه الشوارع , الى الاشجار , كم هي حزينة , لان الكل رحل عنها هجرها , قبل ساعات فقط كانت تنبض بالحياة والحركة , ومن يضمن رجوع هؤلاء الاشخاص نفسهم الى هذا المكان ثانية وهناك مقولة لفيلسوف يوناني يقول : ( انك لا تسبح في مياه النهر الواحد مرتين , لان مياها جديدة تجري من حولك دائما ) رغم حبي , الكبير للحياة وايماني بالحركة والتجدد , الا انها ليست الحيلولة دون معايشتي , وتاملي لكل لحظة بما فيها لقاؤنا هذا . لانني ادرك تماما كل لحظة ترحل لن تعود ثانية , انهت حديثها وهي تحاول ان تنقل وجهة نظرها بادق تفاصيلها , اما جميل فكان منبعث الغبطة , عنده ان يسمعها فال لها : ولكن آانستي هناك نظرية تقول إن الناس متشابهون ..؟؟!
نعم نعم وايضا كل الناس فريد من نوعه , وما اكثر النظريات بهذه الكلمات , ارادت ان تنهي الحديث مشيرة بيدها الى الاكتفاء , واخذت تخطوا خطوة خطوة تترك المكان الا ان الشاب كان الاكثر حاجة الى الفوص في اعماقها . ناداها .!
ليلى توقفي ارجوك فانا لا اعلم الدافع الذي جعلني اكلمك واتعبك ..؟؟
انا اعلم دافع الزلة التي تعيشها هذه الساعات وامضاء الوقت .؟؟
لا بدا فانت هادئة وجميلة وتبدو عليك السكينة , كل كلمة شدتني اليك فاكثر , اهو الحب من اول نظرة ..؟؟ وهذه ايضا لا اؤمن بها , لا يوجد حب من اول نظرة فهناك جميلة من المواصفات مكبوتة في اللاشعور , لدى الشخص الاخر , واذ نوافرت فيه هذه المواصفات , يقال بانه حب من اول نظرة .
اذا تؤمنين بالعاطفة ولكن ..؟ قاطعته .
نعم اؤمن بالعاطفة وهي – انفعال هادئ يعشش في النفس ببطء – فيستحوذ عليها كعاطفة الحب مثلا , ما هذه المصادفة التي هي بمثابة اهداء من القدر لي مع هذه الانسة التي طيبت روحي بتعابيرها وكلماتها وعمق مشاعرها ..؟؟ تقدم منها يمد يديه ليمسك بيديها يقبلها .
آنستي هل لي ان اناديك : حبيبتي ..؟؟ حبيبتي ..؟؟ حبيبتي .؟؟ احبك فلا يصور لي اني كنت مع اية امراة قبلك مثلما انا صادق في هذه اللحظات , ولا باستطاعتي ان انادي سواك حبيبتي فانت يا ليلى من ابحث عنها منذ زمن , روحي كانت تناديك , لانني ادركت طمأنينتها , الان انت يا ليلى من سارتمي في حضنها لانوح , وستعضين على معصمي لترسمي لي ساعة , او تصنع من الخرقة دمى , كأم تحيل على طفلها لتوقفه عن البكاء , ساشم رائحتك وستكون اطيب العطور , تناهت الى مسمعها مفرداته اليتيمة لتتسرب الى جوارحها , لتنعش روحها ولو رحل عنها بعد حين وبغتة توقف سيارة كادت ان يتيقظ كل من على مقربة من المكان لشدة الفرامل التي اوقفت العجلات فجعلتها تأن .
– هاي صديقي …
– هاي …
– هل تاخرت عليك ..؟ لا ابداً ثم التفت الى ليلى وقال لها : غداً في هذا الوقت انتظرك هنا ثم فارقا بعضهما البعض بابتسامة هادئة …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مفترق الطرقات : قصة قصيرة من مجموعة تداعيات من الذاكرة . اصدار دمشق