الرئيسية » مقالات » وادي الذئاب: رامبو أتاتورك!

وادي الذئاب: رامبو أتاتورك!

المتابع للمسلسلة التلفزيونية(وادي الذئاب)الذي يعرض حاليا في فضائية أبو ظبي، يجد نفسه أمام حقيقة ثابتة ترقى الى مستوى البديهية و تتجلى في أن ترکيا تمسك بکل الخيوط و تعرف ظاهر و باطن کل المجريات و الاحداث التي تمر و تعصف بالمنطقة. ورغم إننا لسنا في صدد التقليل أو التشکيك من الدور المهم و الحساس الذي تؤديه ترکيا على صعيد المنطقة، لکننا في نفس الوقت لسنا مع ذلك التهويل غير العادي الذي شاهدناه طوال الحلقات الخمسون المنصرمة من تلك المسلسلة المثيرة للجدل، مثلما إننا لسنا مع ذلك التشويه و التحريف و التدليس الذي تم حشره بين ثنايا الاحداث الدرامية و تم خلالها إظهار کل شعوب المنطقة(مجرد نعاج)أمام ذئاب(ترکية و اسرائيلية و أمريکية و روسية)وان هذه الشعوب(وعلى رأسها العرب)تغط في نوم عميق و لاتدرك عمق المؤامرة الامريکية ـ الاسرائيلية التي تحاك ضدها و تسعى تلك المسلسلة لإظهار الدور الترکي البارز الذي يرقى الى مستوى الدول العظمى و المؤثرة على الصعيدين الاقليمي و الدولي وکأنه الحامي الوحيد لقضايا الامن و السلام و الاستقرار في المنطقة و العالم.
وادي الذئاب الذي لم يتمکن من الخلاص من(حزام العفة)الاتاتورکي وجد نفسه محاصرا بالمفاهيم و المبادئ و التنظيرات المختلفة التي دعى إليها باني ترکيا الحديثة مصطفى کمال أتاتورك حيث(صمم و فصل و خاط)وفق ذلك وسعى بکل ماأوتي الى إبراز الدور الايجابي الذي لعبه أتاترك(المکروه عربيا و اسلاميا) على صعيد بناء ترکيا الحديثة لکن المؤلف حرص في نفس الوقت على الامساك بالرأس الآخر للخيط ولکن بحذر(خوفا من البطش القمعي لقوانين و دستور أتاترك) ورسم سياقا توافقيا يجمع بين علمانية أتاترك و اسلامية أردوغان و يحدد سمات و ملامح ذلك النهج الإنتقائي البراغماتي الذي يبين بوضوح الخط العام للسياسة الترکية على صعيد العالم العربي بوجه خاص و العالم بشکل عام.
وادي الذئاب، الذي إحتوى على نص محبوك بصورة عالية الجودة و سيناريو أقل مايقال عنه بأنه راق جدا سيما فيما لو قارنناه بما يماثله عربيا و إخراج ناجح توفق خلاله المخرج(عثمان سيناف)من تجسيد الخطوط العامة و الخاصة للمسار الدرامي للأحداث، لم يتمکن من إدافة المصداقية(بأقل مستوياتها الممکنة)ضمن الخط الدرامي للحلقات وإنما إستعاض عنها برؤية ترکية ضيقة خاصة لکل الامور و تغافل أو بالاحرى أشاح بوجهه عن الوجه الآخر لتلك الامور و أصر على أن الحقيقة کلها تکمن في الرؤية الترکية لها وهو بذلك يعيد الى الاذهان الاستبداد العثماني الذي أذاق شعوب العالم الاسلامي الامرين و يحاول تسويقه بشکل و مضمون قد يختلف عن السياق العثماني في بعض من تفاصيله لکنه قطعا ليس بإمکانه الاختلاف عنه في خطه العام إذ أن کليهما ينبعان من ذات النبع وليس بالامکان اللعب على الذقون لتمرير (شطحات)و(فذلکات)مقصودة على حساب الشعوب الاخرى التي لم تذق من نير العثمانيين غير الظلم و الجور و التعسف وان ترکيا الکمالية ليس أمامها من خيار سوى أن تذعن لحقائق الامور کما هي ومن دون تلك الاجتهادات الخارجة عن السياق.
وادي الذئاب، تلك المسلسلة الناجحة ترکيا والتي تحولت فيما بعد الى فلم سينمائي أثار ضجة إعلامية لم يکن بمقدور أي فلم ترکي آخر إثارته بهذا الشکل الملفت للنظر، خصوصا عندما يطرح بطلا بديلا خارق للعادة ليس بإمکان أي شئ أو قوة ما من أن تقف بوجهه وهو بذلك يحاکي النموذج الامريکي”رامبو”، وکما أن رامبو ينتصر على الفيتناميين(في المشمش) فإن بطل هذا الفلم ليس يکتفي بمواجهة الهيمنة الامريکية في المنطقة وإنما ينتصر عليها و يثأر للکرامة الترکية، فإنه و بنفس المنطق و الاسلوب يقف بطل المسلسلة ضابط المخابرات(علي جاندان)و تلك المنظمة المخابراتية الترکية المسؤولة عنه بوجه کل القوى المعادية لترکيا مهما کان نوعها و مصدرها ليثبت المناعة الترکية بوجه المؤامرات الدولية أيا کان مصدرها أو منبعها.
مسلسلة وادي الذئاب التي تسعى لتجسيد حقيقـة المخاوف الترکية من إمتدادات السياسة الامريکية و التحرکات الاسرائيلية تحت ظلالها مبينة بأن السياسة الرسمية الترکية وان إنساقت بخطها العام و تحت ظروف مختلفة مع السياسة الامريکية بوجه خاص و الغربية بوجه عام، فإن هناك تيارات معينة بإمکانها العمل من أجل صيانة المصالح الترکية و حتى الوقوف بوجه الامريکيين و الاسرائيليين ان إقتضى الامر و إعتقالهم بشکل تعسفي لفترات محددة، وهي بذلك تدغدغ المشاعر القومية الترکية وتؤکد على إستقلالية القرار الترکي و کونه يقف فوق کل الاعتبارات الاخرى.
وقطعا، فإن مؤلف وادي الذئاب(الذي إعتمد في حبك نصه على معلومات إستخبارية معينة)، لم ينس بأن يتعرض للقضية الکوردية و يصور حرکة التحرر الکوردية على انها مجرد عصابة تابعة للمافيا و يشير بسماجة ليس بعدها من سماجة من أن التدخل الامريکي في العراق هدفه الاساسي الترکمان(!!!!!)وعندما يطالب أحد الترکمان العراقيين المتعاونين مع المخابرات الترکية رجل المخابرات القوي”أسلان”بالتدخل في العراق، فإن الاخير ليس يرفض الفکرة أو يعترض عليها وإنما يجيب عليه بصورة صفيقة عندما يقول:”لقد تدخلنا في قبرص باللحظة المناسبة”في إشارة الى أنهم سيتدخلون في العراق أيضا في اللحظة المناسبة وکأن العراق مازال إقطاعية عثمانية تخضع لنفوذ الباب العالي في إسطنبول، رغم ان هذا الطرح الساذج و السطحي و المغالي في القفز على الحقائق ليس بإمکان أحد من أن يصدقه سوى الاتراك أنفسهم على طريقة(حتى لو طار فإنه معزة)!!