الرئيسية » مقالات » محنة الصحفيين العراقيين ..من( إعلام السوط الواحد”..الى “إعلام البغيج) !؟

محنة الصحفيين العراقيين ..من( إعلام السوط الواحد”..الى “إعلام البغيج) !؟

” الصحافة رؤية وموقف حر مستقل مسؤول ..وان لم يكن كذلك فـ:

ترويج لأضاليل الاقوياء المتعسفين..”

استذكر تلك الكلمات التي أفاض بها الصحفي العراقي المرموق المرحوم عبد المجيد الونداوي .. في تلك الليلة النيسانية من اوائل سبعينات القرن الماضي .. في الغرفة الزجاجية بالطابق الثاني من مبنى دار الاخبار..حين كانت تتدفق الى القراء الأعداد الأولى من “طريق الشعب”..

و” السلطة الرابعة ” لن تكون ـ سلطة ـ ان لم تكن مستقلة عن السلطات الثلاث..ولن يسري صوتها في عقول الناس وقلوبهم ان لم يكن حُراً وخالياً من شوائب الإذعان..

والصحفي ـ الحر ـ نتاج ثقافة التحرر .. وـ مُنتِج ـ للرأي الإنساني الحر..

وفي وطن مُكَبَّل بالممنوعات على مدى قرون كالعراق..يجد ـ منتجوا الرأي الحر ـ انفسهم في محنة متواترة وعسف مستديم وإغتصاب لعقولهم قبل إختطاف حياتهم..حتى صار العراق البلد الاكثر خطراً على حياة الصحفيين في العالم..وصاروا في مقدمة ضحايا العنف بين زملائهم في جميع انحاء المعمورة..

ونحن اليوم مثلما في كل الازمنة..نتشبث بالامل الواعي..لميلاد فجر جديد تكون فيه الصحافة ـ سلطة ـ تُقَوِّمْ إعوجاج السلطات الثلاث..من خلال صناعة الرأي العام الحر القادر على التغيير السلمي الديمقراطي لتلك السلطات وفق رؤية تنموية شاملة..غايتها الانسان وموضوعها الوطن!

واي خطوة للتغيير لابد ان يسبقها إدراك شجاع للواقع المُلتَبس..الذي خيَّم على بلادنا منذ عدة عقود ومايزال ـ رغم تفكك طلاسم ذلك الالتباس ـ وإنقشاع بعض غبار التضليل عن نوايا صانعيه في عقول قطاعات واسعة من السكان..

فبعد الزلزال الذي ضرب العراق في التاسع من نيسان 2003 ..وتفجير ـ فوضى رامسفيلد الهدامة ـ تشرذم الصحفيون العراقيون ـ مثل كل شيئ ـ الى مِلل ونِحل وطوائف متنافرة..بعد ان كانوا في زمن ـ دكتاتورية الرأس الواحد ـ و ـ إعلام السوط الواحد ـ مُقَسَّمين الى ” فئتين ” رئيسيتين:

· صحفيون ـ مُدَجَّنون ـ مع الحزب والثورة.

او…

· صحفيون ـ منبوذون ـ ضد الحزب والثورة.

فعندما إندلع الحريق بهيكل الوطن الذي أنهكته الدكتاتورية.. ونشبت التناحرات بين وارثي ـ ثقافة داحس والغبراء !ـ المتواترة من كل الطوائف والأقوام..وتفاقمت التناقضات في ـ كتلة ـ المتدافعين لإشغال عرش الدكتاتور..تَشظّى الجسد الصحفي الواهن..ليس في داخل الوطن فحسب بل وخارجه..

فـ:

1. تَدَحرَجَ قسم ـ من الصحفيين المُخَضرمين ـ مع مجنزرات الغزو وصاروا بعضاً من دُخانه الخانق!.

2. قسم تَفَجَّرَ شوقاً لخدمة الوطن المُذخن بالجراح والآلام ، وتَضوَّع إبداعاً لإعلاء ـ الكلمة الحرة والشجاعة ـ ..وكانوا مفعمين بإرادة الضامئ للحرية ..بعد عقود من الكبت المرير!.

3. قسم ـ من أهل المهارات الاعلامية ـ تَكَيَّفَوا مع غبار الغزو ودَويِّ السقوط..فاصبحوا جزءاً من “الإعلام المُلتَحي” الواعظ بثواب التشظي في زمن المحنة!.

4. قسم آثر الإنزواء في خير مكان للمرء ـ صومعة البيت ـ بإنتظار إنقشاع سموم الطائفية ، وتبدد غمام الالتباس السياسي الذي تَلَبَّدَ على وجه العراق بعد الغزو والسقوط.

5. قسم إنخرط في رفض ـ إعلام المحاصصة ـ المدجج بإبتزاز الآخر ـ الشقيق ـ ، فإلتجؤا الى الصحافة الالكترونية.

6. قسم نَفَرَ الى الخارج من شدة العصف الذي أحدثه قرار بريمر بتحميل الإعلاميين جرائر النظام الدكتاتوري الذي ـ صنعته ورَعَته ـ دولة بريمر منذ اربعة عقود مضت..فتشرذموا في فيافي الغربة!

7. قسم تخندق بالماضي المتعسف فصار بوقاً للضغينة..فتلطخت ضمائرهم بدماء العراقيين الابرياء!

8. قسم تَجَنَبَ الإقتراب من إعلام سلطة الغزاة والمحاصصة ..خشية التلوث بـ ـ صبغة الاذعان للمحتل .. وتزكية سلطة الطوائف! ـ ، مثلما هو شديد الحذر من تهمة ـ الحنين للماضي الدكتاتوري ـ..فغابوا عن ذاكرة قرائهم !

9. قسم عاد الى الوطن من الغربة مفعما بالأمل ومثقلاً بالمشاريع الاعلامية المُجددة..فإصطدم بطوفان التطرف الشائك في ليل الارهاب المظلم..فإنكسرت صواري أشرعته الحالمة..وجرفته اعاصير الاحباط ..متقهقرا الى ديار الغربة.

10. قسم تماهى بعشق الصحافة فسقط شهيداً.

11. قسم إحترف المتاجرة بالكلمة والموقف ..فصار صَنّاجاً في كل بلاط.

12. والقسم الاكبر شحَذَ ـ حِرَفِيَّتَهُ ـ بصليل الخوف وبصيص الأمل ..فَتَجَلَدَ ..وصبر..وواصل درب المتاعب.

في زمن الدكتاتورية كانت محنة الصحفيين تتفاقم ..ويتعاظم إبتلائهم ..بإعلام:

1. دعائي ـ مُجَوَّف ـ لتعظيم الدكتاتور.

2. شمولي مغلق ذو اتجاه واحد.

3. صاخب بالدعوة للحرب وتمجيد الفناء.

4. قامع للرأي الآخر.

5. فاقد للإرادة المهنية الصحفية.

6. إعلام محدود الفرص المهنية ( نتيجة قِلّة وسائل الاعلام وارتباطها الأمني بالسلطة !)..وغياب الصحافة والإعلام الخاص..فليس امام الصحفي سوى اختيار واحد .. هو:الإذعان لسوط الإعلام السلطوي..في تلك الآونة كانت ـ مهارة ـ الصحفي و ـ الصدفة! ـ وحدها الكفيلة بإنقاذ الصحفي وتأمين قدرته على المناورة والزوغان من سوط التدجين!.

ومع بدء زمن ” الديمقراطية التنافقية ” اجتاح الحياة الصحفية ” إعلام البغيج”!..

· فكل عرق او طائفة تبكي مظلوميتها في إعلامها المنكفئ على ـ خندقها ـ الضيق..

· ولا أحد يبكي مظلومية العراق في إعلام وطني ـ متعدد الأصوات ـ يَتَسِّعُ لرأي الجميع!..

· ولم يتبلور إعلام ـ مؤثر ـ يطوي صفحة البكاء ويفتح صفحة المساءلة والبناء!

· وطغى ـ إعلام الطوائف والاعراق ـ على إعلام المواطن والوطن..

· وانتعش من جديد إعلام ـ التبجيل لصنم العُرق او الطائفة او العقيدة ـ بديلا لإعلام المساءلة..

· ومع ازدهار تجارة الموت ..إنتشرت صحافة ـ تخويف الاخ من أخيه ـ لإدامة دورة الضغائن وتعميق بيئة الانقسام لتبرير اقتسام الغنائم!

وصرنا نسمع تقسيما ـ فريداً ـ للصحفيين العراقيين:

· صحفي شيعي..وصحفي سني.

· صحفي عربي ..وصحفي كردي.

· صحفي علماني .. وصحفي متدين.

· صحفي ـ مستورد ـ (العائد من الغربة)..وصحفي ـ مُنتج ـ محليا.

· صحفي محافظات .. وصحفي مركز.

· واخيراً وليس آخراً..صحفي ـ هالطو ـ لاهو صاية ولاهو بالطو!..ولهؤلاء الغَلَبة ـ دائماً ـ في بازار التطبيل والتزمير!

وصارت الصحافة تتكاثر وتنشطر وتتنافر وفق تَشظيات المجتمع السياسي حتى وصلت الصحف والمجلات الى المئات..وتتعالى اصوات العقلاء ـ اليوم ـ لتنظيم الحياة الصحفية دون المساس بحرية التعبير والتفكير والرأي.

وباتت تولد طوائف من الصحفيين تقوى وتضعف تبعا لقوة الطوائف المدججة بالكراهية والسلاح التي يعبرون عن نهجها وتوجهاتها..ويتزايد الميل بين الصحفيين خلال السنة الاخيرة ، نحو ـ ترسيخ المهنية الصحفية الحرة المستقلة ـ والنأي عن التحجر العقائدي ، وتكميم الافواه والعقول وتضليل الوعي المجتمعي!

ان المرحلة التي تشهدها بلادنا تتطلب :

· الانتصار للثقافة في مواجهة الدجل والتخلف ..

· خلق مقومات قيام ـ سلطة رابعة ـ حقيقية ..وفق أُسس دستورية ..من خلال اصدار قانون لممارسة المهنة الصحفية وقانون للصحافة..للارتقاء بالعمل الصحفي وحماية الصحفيين من كل اشكال الاضطهاد والعَوَز!

· اصدار قانون للاحزاب لتنظيم الحياة السياسية من اجل ازالة جانب كبير من الالتباس السياسي الذي يشوه الحياة الصحفية ويلوِّث قطاعات من الصحفيين بالنفعية والانتهازية.

· فتح وتشجيع الاستثمار في قطاع صناعة الاعلام .

ان نجاح هذا النهج يعتمد بالدرجة الاساس على أداء الصحفين انفسهم..وعلى:

· إرادتهم في التغيير التنموي لصالح الانسان الحر والوطن المستقل!

· اقلامهم ..الفصيحة والصريحة والنزيهة!

· نقابتهم..المتماسكة الموقف لخدمة مصالح اعضائها!

· دورهم الريادي في انضاج ـ الديمقراطية الخديجة ـ المتنازع عليها!