الرئيسية » مقالات » من لأرامل العراق؟!

من لأرامل العراق؟!

تقرير رهيب، مرعب، هذا الذي نشرته “نيويورك تايمس” للتو عن مصير وأوضاع أرامل ضحايانا.
عندما تتحول أراملنا إلى متسولات: هذه هي الخلاصة، فيا للمأساة، ويا لتقصير الحكومة والقيادات الحاكمة بلا استثناء!
نعم ثمة مؤسسات حكومية لتقديم المساعدة، ولكن عدد من يتلقينه لا يكاد يتجاوز السدس، من مجموع حوالي ثلاثة أرباع المليون، وإن كنا لا نعرف ما إذا كان العدد الكلي الوارد يشمل جميع أراملنا، من حروب صدام، وحملاته القمعية، وإلى عمليات الإرهاب، وحملات التطهير المذهبي، علما بأن في عام 2006 وحدها كان معدل من يتحولن لأرامل كان ما بين 90 إلى 100 كل يوم.

ليست قلة المعونة وحدها تثير وتغضب، ولا مجرد قلة عدد المشمولات بالرعاية، ولكن هذه الشروط الذكورية الواردة على لسان أحد كبار مسئولي هذه الخدمات حين يصرح بأن المعونة لا تدفع للأرامل مباشرة لأن “النساء بلا حكمة وغير متعلمات، ولذا يجب إيجاد أزواج لهن” يتلقون المعونة نيابة عنهن!! نعم هذا ما يجري في عراق اليوم. المرأة دوما هي ناقصة عقل، والرجل هو القوام عليها، وكل المعونات له.

إذا كانت المعونة قليلة، والعدد المشمول بها قليلا، فإن مصير العدد الأكبر من الارامل هو مأساة في مأساة، حيث تتحول الكثيرات إلى متسولات، ومنهن من يجبرن على زواج المتعة المؤقت، ومنهن من يعتقلن بتهمة التشرد، ومن يدري، فقد تستغل بعضهن فيصبحن انتحاريات، ومن يصدق أن أسرة ثلاث أرامل، البالغ عدد أفرادها 30 شخصا، يسكنون معا في مجرد قاطرة؟
أجل، هذا ما يجري لأرامل الضحايا وللأيتام في بلد صار يزخر بالمليارات النفطية، ناهيكم عن المساعدات الأميركية السخية، وحيث لرئيس الوزراء وحده 75 مستشارا برواتب ضخمة، ولكل مسئول عدد كبير من رجال الحماية، ولكل نائب راتب تقاعدي شهري بأربعين ألف دولار، لا غير!

هذا ما يجري لهذه الشريحة الاجتماعية من المواطنات العراقيات، اللواتي عانين ما عانين من آلام وكوارث، واللواتي هن الأشد حاجة للعون والإنقاذ. هذا يجري، فيما تدوم الخصومات والمنافسات والصراعات بين القيادات لتقاسم الناصب والامتيازات، وبينما يبلغ الفساد مداه، وتنهب المليارات التي كان يمكن صرفها على الخدمات، وإنقاذ الفقراء والأرامل والأيتام، ومكافحة البطالة.

لو كان المسئولون يقدرون حق التقدير عمق المأساة، ومدى الطابع الاستثنائي والعاجل لحل المشكلة، لوضعوها في أول بنود عمل الحكومة والبرلمان. أليس هذا أدخل في القيم الإنسانية والروحية من تشجيع اللطم وشج الرؤوس؟؟

إننا ندعو الحكومة للاهتمام العاجل بالموضوع، وندعو كل القيادات الوطنية، ومثقفي المجتمع المدني، لحث الحكومة في هذا الاتجاه، فالبلد الذي تتسول فيه الأرامل، ويتشرد الأيتام، وتنهار الخدمات، لا يحق لزعمائه تهويل المنجزات المحدودة، وعليهم الحذر من الرضا المفرط بالنفس، وكأنما كل شيء هو على ما يرام!

25 شباط 2009