الرئيسية » بيستون » لو كنت قاضي المحكمة الجنائية العراقية الذي يحاكم صدام

لو كنت قاضي المحكمة الجنائية العراقية الذي يحاكم صدام

29/11/2005

كم حلمت امهاتنا بمجئ هذا اليوم، كم منهن غادرن دون ان تكحل عيونهن بهذا المشهد ، وابن العوجة وازلامه يقادون كالخراف، ويجلسون وهم يرتدون لباس الخزي والذل ،فى محكمة الشعب.
جاءت جلسة اليوم والكل ينتظر، ربما يمكن لها ان تمحوا بعض من المرارة التي احسسنا بها لدى متابعتنا لوقائع الجلسة الاولى، وقد امنيت نفسي بشتى اعذار في حينه، قلت ربما سبب هذه المرارة تعود الى اننا كنا متلهفين لهذه المحاكمة، ومع طول انتظارنا، رسمنا لها صورة ، تتناسب وحجم المأسا ة التي عانى شعبنا منها. ومع حجم الجرائم التي ارتكبتها هذه الزمرة الحاقدة على الانسانية كلها، اي صورة بعيدة عن الواقع . وقلت في نفسي ربما تولدت لي صورة عن المحاكمة التي انتظرها عن خيالي الذي يبحر مع الافلام التي كنا نراها في طفولتنا، عندما كان الشرير يوزع المأسي في مدينة آمنة ، ياتي المنقذ وفي صراع دامي مع الشرير والذي يأخذ عادة شكل وحش مارد، يستخدم البطل سيفه فينتصر الخير. لذا تخيلت ان قاضي المحكمة سوف يكون هذا المنقذ وسيكون سيفه لسانه الذي اجتهد في تدريبه لهذا اليوم، كاجتهاده في تثقيف نفسه بالمعلومة القانونية الدقيقة، التي ستساعده في استخدام سلاح اللسان، دون ان يقع في اي زلة ، تساعد الجرذ واعوانه من التسلل عبرها والاستفادة منها، وانه سيفحمهم بمنطقه، وصلابة موقفه ، دون ان يحيد عن العدل. لكنه في نفس الوقت سينزل كلامه سلسبيلا على قلوب اهالي الضحايا، وهم بالملايين.

كانت الملايين المسحوقة من الشعب العراقي تحلم وترنوا الى ان هذه المحاكمة ستعيد الى الاذهان، محاكمات البطل الشهيد المهداوي، التي ما زالت تثير الغيض في نفوس أعداء وطننا كلما تذكروها. اي محاكمة شعبية بكل كلمة، تشارك الامهات والارامل والايتام، في توجيه الاسئلة للسفاحين. وربما تتجاوز محاكمات المهداوي، لاننا نرى مشهد ام تتناول خفها (النعال، السلاح العراقي الفتاك) ، لتنهال به على احدهم ، في مشهد يحاكي مثيل له ظهر على شاشة التلفاز عند مقابلة اهالي احد ضحايا الارهاب مع مجموعة من الارهابين، وطبعاً لا ننسى “نعال” ابو تحسين التاريخي ، الذي اوصل ثقافة الخف العراقي الى كل ارجاء المعمورة.

لذا واثناء جلسة اليوم ، اصبحت اتخيل نفسي انا القاضي ، وفي كل موقف اتصور نفسي كيف اتصرف واليكم مشاهد جلسة اليوم. ولتنقلها ( سي ان ان) ايضاً لحظة بلحظة.

تم مناداة المتهمين، وكانوا اليوم اكثر أدباً ، فقد بادروا بالتحية، وعلى ما اعتقد ،نزل ادبهم هذا بقدرة وجود رمزي كلارك، وطبعا ليس لوجود المحامين العرب الاخرين، لاننا نعرف رأي صدام وأزلامه بالعرب، الذي اوضحوه في اكثر من مناسبة وكان اخرها قبل سقوط الصنم بايام..

ما كانت توجيهاتي للكاميرا تتم على ان يصور المتهمين فقط عند جلوسهم ، وانما منذ دخولهم القاعة وهم مكللين بالعار مخذولين خانعين، وانما اطلب تسليط الكاميرا في عيونهم الزائغة ، لنرى فيها الموت القادم اليهم قريباً بعون الله.

كنت طلبت تجريد المتهمين من عقالهم العربي ليس بسبب خوفي من استخدامه كوسيلة للانتحار، لعلمي أكيد ذلك آخر ما يمكن ان يقوموا به ، وانما لاثبت لهم ان (عقلهم) والتي هي رمز الشيمة عند العراقيين قد ذهبت،لدى سقوط اول شهيد عراقي على اياديهم القذرة..
كنت رفضت وجود المحامين الاجانب في القاعة، وطلبت منهم المغادرة، لحين التأكد من وثائقهم وصلاحيتها من قبل كتبة المحكمة. ولكنت افهمتهم ان تطوعهم للدفاع عن الطاغية ، يعني انهم قد اختاروا وبمحض ارادتهم ان يكونوا خصماً للشعب العراقي ضحية من توكلوا عنه..

عند اعلان عن الغياب لبعض من محامي المتهمين وحسناً ما فعلوا، وتوكيل الاخرين عوضاً عنهم من قبل المحكمة ، كنت أطلب اليهم الدخول ، واسمح لهم بالحديث ، وليبدأوا بالاعتذار للشعب ،لانهم سيترافعون عن مثل هؤلاء ،ونحن سنعذرهم ، لا وبل سنتألم للموقف الذي وضعتهم المحكمة فيه ، ولا نحسدهم عليه، رغم ان هذه الفرصة لهم لم تفت بعد..

لم اكن لاسمح للطاغية بالحديث، بالمناسبة ودون المناسبة كأنه ما زال يفرض ما يريد، وفي معرض شكواه من المصعد والسلم ، لقلت له انه نفس المصعد والسلم الذي كان يرتقيه المسؤولون في دولتك، لذا لا حاجة لنا لنذكرك بتلك التي كانت تستخدم في نقل شهدائنا، والتي نحن الان بصدد محاكمتك عن اول دفعة منهم. ولكان ردي على تجريده من القلم، انه خوفا عليه من استخدامه كآلة جارحة، لكي لا تستخدمها للانتحار ، وحينها سيضحك صدام مقهقهاً، ليجيب ” عجل انت ما تعرف شنو جان عندي من اسلحة ساعة اعتقلوني .. وما انتحرت بيها ؟؟؟”

اما عن حقوق المتهم ، كنت طلبت منه ان يوضح للمحكمة حقوق المتهمين في ظل حكمه، حتى نتبعه اليوم ونطبقه عليه وعلى ازلامه.

وفي معرض حديثه على ان المحكمة موجودة في بناية التصنيع العسكري ، كنت سألته وبما انك تعرفت الى البناية ، وذلك يدل على كثرة ترددك عليها ، هل لنا ان نعلم ، كم هي المبالغ التي صرفت على انشائها ، ولحين ذلك اليوم الذي عثرنا عليك ساكناً الحفرة. وما كان الغرض من انشائها ، وتركك لشعبك يتضور جوعاً

اما بصدد اهانته من قبل الحراس الامريكان ، كنا سألناه منذ متى تولدت لديه هذه الحساسية اتجاههم، الم يكونوا هم من اوصلوا حزبه بقطار الى سدة الحكم، ” يعني هاي وان كانت صحيحة ،فهي من باب رفع الكلفة (الميانة) بينك و بينهم”.

مع طلب هيئة الدفاع قراءة الفاتحة على روح المحاميين، كنت وطلبت من المتهمين ومحاميهم قراءة سورة الفاتحة على ضحايا العراق ، وبصوت عالى ثلاث مرات..

اما النقطة البيضاء في المحاكمة كانت تلك الاجابة عن عدم شرعية المحكمة ،حيث كان رد القاضي انها سترسل تحريريا.ً

أما ما تبقى فأني سأخفيه عليكم ، لان مكانه ليس على صفحات الانترنت..

وفي الختام حمدت الله ، اني لم افكر يوماً ان اتخصص في المحاماة، وبذلك وفرت على الحكومة الموقف الذي كنت سأضعها فيه ، لو كلفوني بتلك المهمة. وحمدت ربي أكثر لاختيارهم ، قاضي كالاستاذ رزكار امين لهذه المهمة، رغم مآخذ الكثيرون عنه انه ليس حازماً بقدر كافي ، وان الحزم لا يتنافى وعدالة المحاكمة..