الرئيسية » بيستون » مشاهد فيلية.. قوانين ومعارضة لها لم نفهمها.. ويأس من الحصول على دار سكن

مشاهد فيلية.. قوانين ومعارضة لها لم نفهمها.. ويأس من الحصول على دار سكن

الجمعة 16-12-2005



كانت هناك تحولات كثيرة قد طرأت على العراق، مع بزوغ ثورة تموزالخالدة، عام 1958. فقد تم اصدار قانون الاصلاح الزراعي وقانون الاحوال الشخصية وقد خرج الكثيرون من السجون ومنهم قريبهم، الذي جاء ذات يوم ليصطحب اهله، قائلا انه استأجر سكن لهم، وسيأخذ على عاتقه رعايتهما، بعد ان شكرالعائلة لإهتمامهم بوالديه ورعايتهما في فترة غيابه، كان الموقف مؤثراً جداُ لان العجوزين أصبحا جزء من العائلة خاصة في نظر الابناء والكل يناديهما جدتي (دابير) وجدي (بابير)، لم يخطر في بالهم انه ذات يوم سيبتعدان عنهم،. ولكن طمأنهم الكبار انهما لن يبتعدا كثيراً لانهما سيسكنان الحارة المجاورة وسيتواصلان بالزيارات، لكن رغم ذلك فقد تركا فراغاً عميقاً في حياة الصغار . كما قلقوا كثيراً، كيف لمن خرج من السجن للتو وهو يعاني مشاكل في المفاصل والظهر، حتى ضعف في البصر، ان يعتني بهما، ذلك ما كان يشغل بالهم.
سمعوا همس الاباء، “مسكين يبدو اكبر من عمره بعشر سنين،لا بل يبدو عجوزاً رغم انه لم يتجاوز عقده الثالث من العمر بعد”، وعزوا ذلك لجسامة التعذيب الذي تعرض له، ولكنهم اشادوا بموقفه الصلب، لانه لم يش بأصدقائه. وتحدثوا عن طرق التعذيب التي تستخدم في تلك المعتقلات، ومنها قلع الاظافر والكي ومنعهم من النوم بوضعهم في زنزانات مظلمة يصل الماء فيه حتى الركبة, ولشهور عدة. كانوا يتخيلون ذلك في منامهم ويندمون لانهم تنصتوا لحديث الكبار، وكان ذلك يعتبر عيباً.

كان الاطفال يلعبون في أحد الازقة لتلك الحارات البغدادية، والتي تسكنها الكثير من العوائل الفيلية، تحت صورة ملصقة كيفما اتفق على باب دكان اعتادوا ان يشتروا منه الحلويات والمشروبات الغازية ويصرفون عنده مصروفهم اليومي ( الخرجية).
كان يظهر في الصورة، شيخاً وقوراً، ذو لحية كثة ووجه نوراني، كما تصفه امهاتهم ويلبس عمامة. لقد سمعوا انه يعارض تلك القوانين وكان ذلك غير مفهوم لديهم. كيف يمكن ان يفعل محبوبهم شيئاً، يغتاض منه هذا الشيخ الجليل (السيد) الذي يكن له اهلهم الاحترام ايضاً، تلك المعضلة لم يفهموها حتى اليوم وان تظاهروا بذلك.

أما ابن الجيران فقد جاءهم بخبر عجيب، لم يظهر لهم كعادته ذلك اليوم، وعندما استفسروا عن سبب غيابه. ذكر لهم انه ساعد اهله في أخذ البسط المصنوعة من القصب (البواري)، ليعملوا منه سياجاً لقطعة الارض التي حصلوا عليها مجاناً، من الزعيم حتى يبنوا عليها بيتا لهم، ليتخلصوا من دفع الايجار الذي انهك كاهلهم. كانت تلك المادة الخبرية التي ذهبوا بها تلك الامسية لبيوتهم، مستفسرين من الاهل عن مدى صحتها، وليفهموا أكثر، ما يعني ذلك. ولكنهم قلقوا كثيراً من شئ واحد، ايعني ذلك انهم سيفترقون عن بعض اصحابهم، وكم عددهم يا ترى وخاصة وانهم علموا ان هناك عوائل اخرى فعلت الشئ نفسه او في طريقهم لذلك.

ذكر في ذلك المساء ان أخت الزعيم قد طلبت منه منزلا لتأوي اليه هي وعائلتها، فطلب منها اصطحابه ،وضنت انه سيأخذها الى حيث وجد لها السكن. بعد ان اجتازت بهم السيارة الطرقات ليصلوا الى أحد ضواحي مدينة بغداد ، توقفت عند منطقة كان يطلق عليها خلف السدة، وكان ذلك الحي يتكون من اكواخ تضم عوائل المهاجرين من الريف العراقي الفقير. ويشكلون حزام الفقر حول بغداد ( كحال مدن الصفيح في البلدان العربية الاخرى). وترجلا من السيارة وأشار الى اخته ، اترين هذه الاكواخ، ستحصلين على دار عندما تحصل كل عائلة تسكن هذه الاكواخ على منزل لائق، وقفلا راجعين.