الرئيسية » مقالات » رسالة انتخاب مجالس المحافظات

رسالة انتخاب مجالس المحافظات

لقد جرت انتخابات مجالس المحافظات، وفرزت النتائج، وظهرت أسماء الفائزين، ولكن تأثير رسالتها وما فرز وسيفرز عنها ستقول الكثير. وبعض هذا الكثير سيقول للذين قصّروا بواجباتهم؛ ها، هذه هي المسيرة قد سرت ودار الزمن وفاز بالمواقع التي كنتم تتبوءونها قافلة أخرى من المسيرة التي عمرها سوف لن تتوقف، ولكن شتان بين نتائج أعمال عناصر قافلة مقارنةً بالأخرى.
فالشعب العراقي امتهن الحروب وعانى من الحصارات والكوارث، وفاقت معاناته حدود التصور، وارتفع حجم معاناته جميع حدود التوقع والاستنتاج. فالعلمانيون فشلوا، وأخفق الليبراليون، وخاب المتدينون جميع الامال، والقوميون دمروا ماقبلهم وما بعدهم، والطائفيون لم يتركوا مجالا للخراب إلا وتفننوا في نهشه وتمزيقه، وأخيراً ماجاءوا بالوعود المعسولة والحضارية التي هي الاخرى لم تفلح سوى في جلب المزيد من الدمار على أنقاض الدمار السابق. ولكن لنقول، هذا هو حال المسيرة الانسانية عبر التاريخ لحين أن تتفهم الشعوب وتستوعب دورها في التغيير، عندها ستكون الكلمة الفصل، ويضع الحد لكل الحدود وينهي ويحكم حكمه العلني بالاعدام على كل من وقف في طريق تقدمه وتنميته.
قبل الانتخابات بفترة غير قليلة سمعنا الكثير ورأينا الأكثر من على شاشات التلفزيون عن حجم التخوف من الفساد والتزوير وشراء الذمم واحتمال التدخل في شئون الانتخابات من حيث يجب ان لا يحصل سواء من جانب المراقبين أو القوات الامنية أو من القوى السياسية. وكان الجميع تخاف من الجميع، ولكن وعلى الرغم من أن الموضوع لم يخلوا من التزوير، فكان لتلك التخوفات مشروعيتها لما حصل من تزوير في الانتخابات التي جرت سابقاً. أما الشيء الذي حصل في الانتخابات الاخيرة، وبكل ما حمل من خروقات، فهو عمل جبّار ويجب الاستشهاد به في هذا الظرف، ومدى الحيطة والجدية التي رافقت تلك العملية الصعبة والقاسية بحيث تمر بشكل متعافي من هذا المرشح الذي يشوبه الشك والفساد والتزوير وشراء الذمم وغير ذلك. ففي تاريخ البشرية لم نسمع بهذا العدد من المراقبين الذين فاقوا 450 ألف مراقب في عموم العراق (حسب تصريح ديمستورا)، مما يعكس حجم الاهتمام المحلي والدولي بهذا الحدث. وفي نفس الوقت حجم التخوف من التزوير والاختراق الامني، ولكن الحمدلله على سلامة الجميع. فهي جرت من غير إراقة دماء لأبرياء ليس لهم ذنب سوى أن يساهموا في تنمية وتقدم وخلاص بلدهم من هذا الكابوس الذي جثم على صدورهم، والف حمدا لله على سلامة وسلاسة هذه العملية ومرورها بسلام.
إذن الشعب قال كلمته في هذا الوقت بشكل أكثر دقة عن سابقاتها، وبكل تاكيد سيعي ويقدر الفائزين هذا الدور والدعم الذي قدمه لهم المواطنين. وبالتأكيد سَيَعْون كذلك فيما إذا اخفقوا سوف لن يمر الامر بتلك السلاسة والسهولة التي مرت على غيرهم. لذلك نتوقع منهم ان يطوٍروا ويعملوا جاهدين من أجل المصلحة العامة، ونأمل منهم في أن يتجاوزوا الذات، ويتفهموا معاناة الناس التي أوصلتهم إلى تلك المراكز. وبشكل عام يمكن فهم ثلاث رسائل من نتيجة المساهمة الكبيرة والفعالة من جانب المجتمع الايزيدي.

الرسالة الاولى: أتمنى أن أفتهمت القيادات الكردية هذه المرة أكثر من غيرها من المرات فحوى الرسالة التي حملها الايزيديون على أكتافهم، وما لعبوا من دور في ايصال القائمة الكردية التي لم تدّخر هي الاخرى جهداً في سبيل الفوز لتصل إلى مبتغاها ضمن محافظة نينوى والتي بدونها لم يكن لها ان تحلم بما تحقق، وما حصلت عليه. وأن تعي جغرافيتهم وعددهم وحيوية دورهم في تغيير موازين القوى في محافظة نينوى الحيوية بالنسبة للأمن القومي الكردستاني، وأن تغير من نظرتها وتعاملها بما يلائم ويستحق موقفهم. فكان من مجموع عدد أعضاء مجلس المحافظة الواحد والاربعين في الدورة السابقة، فقط ثلاثة من الايزيديين من بين الواحد والثلاثين من الاعضاء الاكراد من اصل المجموع. ولكن بلغت نسبتهم الآن اكثر من الربع من أصل السبعة والثلاثين عضوا في مجلس المحافظة بعدما تم تبديد الغشاوة ودخل الايزيديون بطاقاتهم الشبه كاملة في رسم مستقبلهم. فاليوم، لا يعد للوجود الكردي في مجلس محافظة نينوى أية قيمة إلا من خلال الاعضاء الايزيديين.

الرسالة الثانية: أتمنى أن أفتهمت القوى العربية هي الاخرى ايضاً أهمية وحجم ومقدار وحيوية المجتمع الايزيدي في محافظة نينوى، وأن يدرسوا ويستوعبوا نتيجة هذه الانتخابات ومقدار ما يمكن أن يلعبه الايزيديون في الساحة السياسية العراقية فيما إذا أتحدوا ولعبوا دورهم الاساسي. فهم لاعبون أساسيون في الساحة السياسية لمحافظة نينوى وبالتالي في عموم العراق، كما حصل في إنجاح الاستفتاء على الدستور العراقي عام 2005.

الرسالة الثالثة: وهي بالتأكيد ستكون موجهة إلى المجتمع الايزيدي نفسه، ومدى أهمية استيعاب الدرس الذي حققوه عندما أتحدوا وأتخذوا الموقف بجدية، وكيف نجحوا في الوصول إلى القسم الاكبر من استحقاقاتهم بأصابعهم الارجوانية المخضبة بدماء شهدائهم، وليس بمنة من أحد. بل هم اصبحوا الآن اصحاب الفضل الاكبر بشرف وكبرياء ويمكنهم القول بأعلى صوتهم بأننا ثالث أكبر ديانة في العراق، وثاني أكبر مكوٍن في محافظة نينوى، ونحن الذين نستطيع أن نفعل مانريد في مناطقنا لأننا نحن الذين نشكل الاغلبية والبقية هم الاقلية. فليروا بأن عدد اعضاء القائمة الكردية قبل الانتخابات 31 من اصل 41 وكان للايزيديين ثلاثة اعضاء فقط ومن ثم ليقارنوا النتيجة الان بين عددهم بالامس وعددهم اليوم. فيمكن أن تحصل نتيجة مماثلة في البرلمان القادم فيما إذا تم التحسب بدقة وحينها دعوا للبرلمان شأنه في التعامل مع حقوق الاقليات، وليحذفوا الحقوق على راحتهم، ومن ثم علينا تثبيت ذاتنا من خلال تعاوننا على كسب حقوقنا باصابعنا. وفي مثل هذه الاحوال على الاعضاء الجدد أن يعوا المخاطر فيما إذا لم يتصرفوا بالحكمة والتروي. لأنه ليس كل من وصل سيفوز بالملذات، وإنما يفوز بها من يعرف كيف يتصرف، وماذا يقدم بناءً على متطلبات مدروسة بعناية ومسنحقات قانونية، وليس مطالب متسرعة ومتهورة حسب العواطف، أو مساندة جهة على حساب الاخرى على الحق والباطل.
أملنا كبير في أن يعي الفائزون باهمية دورهم الحيوي في هذه الفترة، وأملنا كبير أيضاً بأن يقفف المسئولين على نتائج هذه الانتخابات ويحللوها بعمق، ويدرسوا ما افرزتها من نتائج، واملنا أكبر في أن تتفهم القيادة الجديدة في مجلس محافظة نينوى دورها بشد أزر البعض في حماية المصالح العليا للمحافظة والتأكيد على المصالحة الوطنية وترك الحساسيات جانباً لصالح العام، وأن تفكر بأن للجميع الحق في تربة وطنه بنفس المقدار والمقياس. وإذا ما قدموا مستحقات المواطنين، فالتاريخ سوف يسجل لهم تلك المواقف وأن الشعوب لا تنسى المواقف الايجابية، كما لا يمكن لها من أن تنسى المواقف السلبية ايضاً، والدليل هو فشل الاحزاب الدينية في تعبئة الناخبين بعدما أخفقوا في الوعود التي جاءوا بها. ولهذا نقول مبروك لكل من فاز، وتحية لكل مرشح نافس الاخرين ولم يفز، وتحية وتقدير للشعب العراقي على الوفاء بوعده في إنجاح العملية السياسية، وتحية مفعمة بالوفاء للحكومة العراقية والامم المتحدة في السيطرة على الوضع الامني وحقن دماء الأبرياء.
فنرجو أيضاً أن الحكومة العراقية قد وعت وأفتهمت هذه الرسائل وأهمية الشعب ودوره في مساندتهم في تحقيق الامن والاستقرار من خلال هذه العملية المشرفة. وكذلك عليهم معرفة حقيقة المكون الايزيدي لما له من أهمية كونهم يتركزون في مناطق جغرافية محددة، ولهم أهميتهم الاستراتيجية والجيوسياسية المستقبلية في الحكم على الكثير من المتغيرات ولعب الادوار. وأهم ما يقال هنا هو عليهم جميعاً أن لا يبنوا آمالا على تخلّف الايزيديين حيث أنهم قد وعوا دورهم، وأنهم سائرون في طريق الوعي وتشخيص المصالح. وعندما تقرأ الاجيال الصاعدة تاريخها الاسود في سابق العهود، فسوف تقشعر لها ابدان الكثيرين منهم، وينتصب شعر راسهم من هول ما تعرض له اسلافهم من مجازر وحشية تفوق حدود التصور. وبكل تأكيد سيثيرون ويحركون شعور الاخرين بما يجعلهم يفكرون كغيرهم في المطالبة بالاستحقاقات وتقرير المصير حسب الدستور العراقي الجديد. ومن الله التوفيق. 


القاهرة في شباط/2009