الرئيسية » مقالات » العراق الجديد (الديمقراطي) لا يمتلك سفيرة بالخارج !

العراق الجديد (الديمقراطي) لا يمتلك سفيرة بالخارج !

مشاركة المرأة في الحياة العملية ، وبكل أصنافها ، لم يعد ضرباً من المساواة او المطالبة بالحقوق او العدالة الاجتماعية .. بل أصبح حاجة و ضرورة حتمية لإنجاح المجتمع بنيوياً و ثقافياً و اقتصادياً .. المجتمع العراقي الذي تمثل المرأة فيه اكثر من نصف السكان ، فضلاً عما يعانيه من مشكلات اجتماعية و ثقافية و اقتصادية .. فهو يواجه مشكلة بناء جديد على جميع الأصعدة .. و بالتالي فدون استثمار مقدراته البشرية و التي (تمثل المرأة ما يزيد على نصفها) لن ينجح في البناء الجديد .
اعمار العراق ، بطبيعة الحال ليس فقط من خلال بناه التحتية و الفوقية .. بل يتعدى ذلك وصولاً الى كافة الحقول و الاصعدة بالتالي فمشاركة المرأة العراقية هي ركن الزاوية في نجاح العمل و من غيره فلن ينجح العراق الجديد في الوصول لمبتغاه .. وخاصة وان نسبة التعليم و خاصة الجامعي للنساء في العراق هي جيدة و مشجعة للتطوير .. ولإيلاج المرأة العراقية في كافة حقول العمل في العراق .
المرأة السياسية و القانونية و الدبلوماسية ، موجودة في العراق و نشطة .. فحملت الشهادات العليا من النساء العراقيات ووفقاً للإحصائيات الرسمية للعام الدراسي 2005 – 2006 بلغ 653 طالبة ، وحملة الدبلوم العالي لنفس العام 73 طالبة ، اما عدد الخريجات من الجامعات و المعاهد العراقية في العام 2005 – 2006 فهو 4105 طالبة .. و منذ العام 2007 تضاعف عدد النساء العراقيات بالجامعات تزامناً مع التطور الامني في العراق .. وخاصة في الاختصاصات السياسية و القانونية .. بل هنالك عدد كبير من النساء حملت الشهادات و ذوات الخبرة ممن لم يجدن الفرصة للمساهمة في العمل و المشاركة ببناء العراق .
تركيزي على المرأة السياسية و القانونية و الدبلوماسية ينبع من خلل كبير في المنظومة او الصعيد الدبلوماسي العراقي في ميدان إشراك المرأة .. فهل من المعقول او المنطقي ان يكون العراق الجديد (الديمقراطي) و الذي يمتلك اليوم ما يزيد على الخمسين سفارة بالخارج و يسعى لمضاعفة تمثيله بالخارج لأعلى مستوياته ، ليس في منظومته الدولية اية (سفيرة) عراقية عاملة في الخارج !!
فلم يشهد العراق الجديد اي سفيرة عراقية ، سوى السفيرة (رند رحيم) التي شغلت منصب سفيرة العراق في الولايات المتحدة لفترة قصيرة من العام 2003 .. و بعدها لم تتكرر التجربة .. رغم وجود دبلوماسيات عراقيات كثيرات يعملن في حقل الخارجية العراقية ، كما ان موضوع (المحاصصة في السفراء) الذي طرحه و نفذه مجلس النواب العراقي مؤخراً في خطوة بالغة السلبية و بعيدة عن الديمقراطية استثنت المرأة ايضاً .. فاين هي مشاركة المرأة ياترى ؟
لماذا المرأة السفيرة ؟ الم يسأل الساسة العراقيون انفسهم حول اهمية صناعة سفيرات عراقيات .. هل هي الرغبة بأشراك المرأة فقط ، ام لتطويرها ايضاً ؟ ان التجارب الدولية اثبتت ان السفيرات من النساء قدمن لبلدانهن او بعبارة ادق للنساء في بلدانهن الكثير من الافكار و التطبيقات التطويرية مستفيدات من التجارب التي عاصرنها عملياً في مرحلة عملهن كسفيرات في خارج بلدانهن .. فلعل اهم من ساهم في تطور واقع المرأة في باكستان هو السفيرة البيجوم لياقت علي خان التي حرصت على نقل تجاربها في الخارج لنساء شعبها .. وكذلك الحال مع السفيرة الهندية فيجايا لا كشمي بانديت ، التي ساهمت تجربتها في خمسينيات القرن الماضي بوضع اهم التطورات على الواقع النسوي في الهند .. وان كانت البيجوم و بانديت من دول نامية و غير متقدمة كباكستان و الهند .. فعلينا ان نعي ان الدول العظمى كالولايات المتحدة .. رهن تطور المرأة فيها من خلال سفيرات نساء ايضاً من خلال اطلاع تلكم السفيرات على تجارب خارجية و اهمهم السفيرة كلير بوث لويس التي قدمت الكثير من خبرتها لتطوير النساء في بلدها الذي يعد اكثر بلدان العالم تطوراً .
سأستعرض بأختصار نبذة عن هذه الامثلة الثلاثة لسفيرات عملن في نصف القرن الماضي و ساهمن في تطوير واقع النساء في بلدانهن ، في اشارة للدور الذي تقدمه المرأة السفيرة لتطويرنساء بلدها .. و كذلك في اشارة الى البعد الزمني فهن منذ خمسينيات القرن الماضي يعملن و نحن اليوم على مشارف العقد الثاني من القرن الحادي و العشرين دون سفيرة عراقية !!!

فلنبدأ بالسفيرة الباكستانية (البيجوم لياقت علي خان) التي تعتبر و حسب اطلاعي اول امرأة مسلمة تمثل بلداً اسلامياً في الخارج .. وقد عملت سفيرة لباكستان في هولندا .. (البيجوم) هي ارملة اول رئيس لوزراء باكستان بعد ان انشطرت من شبه القارة الهندية و اصبحت جمهورية اسلامية مستقلة .. ولكون (البيجوم) كانت قد قدمت العديد من الخدمات لبلادها عامة و لنساء بلادها خاصة ، فقد اختيرت كأول سفيرة من النساء لبلادها .. لقد امنت البيجوم لياقت علي خان ، منذ يفاعتها بأن نهضة المرأة (السياسية انذاك) هي مفتاح نهضة الشعب بأسره و من ثم كرست حياتها منذ البداية لتحقيق هذه الغاية ، وكان اول ما عملته ان نادت بنشر التعليم بين النساء في باكستان .. ولم تقتصر في ذلك على مجرد الدعوة ، بل بالعمل ايضاً ، فأسست المدارس ، و الاندية الاجتماعية ، و المراكز الصحية التي تضطلع فيها المرأة بالعمل من اجل تطوير نساء بلادها .. وقد استغلت بأيجابية واقع زوجها لياقت علي خان كرئيس للوزراء لتطوير المرأة في بلادها .. وقد تجلت اراء و اعمال البيجوم لياقت علي خان ، على اثر تقسيم شبه القارة الهندية ، اذ عمدت الى تأليف لجنة (الخدمة النسائية الباكستانية) للعناية بشؤون اللاجئين المسلمين المتدفقين الى باكستان (الوليدة انذاك) ، كما فتحت باب التطوع امام فتيات باكستان للتدرب على شؤون التمريض و الاسعاف و الوقاية و نظمتهم في تشكيل اطلق عليه اسم (الحرس القومي النسائي الباكستاني) ثم عملت على تأسيس اهم جمعية نسائية وهي (الجمعية النسائية الباكستانية) التي امتدت فروعها لاحقاً الى جميع انحاء باكستان و تولت هذه الجمعية انشاء المدارس و النوادي و المراكز الصحية و الاجتماعية في جميع انحاء باكستان وقد دعت هذه الجمعية في عام 1952 الى اول مؤتمر اسلامي دولي عقد في كراتشي وضم مندوبات عن الجمعيات النسائية في انحاء العالم الاسلامي ، وفي مرحلة لاحقة بعد وفاة زوجها .. اختيرت البيجوم لمنصب سفيرة بلادها في هولندا ، لتكون اول امرأة مسلمة تعمل كسفيرة .. وقد قامت البيجوم و بالتنسيق مع الجمعية النسائية الباكستانية بأرسال تجارب دولية تطويرية للمرأة في هولندا لبلادها طيلة عملها كسفيرة .. كما ساهمت في تطوير الاندية الاجتماعية و الصحية و البنا التحتية العلمية لنساء بلادها مستفيدة من اطلاعها على تجارب اوربا .

المرأة السفيرة الثانية التي لا بد من الاطلاع على سيرتها و دروها في خدمة نساء بلادها .. عسى ان نستفيد من هذه التجارب هي السفيرة الهندية السيدة (فيجايا لا كشمي بانديت).. بانديت هي شقيقة الزعيم جواهر لال نهرو ، خليفة غاندي ، وحامل لواء السلام من بعده .. انحدرت من اسرة من اشراف الهند (البراهمة) وتلقت العلم كأخيها ، و نشأت في بيت اسرتها نشأة متحررة من القيود الاجتماعية اخذة بأسباب التحديث .. و كأخيها ايضاً كرست حياتها للسياسة ، ونزلت المعترك السياسي سريعاً ، و سجنت في سبيل ذلك ثلاث مرات : الاولى في عام 1932 حين حضرت اجتماعات لحزب المؤتمر الذي كان يرعاه غاندي ، بل اقنعت كذلك امها و اختها الصغرى بحضور هذا الاجتماع .. وفي اليوم التالي قبض على ثلاثتهن .. وفي عام 1941 عادت الى السجن مرة اخرى بتهمة العصيان المدني ثم عادت اليه مرة ثالثة في عام 1942 بتهمة مقاومة الاستعمار البريطاني انذاك .. وقد خاضت فيجايا يا لاكشمي المعترك السياسي منذ شبابها وتولت منصباً سياسيا بعد اخر ، حتى اصبحت السيدة الاولى في العالم من حيث تعدد المناصب السياسية التي اسندت اليها .. ففي عام 1937 عينت وزيرة للشؤون البلدية و الصحة العامة ، وقد ابلت عندئذ بلاء حسناً حين دهم البلاد وباء الكوليرا و نجحت في القضاء على الوباء .. ثم بعد ذلك بعشرة اعوام أي في عام 1947 ، عينت اول سفيرة لبلادها في روسيا .. وفي عام 1949 عينت سفيرة للهند في الولايات المتحدة الامريكية .. وقد عنيت خلال اقامتها هناك بتفقد الاندية النسائية ، كما القت عددا كبيراً من المحاضرات في النوادي و المدارس لتعريف المجتمع الامريكي بالهند و سياسيتها .. لاستقطاب القوى الكبرى دعماً لبلادها .. ثم في عام 1953 ، احرزت نصراً لم تحرزه امرأة قبلها (انذاك) ، اذ عينت رئيسة لوفد الهند في الامم المتحدة ثم اصبحت لاحقاً مندوبة سامية للهند في بريطانيا .. و مناصب عديدة اخرى حصلت عليها هذه السيدة ، وقد عرف عنها انها كانت تقوم برحلات في انحاء العالم ، حيث تلقي المحاضرات معرفة شعوب العالم بالهند ، وسياستها ، ومظاهر نهضتها ، كما كانت تجلب اكثر التجارب العصرية لبلادها للتطوير و خاصة في مجال المرأة .

السيدة الثالثة التي اشتهرت كسيدة سفيرة هي الامريكية (كلير بوث لوس) ، التي كانت اول امرأة تصبح سفيرة في الولايات المتحدة في بلد اجنبي .. وهذه السيدة تقلبت في ميادين الادب ، و الصحافة ، و السياسة ، قبل ان يتركز اتجاهها الى السياسة ، وفي كل هذه الميادين الثلاثة بدأت من البداية ، وذاقت مرارة الفشل قبل ان تبلغ النجاح في كل منها وبأصرار .. وقد بدأت بالصحافة وهي بعد في الثامنة عشرة من عمرها .. وكانت تريد ان تلتحق بجامعة كولومبيا لتدرس الصحافة ، واثرت ان تتعلم الصحافة بالممارسة فأنضمت الى هيئة تحرير مجلة (فوج) في عام 1930 ولم تمضي بضعة اعوام حتى غدت مديرة تحرير المجلة ، وقد تزوجت في عام 1935 من الصحفي (هنري بوث لوس) صاحب مجلة تايم و لايف و فورتشون وقد عملت مراسلة لهذه المجلات .. و الى جانب الصحافة ولجت كلير ميدان التأليف وكتابة الروايات و المسرحيات وقد فشلت في ذلك اول الامر ثم نجحت رواياتها وعرضت في المسارح .. اما حياتها السياسية فقد استهلت في عام 1944 حين انتخبت عضوا بمجلس النواب الامريكي عن الحزب الجمهوري في احدى دوائر ولاية كونكتيكت اصبحت لاحقاً عضو بارز في الحزب الجمهوري .. وفي عام 1953 التحقت بالسلك السياسي الامريكي وعينت سفيرة لامريكا في ايطاليا .. وكان نجاحها في منصبها كسفيرة مفتاح لدخول عدد اكبر من النساء الامريكيات لسلك الدبلوماسية .

التجارب الثلاث التي اخترتها تمتد لاواسط القرن الماضي .. ولبلدان قطعت اشواط في مجال المشاركة السياسية للمرأة ، و تكرس تقدمها اليوم لنجد المرأة لديهم في جميع المناصب السياسية .. اليس العراق الجديد بحاجة للاستفادة من هذه التجارب .. الم يحن الوقت لمشاركة المرأة العراقية في الصعيد الدبلوماسي .. ام للمحاصصة رأي اخر .
هل ستبقى الخارجية العراقية حكراً على الرجال .. و نحن في مرحلة بناء تتطلب استنفار كل الطاقات للوصول ببلادنا لطموحنا الكبير ؟