الرئيسية » مقالات » الشورجة ارث من عبق الماضي وألق الحاضر..

الشورجة ارث من عبق الماضي وألق الحاضر..

شئنا ام ابينا فلابد لزائر الشورجة ان يخفف الخطى لاسباب عدة ربما أهمها ما توحيه وكأنها إحدى أسواق التاريخ وهذا ما يحفز الذاكرة على تخيل عقود انطوت من تاريخ بغداد وذلك من خلال تشابك محالها وأسواقها وازقتها بل حتى بعض معروضاتها وخاصة الاعشاب والتوابل منها فضلا عن تاريخ بناء بعض محالها والتي جاوزت عقوداً كثيرة .. وهذه المئات بل الآلاف من المحال تشد كل من يدخل السوق إلى التبضع حتى الذين جاءوا لزيارتها أو رؤيتها … كما ويعد مكانها الذي يقع على ثلاثة شوارع هي الرشيد والجمهورية والكفاح – وهذا الموقع جعله أهم أسواق بغداد قاطبة ومركزها التجاري – سبباً رئيساً لاهميتها إذ لا تستغني أية عائلة عن زيارتها والتزود بما تحتاج من لوازم البيت الصغيرة والكبيرة وهذا بلا ادنى شك جعلها مزدحمة طوال ساعات النهار حيث يزورها يومياً عشرات الآلاف من الأشخاص بغية التبضع …

لا بد لنا من الاعتراف بان سوق الشورجة عبارة عن مدينة صغيرة اذا ما عرفنا بأنها تضم اربعة جوامع اشهرها الخلفاء ومرجان وحمامات شعبية ومقاهي عدة وعلى عشرات المطاعم الكبيرة والصغيرة فضلاً عن العديد من الفنادق والكراجات المخصصة لمبيت الشاحنات التي تنقل البضائع الى المحافظات التي تسمى بـ (النقليات) وهذا التنوع في السوق استقطب الاف الايادي العاملة كي يقدموا خدماتهم للمتبضعين .. إلا إن هذه المدينة الصغيرة – إذا جاز لنا وصفها بهذا التوصيف – كانت عبارة عن مستنقع قبل 400 عام كما يعتقد بعض تجارها .. وهذا الاعتقاد يؤيده السيد فريد عباس – باحث تراثي – وذلك عبر تأكيده بأن اسم الشورجة جاء نسبة أو اشتقاقاً من كلمة (سيرجة) التي تعني النهر أو المستنقع فضلا عن ما أكده المرحوم الشيخ جلال الحنفي – الذي يعد من أهم أعلام العراق – اذ يقول :”الشورجة نهر مالح باللغة الفارسية ونفي ان يكون الاسم مشتقاً من اسم “شيرج” إذ أن الشيرج هو مادة دهنية تستخرج من السمسم وتستعمل للطبخ وقد كانت بغداد اجمعها تستعمل هذا النوع من الدهون”
من المهم الإشارة هنا بأن هذه السوق توسعت بعد افتتاح شارع الرشيد بداية القرن الماضي وانتعشت تجارتها .. ولكن بعض تجارها يؤكدون بأنها أصبحت سوقاً تجارية بالمعنى الدقيق لها في أربعينيات القرن المنصرم وكان اغلب تجارها من الطائفة اليهودية ولم تكن بهذا الانتشار والاتساع والتخصص.
يقول السيد عباس علي اكبر تاجر بلاستيك : إن اقدم أماكن الشورجة هو خان الاغا وخان دجاج .. وقد اشتهرت اسواق الشورجة لأنها تخصصت بنوع محدد من البضاعة أو أنواع مختلفة ولكن إحداها اكثر مبيعاً فهنالك سوق الصابون التي كانت في السابق لا تبيع سوى مساحيق التنظيف ، أما الآن فهي تبيع فضلا عن المساحيق بضائع متنوعة .. كذلك سوق العطارين ، إذ ان اغلب تجارها ممن يمارسون مهنة الاعشاب والتوابل وسوق التمن التي تعرف حالياً بسوق السكائر خاصة القسم القريب منها من شارع الكفاح حيث اصبحت بورصة لبيع السكائر ، وكانت سابقاً متخصصة ببيع الحبوب ، ومازال بعض محالها تمارس التجارة نفسها ولكن التمن كان له حضور متميز قياساً بباقي الحبوب ولذلك جاءت تسميتها بسوق التمن .. وهذه التوصيفات تنطبق على سوق البلاستيك والفافون والزجاج الايراني – التي تبيع البضاعة الإيرانية – والدهانة والنايلون وغيرها الكثير من الاسواق علاوة على ان بعض عماراتها اصبحت أسواقاً تجارية لها سمعتها المتميزة كسوق عمارة القادسية والكناني اللتين لم يحالفهما الحظ ، فالأولى احترقت بالكامل والثانية لم تكن افضل من سابقتها فقد احترقت أيضاً وتضررت مرة ثانية بانفجار سيارة ملغمة .. فضلا عن احتراق أجزاء أخرى من السوق.
في عودة ثانية للباحث التراثي ، يؤكد بأن شورجة الكفاح هي السوق الام ومنها تفرعت باقي الأسواق الأخرى .. وتمتد الشورجة الحالية من بداية جامع مرجان على شارع الرشيد حتى شارع الكفاح وتجاورها أسواق عدة منها السوق العربي الذي تم بناؤه في العام 1978 الى جانب سوق تحت التكية المختص بالملابس وسوق الجام ، أما سوق الصفافير والقماش وشارع السموأل فتقع على الجهة المقابلة لها ، ولا ننسى سوق السجاد التي تمتد محالها من ساحة الوثبة حتى سوق الغزل المجاورة لشورجة الجمهورية فضلاً عن سوق الكهربائيات المعروفة بـ “عكد النصاري” مما جعلها اكبر سوق تجارية في بغداد بشكل خاص والعراق بشكل عام ، ومن هنا جاءت أهميتها .
أما السيد صفاء العاني تاجر بقوليات فيرى بأن السوق جزء مهم من تاريخ أغلب العاملين فيه وخاصة تجاره الذين لا يستطيعون تغيير أماكن عملهم بأماكن افضل أمنا ..ويعلل ذلك بالعلاقة التي تربطهم مع تجار المفرد والمتسوقين ، خاصة القادمين من المحافظات .. وهذه العلاقة بلا أدنى شك جعلت تجارتهم رائجة ومربحة ، وان تغيير المكان يعني خسارتهم وكساد بضاعتهم .. ولهذا جعلت الأربعين عاما التي قضيتها – ومازال الحديث للعاني – داخل السوق بيتاً وراحة لي ، وهذا التوصيف ينطبق على معظم تجار السوق … وبالمقابل فنحن نشعر بالحزن على ما أصاب السوق من محاولات لتدميره ، والتي أدت إلى تلكؤ أعمالنا وتقليص ساعات العمل .. إذ كنا في السنوات السابقة أفضل حالا لأنها كانت تضج بالحركة منذ ساعات الصباح الأولى وحتى ساعات الليل .. أما الآن فأن أعمال تجارها تتعطل بالكامل عند الساعة الثانية ظهرا ، مع عدم عرض بضاعتهم كلها ، خوفا عليها من السرقة أو التفجيرات .. ومن هنا فقدت السوق جزءاً مهماً من ألقها كما أن سكان بغداد بدأوا يلجأون إلى أسواق مناطقهم .. لكن وبرغم كل الأحداث التي شهدتها السوق فستبقى مرام التاجر والمستهلك على حد سواء ، فالكل يحن إليها ولسنواتها .. ومادامت الحياة باقية فأن عبقها سيظل قادراً على استقطاب جيل بعد جيل ، كونها ارثا جمع عطر الماضي عبر أسواقها القديمة والجديدة .
لا بد من الإشارة الى ان بعض الأسواق استعارت اسم الشورجة دلالة على مكانتها لدى المتبضعين وهذا ما نراه واضحاً في سوق البياع التجارية التي أطلق عليها تجارها اسم (شورجة البياع) فضلا عن عشرات اللافتات الموضوعة على واجهات بعض المحال التي تقول : نبيع بأسعار الشورجة ، بل أن اجمل وصف لحال الشورجة سمعناه من السيد أبو عبد الله تاجر كرزات مفاده : إذا رأيت الحمال منهمكاً في عمله فهذا دليل على إن التجار بخير .. فنحن سلسلة من العاملين تبتدئ من الحمال وتنتهي بالتاجر .. اما الكل يعمل أو الكل يتوقف .

Shafaq