الرئيسية » المرأة والأسرة » بعض القضايا الاجتماعية في ظل نظام العشيرة

بعض القضايا الاجتماعية في ظل نظام العشيرة

تعتبر العشيرة تجمعا اجتماعيا قائما على أسس أخلاقية , اجتماعية معينة ظلت مسيطرة على واقعنا المعاش لفترة طويلة وما زالت تسيطر عبر بعض مورثاتها وتأثيراتها رغم احتضارها الأولي وتبعا لهذا النظام العشائري كانت هناك أسس تستند إليها العملية التشريعية ضمن العشيرة وتنطبق على كل أفرادها رجالا ونساء وكانت تعاني الجماعة العشائرية من مشاكل وأزمات لا حصر لها بدءاً من قضية المهر ومرورا بقضايا الثأر وليس انتهاء بتنظيم ( التكافل الاجتماعي ) بأشكال غير مكتملة وغيرها مم كانت تعاني منه هذه الفئات من الويلات الكثيرة , ولكن هل بدأت هذه الظاهرة العشائرية في التسلط الاجتماعي بالانحسار بعض الشيء مع انحسار تدريجي لعنفوان العشيرة ذاتها ؟ .
المهر بداية
لقد كانت قضية المهور من وجهة النظر العشائرية تعني مدى عظمة العشيرة فكلما زاد المهر فهذا يعني بأن العشيرة لها قوتها وسلطتها أما إن انخفض المهر فهذا ما كان يدل على صغر شأن العشيرة وعدم قدرتها على مجاراة العشائر الأخرى عظمة . ومع مرور الزمن بدأت تشكل هذه الظاهرة عائقا أمام حتى أكثر العشائر ( قوة) و(كبرا ) و (تأثيرا ) حتى أن الآثار السلبية لهذه الظاهرة أصبحت جلية في ما يعانيه الشباب الذين بدؤوا يتذمرون من وطأة هذه التقاليد وهنا وأمام الصراع بين جبروت العشيرة والحاجات الاجتماعية ظهرت في بعض هذه العشائر حالة من بزوغ الحل فطرحت كحل وسط فكرة تخفيض أو حتى إزالة المهر ضمن العشيرة فقط وبذلك يحفظ ماء الوجه للعشيرة وتصبح هنالك فرصة لشبابها بالزواج وفق شروط يسيرة من حيث المهر وصعبة من حيث ضيق مجال الاختيار , ولكن تبقى هذه الخطوة هي الأولى في طريق الحل الأعم لهذه الحالة الإشتراطية للعشيرة على الشباب .
الثأر
لم يكن الصراع في قضية المهور أكثر ايجابية من الصراع المتولد من قضية الثأر الموجودة ضمن النظام العشائري والتي كانت تسمح لطالب الثأر بأخذ ثأره من عائلة القاتل حتى درجات بعيدة من القرابة فيحق له بذلك قتل أبناء عم هذا القاتل مثلا وبذلك تتسع مساحة المعانين من هذه المشكلة , ولكن هذا الصراع ما بين التقليد العشائري الناجم عن الاعتقاد بوجود علاقة وثيقة بين عملية القتل وكافة من ينتمون إلى عائلة القاتل وبين وجوب الفصل بين هذا القاتل وأهله وخاصة الأبعدون منهم لأن هذا القاتل ليس بالضرورة أن يكون على حق دائما ولأنه كثيرا ما يكون هناك خلاف بينه وبين أقرباءه ممن توجب العشيرة قتلهم في الثأر وبذلك نتجت عن هذه العملية قرارات عشائرية تلزم طالب الثأر بالاكتفاء ( في بحثه عن الثأر ) بالبحث ضمن إطار أضيق وهو أسرة القاتل فقط وبذلك تكون هذه الدائرة قد ضاقت بما يتيح تعبيد الطريق نحو التخلي عن هذه الظاهرة أيضا والانتقال بها إلى الدوائر الرسمية والقانونية لمعالجة مثل هذه الأمور والتي لا تجلب إلا الويلات الكثيرة وخاصة إذا ما استمرت عمليات الثأر بحصد أرواح كل من يقتل ومن ثم كل من يثأر وهكذا دواليك .
التكافل الاجتماعي بشكله الخاطئ
وإذا ما كانت قد تولدت ضمن النظام العشائري بعض الأمور السلبية منذ بدايتها فإن بعضها الآخر قد تولد نتيجة الرغبة في مساعدة أفراد هذه العشيرة فتولدت فكرة مساعدة كل من يتعرض لحادث أو أذى ضمن العشيرة بشكل مادي فكانت تجمع التبرعات ( المحددة بقدر ثابت أو غير ثابت ) لمساعدة بعض المنكوبين وحسب عرف العشيرة , ولكن ما كان يثقل كاهل الواجب العشائري الشريف في هذه الحالة هو أن معظم من كانت تمنح لهم هذه المساعدات والأموال كانوا ممن لا يستحقون أن تعطى لهم مثل هذه الأجور على أعمال إجرامية كانوا يقومون بها أحيانا دون أي رادع واثقين ومطمئنين في سريرتهم إلى تكافل العشيرة معهم في حال تعرضهم للضائقة المالية التي كانت تحل كل مشاكلهم أحيانا ,وبذلك كانت تنتقل هذه الحالة التكافلية إلى نوع من الأدوات الدافعة بأبناء العشيرة لكسر بعض الموانع الأخلاقية وممارسة بعض الأفعال غير المقبولة ومن ثم طلب المعونة .وهنا بدأت عملية التذمر من قبل من ينتمي للعشيرة أولا وينتمي لمنظومة فكرية أخلاقية خارجة عن سلطة العشيرة ثانيا وبذلك بدأت عملية التكافل هذه تأخذ أشكالاً أخرى منطلقة من البدء بتضييق المساحة التي يمكن للمرء ضمنها الحصول على هذه المعونة كحصر المعونة بحالات الوفاة والأمراض الخبيثة وبذلك تحمي العشيرة نفسها من الخوض في سجالات التكافل الداعم للسلب قبل الإيجاب .
إن التشارك الاجتماعي في تنظيم العملية الأخلاقية والتكافلية وقوانين تنظيم هذا المجتمع وفق معايير التجمع أمر فيه الكثير من الفائدة ولكن أن يتحول هذا التجمع إلى أداة لقمع أفراده عبر سلطة الجماعة المحكومة بسلبيات معينة وآراء خاضعة لسلطة فئة محددة ترث السلطة العشائرية فهذا ما هو غير مقبول إطلاقا , وتحول هذه الجماعة ( العشيرة ) من حالة اجتماعية قمعية فردية إلى حالة اجتماعية مؤسساتية أوسع يشكل حالة ايجابية تساعد العشيرة نفسها وعبر تأثيرات المد الفكري والانحدار الزمني نحو الأمام في تمرير ما هو قائم من أنظمة إلى داخل الفكر العشائري لتؤثر فيه إلى حد بعيد وتدفع به نحو الالتجاء للتماهي مع المجتمع وقوانينه الأخلاقية المستحدثة دوما .