الرئيسية » مقالات » هكذا تفهم الحروب و هكذا تنتهي

هكذا تفهم الحروب و هكذا تنتهي

ليست الحروب مجرد نتيجة للجشع , بل هي أكثر أشكال التعبير عن هذا الجشع دموية و أكثرها صراحة و تطرفا في عدائها للإنسان , الحرب هي أكثر أشكال ممارسة الحياة سخفا و غرابة و لا عقلانية و جنونا , إنها أكثر حالة عبثية اخترعها الإنسان و مارسها حتى اليوم , لكنها طالما ادعت و تدعي أنها ابنة شرعية للعقل , للوطن , للرغبة السامية في التضحية بالنفس و الغيرية , و ليست للجشع أو للعبث….كانت الحرب العالمية الأولى أكبر مذبحة في التاريخ حتى ذلك اليوم قادت إليها الحكومات البرجوازية الأوروبية “الوطنية” شعوبها على وقع طبول الدعاية الوطنية , لكن هذه المذبحة كشفت بشكل فاجر عن حقيقة العقلانية البرجوازية , كان حجم المجزرة هائلا بسبب التكنولوجيا المتطورة للمدافع والرشاشات التي زودت بها الصناعة البرجوازية الرجال على جانبي الخندق , كانت هذه هي الإضافة الخاصة للبرجوازية لملاحم القرون المنصرمة…كان الرد على كل هذا الموت المجاني بالكامل في حروب التكنولوجيا العقلانية ساخرا بالضرورة , مفعما بالعبثية التي أخذت تنضح من كل صوب , بدأت القصة بالدادائية ثم بالسوريالية , رفض لكل شيء , رفض غاضب معاد للفن و للسياسة بشكلها السائد , يسخر من كل شيء “عظيم و جدي” , ربما كان رفضا بلا شواطئ , لكنه كان رفض أو هدم بغرض إقامة بناء مختلف , آخر , أقل إثارة للسخرية و الموت على الأقل….لكن كانت هناك ردود أخرى , ردود كانت قادرة على أن تحتفظ بعقلانية الأصل بل و تطورها في اتجاهات مختلفة , أو في اتجاهين مختلفين كي نكون أكثر دقة , من جهة كانت الماركسية قد بدأت تشهد صعودا جماهيريا كبيرا بعد الحرب بين الجماهير التي فاجأها حجم الخراب الذي انتهت إليه الكارثة..و كابنة شرعية لفكر الأنوار البرجوازي العقلاني , كانت الماركسية تدعو نفسها اشتراكية علمية , و انتهت أخيرا إلى الستالينية في روسيا و إلى تمددها أوروبيا و عالميا من ثم مع نهاية المذبحة العالمية الثانية..على الجهة المقابلة كانت العقلانية البرجوازية تحاول إعادة تأسيس شرعيتها اعتمادا على العلم “البرجوازي” , كانت حلقة فيينا تدفع نحو تأسيس الوضعية المنطقية , معتمدة على الأعمال الأولى للودفيغ فيغينشتاين , معلنة أنها بذلك تعمل على إخضاع المعرفة الإنسانية للأسس العلمية و المنطقية باستخدام لغة العلم المعيارية الوحيدة كلغة للفلسفة..كانت قصة صعود التجريبية أو الوضعية المنطقية في أمريكا الإمبريالية قصة سياسية بامتياز : هاجر إليها بعض الوضعيين المنطقيين هربا من الاضطهاد النازي فقط ليصبحوا هتافين و مصفقين للوضع السائد في بلادهم الجديدة , و مقدمين لها مبررات جديدة لسياساتها..و عندما انتقل تمويل التجارب العلمية و إدارتها من الشركات الكبرى إلى شركات الصناعة العسكرية تحديدا كان هؤلاء الوضعيين يعلنون هذا “العلم” الخاضع للشركات الكبرى قيمة أساسية و اجتماعية وفكرية وحيدة…دافع تحالف البراغماتية مع الوضعية المنطقية , الذي سيطر على الفكر الأمريكي حتى السبعينيات من القرن العشرين , عن شكل سائد من “الطبيعية” الذي استخدم لأغراض عنصرية و محافظة و كضد للمساواة , و استخدم كمبرر لسيطرة الشركات الكبرى على إنتاج العلم و تسخيره لخدمتها*..انتهت العقلانية البرجوازية لعصر الأنوار إلى إنتاج القوتين السياستين و الفكريتين الأكبر في الحرب العالمية الثانية و ما تلاها من حرب باردة , اللتين أصرت كل منهما على التصاقها بالعلم و أنها نتاج مباشر له , و كان استخدام كل منهما للعلم يمثل امتدادا لاستخدام الحكومات البرجوازية الوطنية له في المذبحة الأولى , كان سباق التسلح و التنافس في اختراع و تخزين ما سمي بأسلحة الدمار الشامل أي الأسلحة القادرة على تدمير كل البشرية هو الذروة الحقيقية لهذه العلموية المكرسة للدفاع عن القوى التسلطية , كان هذا ذروة “العقلانية” , قمة جنونها و عبثها , قمة غرورها و استعدادها للمضي في صراعاتها حتى النهاية , نهاية البشرية , دون تردد , وحده سقوط العملاق السوفيتي وضع حدا للجنون الذي وصل مع ريغان إلى درجات غير مسبوقة ربما منذ أيام جنكيز خان..مثل بوش قمة أخرى أكثر سخفا و غباءا و ضحالة لكن من حظ البشرية أنه كان يكتفي بمحاربة طواحين الهواء فاقتصرت الخسائر على مليون عراقي و عدد آخر غير محدد من الأفغان..أنجبت حروب الغرب الاستعمارية و ابنته غير الشرعية إسرائيل , في عمق عقولنا و وجودنا , أنجبت الضدين مرة أخرى : ضد نخبوي علموي لدرجة أنه لا يكتفي بالصمت على المذابح التي يقوم بها الغربي المستعمر “العقلاني” , بل و يهلل لها و يعتبرها خلاصا من كل آثار التخلف و التأخر “اللاعقلاني” الشرقية بامتياز , و ضد لا عقلاني شعبوي يرفض تلك العقلانية القاتلة لكن دون أن يتمتع بروح السخرية و بالرغبة في الهدم التي رافقت الحركات اللاعقلانية أو حتى المضادة للعقل التي ظهرت عادة بعد الحروب الكبرى , لا عقلاني بمعنى أنه ذا فهم أصولي للحقيقة و الهوية , و هو يشكل ضدا لا يقل رغبة في القتل و احتقاره للإنسان , إنسانه بدرجة لا تقل عن الآخر , من خصمه العقلاني الغربي…هذا ليس دليلا على نقص في روح السخرية و العبث لدينا , بقدر ما يشير إلى تواطؤ رهيب شنيع و فاجر ضد الإنسان في منطقتنا , في مجتمعاتنا..بقدر ما يدل على حالة رهيبة تتناقض تماما مع الحديث الدارج عن الإنسان , و حتى عن حقوقه , من احتقار الإنسان و تمجيد كل ما يحط منه , بل و تمجيد قتله علانية , هذا يعني شيئا واحدا , خاصة أمام مجازر كالتي جرت مؤخرا في غزة مثلا , أن الصمت هو أكثر من تبرير للقتل , إنه مشاركة كاملة في القتل , أن لا مساومة مع أي تبرير للموت و القهر..هذا الإنسان المحشور من جديد في المنتصف , المسلوب حتى من قدرته على السخرية من كل هذا العبث المميت بأوامر و فتاوى مختلفة , يملك مبدئيا الغضب , الرفض , الهدم , كرد مباشر على موته المجاني , على قهره غير المحدود , بينما يمكننا الحكم بموضوعية أنه لا يستطيع تحمل كل هذه القذارة بل و ينخرط في تمجيدها , كما كان يفعل محازبو الستالينية أو الإمبريالية في الحرب الباردة , إلا بشر بلغوا مرحلة البلادة , بشر يحملون إيديولوجيا “أكبر” من كل البشر , لا يبصرون إلا السادة , سادتهم , الذين يرونهم فوق البشر , أكبر من كل البشر………