الرئيسية » الآداب » قصص قصيرة.. تأجيل الألم

قصص قصيرة.. تأجيل الألم

تأجيل الألم
عبر فتحة الباب لمَحَتْ مجموعة شبان منكسي الرؤوس و شاحبي الوجوه يقفون كأشجار يابسة. أشاروا نحو كيس من القنب يحتوي على كومة عظام محترقة و لحم متفحم.ٍ إستشفـّتْ من صمتهم المطبق ما لم يتجرؤوا على قوله. طلبتْ منهم أن يحملوا ما جاءوا به و طردتهم صارخة في وجوههم. حاولوا إقناعها دون جدوى فرحلوا تاركين ما تبقى من جسد وحيدها على العتبة. أوصدتْ الباب بأعصاب باردة و لم تسمح لمارد الألم الخرافي من الدخول إلى عالمها الشفاف. لطالما آمنتْ أن الأبناء يجب أن يأتوا إلى أمهاتهم بطريقة اقل ألماً. نشطتْ غريزة الأم فيها ففكرتْ إن منطق الحياة و عدالة السماء و رحمة الرب تحتم على وحيدها عدم الموت بهذه الصورة البشعة. استعادتْ بيقينها ذاك طاقتها الخداعة و انهمكتْ بأعداد العشاء و كأن شيئا لم يحدث. رتبتْ غرفة نومه. أحضرتْ (بيجامته) التي يحب أن يرتديها. وضعتْ على الطاولة الصغيرة السجائر التي يفضلها. أشعلتْ التلفزيون و اختارتْ القناة التي يتابعها. شغـّلتْ السخـّان كي ينعم بحمام هانئ. علّقتْ الفوطة و الملابس على المشجب. غالبتْ دموعها ثم جلستْ كأي أم مطمئنة و واثقة تنتظر عودة صغيرها، فبعد قليل سوف يأتي كاملاً بدون نقصان حاملاً ابتسامته و حبه و كلماته الحانية ليطبع على وجهها قبلة الابن البار.

جدال
التقى الاثنان في احد المقاهي. كان الأول مؤيداً بينما كان الثاني معارضاً. بعد جدال حامٍ أصبح الأول معارضا و انقلب الثاني إلى مؤيد. حين انصرفا، لم يعرف صاحب المقهى أيهما دفع الحساب.

وُجهة
ينتهي من استحمامه. ينشـّف جسمه. يمشط شعره. يرتدي بدلته الأنيقة. يعقد ربطة عنقه ببراعة. يضع عطراً رجالياً مميزاً. يعتمر قبعته الجميلة. يعلّق وردة حمراء في عروة سترته. يتناول عكّازه العاجي. يخرج بعد إلقاء نظرة أخيرة في المرآة. يقف في منتصف الزقاق. لقد نسي أهم شيء في الأمر. أين يتجه من لا وجهة له؟
منفضــــة
بعدما قتل أمه في نوبة من نوبات جنونه، ظل يتجول في غرف البيت وباحته يدخن ويحمل منفضة لم تفارق يديه. حين أخذوه بعيدا، بقيت المنفضة مركونة في زاوية مهملة تحكي لأعقاب سكائره تاريخاً حزيناً في لغة لم يفهمها أحد.

وداع
أحسّ بالأصابع الحانية تمسح جبينه. بالكاد سمع صوتها يدعوه للاستيقاظ. لمح في زمّة شفتيها إنبثاقة أولية لبكاء مؤجل إلى ما بعد الرحيل. حين خرج، كان يدرك أنها تقف على عتبة الباب و جسمها المنحني يتكأ على عكازة هشة من الدموع. ناغى صوتها الداخلي أعمق مناطق روحه يحثه على العودة. التفتَ قلبه و التفتتْ مشاعره و أحاسيسه. التفتَ كل شيء حيّ فيه إلاّ الجسد الذي استمر يسير نحو السيارة الرابضة على حافة بكائه.
حامي العصافير
لطالما اشترى أبي العصافير من أطفال الحي و أطلق سراحها. لم يكن الرجل يفقه شيئا عن توازن البيئة لكنه كان منقاداً نحو الحرية بفعل شعور نبيل يسكنه على الدوام. كان أحيانا يخسر نصف أجره من عمله كحمّال في تلك المقايضة الباهظة. حين مات أبي، اختفت العصافير من فضاءات حيّنا و لم تعاود الظهور إلا حين كبرتُ و سلكتُ مسلكه منقادا إلى ذات الحرية.

عودة
عاد بعد سبع و عشرين سنة من منفاه وحيدا كلحظة رحيله. دخل بيته فلفحه الصمت المضغوط برطوبة الوجع بأنفاس عدائية. أدار رأسه المثخن بثقل الذنب يتلمّس عبر نظراته الكسيرة الجدران العتيقة. تأوّه تحت وطأة ذكرياته المؤلمة و احتبست الدمعة في ضباب تفكيره. تذكّر زوجة جميلة و خمسة أطفال فقدهم جميعا في لحظة تبرأ منها الزمن. هنا كان يغازل زوجته. هنا كان يفطر معهم. هناك كان يجلس بينهم يعلّمهم الاشتراكية و الحب. على هذا الجدار بالضبط رسم (مناضل) أمنية لم تتحقق و في ذلك الركن أطلقت (لينا) حسرة على دمية لن تمتلكها أبدا، و في تلك الزاوية ضحك (بسيم) ضحكة رقراقة لن تتكرر ثانية. التفت نحو الشباك يجالد دمعة حارة كجمره تبحث عن سبيل للخروج. رأى عبر الزجاج المتصدع صبية يلعبون بمرح و كانت عصافير ملوّنة تحلق فوق رؤوسهم