الرئيسية » مقالات » جولة مع فنتازيا الفوضى في بغداد

جولة مع فنتازيا الفوضى في بغداد

رست قدماي عند شارع المتنبي بعد مسير شاق قطعت به مسافة طويلة امتدت من ساحة الطيران مرورا بباب الشرقي وشارع الرشيد والشورجة التي أصبحت تشبه مزبلة من عهود الاحتلال (التحرير) المغولي. وصلت شارع المتنبي الذي أفتتح في اليوم السابق من قبل السيد رئيس الوزراء نوري المالكي.واجهات المحلات والمكتبات اكتست حلة جديدة. فقد رصفت الواجهات بالأجر الأصفر وبدت بمظهر متدرج وكأنها مقرنصات من العهد العباسي.بعد تمتعي بهذا المنظر المفرح بدأت الخيبة تتسرب الى روحي ورحت في كآبة وسوداوية وأنا أشاهد الشارع وقد عادت اليه تلك الفوضى المعروفة حيث يقوم أصحاب المحلات بعرض كتبهم وقرطاسياتهم فوق الرصيف والبعض الأخر في وسط الشارع بنوع لا يصدق من الفوضى. بعضهم رمي الكتب في الشارع فبدت كمجموعة مبعثرة في مزبلة وليست عرضا للبيع. وتوزعت عربات الشلغم والشربت واللبلبي والباقلاء واللبن وبائعي الصور والبوسترات لتأخذ الحيز الأكبر من الشارع.شعرت بالضجر ثم الإحباط فقد عاد الشارع الى سابق عهده من الهرج والمرج وليس هناك مراعاة لأبسط الحقوق أو مظاهر الجمال والحضارة.وبالرغم من أن غالبية أصحاب المكاتب يدعون الوصل بليلى وبالثقافة ومثلهم رواد المكتبات فقد شعرت أن الفوضى والتخريب هي جزء من سيكولوجية المواطن العراقي، وقدرته على تجاوزها باتت في جزر مطلق وربما تيبست مثل ورقة نبات.

خرجت أتأبط إحباطي وبضعة من كتب استطعت بالكاد انتقائها كان أثقلها التفسير المعين للشيخ محمد هويدي. كنت وقتها أطالع وجوه المارة المتربة التعبة المتهالكة، وكذلك أتمعن ملصقات الدعاية الانتخابية التي غطت وخربت كل ما استطاعت تخريبه من جدران الشوارع والأزقة ولم تترك مجالا لمظهر يوحي لبناية بألوان ما أو طراز من عمارة.لم يكن مقهى الشابندر قد فتح أبوابه، بعد أن تحدثوا عن إعادة ترميمه، فكانت تلك فرصة ذهبية للسيد الجعفري القوي والأمين والمالكي ودولة قانونه والبولاني ودستوره وقائمة معكم ..معكم وغيرهم لمواجهة المتطلعين أليهم وحثهم على التذكر عندما تحين ساعة الحق الانتخابي بأن الوجوه كانت في مواجهتهم كل يوم فلا ساعة مندم أو ادعاء نسيان.يافرحة المقهى وهو يحمل كل هذا الجهد المبارك والوجوه المنورة،بعد أن دمره الأوباش حين أرادوا أن يعرضوا بضاعتهم ويعلنوا للمواطنين عن وجودهم وواجب الوقوف معهم. سيان، فالأمر لا يختلف والخراب له الكثير من المعان.إما أن تكون في هذا الجانب أو في ذاك.القتل والتخريب والفضلات والفوضى وخرق القانون والاعتداء على الحرمات تحمل ذات المعنى. عندما تشوه منظر الشوارع وواجهات البيوت والمحلات أو ترمي فضلات بيتك أو دكانك أو تقطع طريق أو تعتدي على حرمات مواطنيك دون أن تراعي حرمة وحقوق وحين يستغل المال العام بعد أن يسرق وقائمة التخريب تطول، تلك مصيبة يتقاسمها الجميع وتحمل مسمى إرهاب بيئي وأخلاقي في التوصيف المهذب.الحديقة والبستان جزء من الوطن ومثلهما المزابل ولهذا تشابهت كلمة سَيان مع كلمة سيان عند هؤلاء وكلتاهما وجه للمواطن والوطن وحين تختفي الأخيرة تضمحل الأولى.

دلفت في حوض السيارة المتهالكة بعد أن وجدت كراج عشوائي غطت سياراته الشارع المجاور لموقف باص المصلحة (سابقا) الواقع أمام الفتحة الأمامية لسوق السراي المجاور للمتحف البغدادي.لم تدع السيارات المتراصة على طول الشارع بعشوائية وبدائية، من مساحة الشارع غير ممر يسمح بمرور سيارة أو عربة.ولولا الصعوبات اللوجستية والبلاستيقية وليس شيء أخر لقفز أصحاب السيارات وعربات البضائع فوق تمثال الشاعر معروف الرصافي واحتلوه وربما اقتلعوه لظنهم أنه سكن سايق كبر وتجبر أو كَلب بالدخل وهو مطلوب حيا أو ميتا.الرصافي قبع كسير الخاطر تحت لفح الشمس وكومة من تراب أحمر غطته بالكامل فبدا معها وكأنه زنجي عاد منهوكا بعد أن طارد أرنبا في صحراء أفريقيا الوسطى.وبعد أن تركته أمانة العاصمة يواجه قدره وحيدا مخذولا.نط وجه السيد الحكيم وهو يصرخ معكم .. معكم الى الأبد، يحيط بقاعدة التمثال من كل الجهات مثلما يحيط سوار الذهب بالمعصم.مع التراب المتطاير وصراخ الباعة وسواق العجلات ومنظر الشاعر الكبير الرصافي كنت أدخل في غور روحي، تعب مبعثر الأفكار وبدأت كمن يخوض في حلم هلامي ليس له نهاية، لا بل كان كابوسا.المعروف الرصافي يصرخ بملأ حنجرته وكأنه يريد أن يسير مع الجموع لزيارة الأربعين وهناك يعيط عيطة الذبيح عند ضريح الأمام الحسين قبل أن تتلقفه براغي وحدايد المفخخات:

علم ودستور ومجلس أمة كل عن المعنى الصحيح محرف

أسماء ليس لنا سوى ألفاظها أما معانيها فليست تعرف

كثرت دوائرها وقل فعالها كالطبل يكبر وهو خال أجوف

مجلس محافظة وأمانة عاصمة على جسدي بمائها تتعفف

ما كان صوته ليعاف حنجرته فقد كُمم فمه وطوق جسده بأصفاد ثقال وكان الغبار قد أغلق عينيه.لقد أحكمت الصور والملصقات قبضتها على حنجرته فحشرج صوته.سمعت همس روحه وهي تتوسل قائلة.. معكم ..معكم ..معكم …سادتي لتفوزوا فوزا عظيما.

نفر واحد للكاظم

نفر واحد للكاظم

أفقت على صوت السائق وهو يهش بيديه عند الطرف البعيد من جمع السيارات.نفر للكاظم..للكاظم نفر واحد. ولكوني خوارده حوك فقد صرخت عليه، نعم صرخت بملأ حنجرتي. فأن تتحدث بصوت عادي أو حتى جهوري في ذلك الضجيج من الصراخ والهوسه والإعلان عن كل شيء، فأنت مدلل ومن أبناء قوطية النيدو، ولن يسمعك حتى من جاورك.صرخت لعدة مرات، حينذاك ألتفت نحوي وربما كانت التفاتته عفوية وغير مقصودة. أو ربما أراد أن يتأكد من وجود وبقاء سيارته في مكانها.لوحت له أن يأتي ثم قلت له سوف أعطيك أجرة الراكب المتبقي فتوكل على الله.سحب نفس ثقيل من سيجارته وجلس خلف المقعد.وبدوري وضعت صدر السيارة تحت احتلالي دون مشاركة قوى متعددة الجنسية.الآن بدأت الرحلة من ساحة الرصافي حتى مدينة الكاظمية.أمامنا ثلاث سيارات قابعات ومثلها على يميننا وشمالنا وعلينا أن نخرج أنفسنا من هذا الحشد الخانق الذي بدا وكأنه توزع عشوائيا فوق هيكل لخريطة عنكبوتية.

يمعود شوية مجال …رحمة أل أبيك ..يمعود .. نعله على المحروك ..فدوه للنبي شوية تحرك..أي أي شبرين رحمة للوالد المات وماضايك ببسي..والله صارلي ساعتين بدون كروه..مو أنكطع الرزق شويه عاد..تره راح… وأنقطع صوته مع رشفة طويلة ومشبعة من سجارته، وكأنما كان يريد أن يدخر دخانها الى اليوم القادم. مدت السيارة بوزها نحو الشارع باتجاه جسر الشهداء وتقدمنا.كنت أضع منديل ورقي فوق فتحتي أنفي وفمي اتقاء لدخان السيارات الذي سبب ليَّ منذ قدومي الى بغداد حساسية اضطررت معها الذهاب الى الدكتور الذي نصحني بعدة نصائح صداقية وودودة تعبت منها وكانت نتائجها عديمة الفائدة ومثلها كان الدواء الذي وصفه ليَّ، فرحت أسعل طوال الليل.

بادرني السائق وهو يشعل سجارة أخرى.

ـ لازم الأخ ممتعود على الدخان..أخاف أزعجك استاد..إذا تريد أطفيها.

ـ لا أخوية أخذ راحتك.أني شويه عندي حساسية.

ـ لازم الأستاذ جاي من الخارج وما متعود على دخان بغداد.

عند تلك اللحظة فكرت بترك السيارة والهروب في اتجاه أخر خوفا من أن يعلسني السائق أو يسلمني لمن يطكَني بالدهن بهليوم الأسود.مازال خوف السنين والشهور الماضية السوداء له رنين وصدى قوي في الشارع. الجميع يتحدث عن قصص مذهلات مرعبات.عن جثث مقطوعة الرؤوس تشاهد يوميا مرمية بين الأزقة وفوق المزابل. عن قصص خرافية لحوادث لا يتحملها العقل البشري وبالذات مثل عقلي الذي نمى وترعرع في طفلة وصبى عرفت فيهما من الحياة حيويتها وجمالها وطيبتها.

ـ ليش مبين عليه أني جاي من الخارج.

ـ لا والله ما مبين .. أهل الخارج كلهم يجونه مزينين شواربهم..وأنته ماشاء الله.

ـ همزين حسيت بالفرق.

ـ ستادي شويه تمضمض وتمصمص بالليل راح تصبح الصبح لا كحة ولا هم يحزنون.

ـ هم هاي صدك..

ـ أي مو هل الأيام عاشور…عمي أستغفر الله ..شنو نسيت مو حرام ..أنعياذ بالله ما بقت حرمة.صدرت تلك الكلمات المحذرة من أحد ركاب المقاعد الخلفية.

ـ أدري عمي أدري ..بس أني قصدي ..أستغفر الله بعد ما يخلص عاشور مو هسه..بس أنته شدعوه حمه حمامك. الرجال بعده ما نزل وبعدين أني كُلتله على دوه يريد يشربه وأذا ميريد هذا الشي راجع أله وكل لشة تتعلك من كراعه.

رد السائق بعصبية وعيون غاضبة وهو يطالع الراكب الذي جلس في الركن الخلفي الأيمن للسيارة.



عند أول انعطافة بعد نهاية جسر الشهداء أوقفتنا سيطرة عسكرية.تقدم أحدهم بزيه المرقط ووزع علينا ورقة دعاية تحمل صورة السيد المالكي وقائمته المسماة دولة القانون.كانت ابتسامة العسكري تحتل مساحة واسعة فوق شدقيه ويطالع وجوهنا بالكثير من الرضا والراحة ويبدو وكأنه يوزع علينا حلوى أو هدايا العيد.جميع ركاب السيارة وأنا واحد منهم قابلناه بابتسامة فياضة وأكثر بشاشة من ابتسامته.أخرج السائق علبة سجائره وبدأ يدخن مرة أخرى.تقدمت السيارة ولوح لنا العسكري بيده مودعا.

ـ والله هاي سابع خطرة وهذا الطنطل يوزع علينا دولة القانون.أيباه شلون دولة قانون كلشي بيه مضروب بوري ويصيح ماكو شيء.قال السائق جملته ونفث دخان سجارته بوجهي ومنحني ابتسامة شعرت معها بأنه يدعوني لمشاطرته الحديث ولكني فضلت الصمت والتطلع نحو الأمام أرصد حركة الناس في الشوارع ومعالم المدينة التي غبت عنها دهر طويل.

بادر أحد الركاب بجملة تسمرت في أذني مثل مسمار.

ـ يكَولون العسكر على الحياد وممنوع يسون دعاية لأي قائمة.

تلك الجملة أثارت لغط عجيب بين السائق والركاب الثلاثة في المقاعد الخلفية. قبعت أنا صامت أستمع لذلك الحديث الذي تشوقت بفضول غريب أن يستمر لحين وصولي الى مدينة الكاظمية.

ـ ليش أنته هم تصدك بهذا الحجي … عمي خلينا مو شبعنه من هذي السوالف.علينه، مو حتى ثلج كَلينه.

ـ أي بس كَالوا البرلمان قرر.

ـ أي وهذا البرلمان بيش كيلو ..أشو تلترباعهم ميحضر الجلسات لو مطفي ينتظر الراتب.. بعدين همه حكومة وهذولة حكومة .. أنته سامع فد يوم قرار تنفذ أذا ما بيه فايده ألهم..يقبضون بالآف وأحنه نلطع الحو ..واحد يركَع لللاخ.. يمعودين خلونه من هذا الحجي مو صارت السالفة ماصخة.

ـ أي والله صحيح .. وبعدين هذولة يروجون دعاية ألعمهم ما بيه شي.

ـ عاد شلون عم يتفلس على التمن.

كان السائق أكثرهم حدة في شتائمه وتعليقاته الساخرة وبدا وكأنه ناقم على الجميع واستعمل حتى الممنوع من الضرب تحت الحزام وبحوشة الوسائد الخلفية، وختم تعليقاته بالقول بعد أن دس سجارة جديدة بين شفتيه:

ـ أي هسه شنو حصلنه حته نروح ننتخب.عمهم خالهم ..شعلينه.

ساد الصمت وظهرت عن قرب منارة جامع براثا الذي أحاطته الكتل الرملية والكونكريتية ثم اقتربنا من جسر العطيفية الجديد الذي يوصل أحياء العطيفية الثالثة والطوبجي بالأعظمية.خطر في بالي أن أسال السائق عمن يفكر بالتصويت له لو ذهب يوم الانتخابات.ترددت في باديء الأمر خوفا من أن يفتح مرة أخرى فوهة مدفعيته ليرشق بشتائمه الجميع دون استثناء مثلما فعل في بداية الأمر ولكني لم أستطع كظم رغبتي فرفعت المنديل عن أنفي وسألته.

ـ بروح الماتولك .. إذا رحت للانتخابات راح منو تنتخب.

ـ تريد الحق لو أبن عمه.

ـ طبعا الحق.

ـ أنتخب المالكي.

ـ هاي شنو هسه مخليتله سكه، وسويت وياه ألي ما يتسوه.

ـ عمي أنته يبين على نياتك ..مختصر مفيد ..أنتخب المالكي وهذا خياري…عندك اعتراض..

ـ أكدر أعرف ليش.

ـ استاد أني صاحب مباديء… مو المالكي حقق الأمن … وبعدين الشين ألي تعرفه أحسن من الزين الماتعرفة.وهذا مبدئي بالحياة عندك اعتراض..

كانت السيارة قد اجتازت ساحة محسن الكاظمي فبادرت السائق طالبا التوقف كي أترجل.ودعت الجميع شاكرا لهم صحبتهم متمنيا لهم السلامة،ودعني السائق قائلا.

ـ أستاذ وجهك مو غريب عليه يمكن شايفك بالتلفزيون… بس لا أنته من جماعة معكم .. معكم ..تره أكدر أصير معكم..والله العظيم مو شقه أكد أصير معكم.


· الخطرة : مرور سيارة الأجرة ناقلة للركاب على ذات الطريق لمرة واحدة.

· معكم ..معكم تعني قائمة الائتلاف العراقي الموحد (السيد عبد العزيز الحكيم)

· البيت الأخير من قصيدة الشاعر الرصافي محور.