الرئيسية » مقالات » معوقات اللاجئين العراقيين في المهجر ( 1 – 10 )

معوقات اللاجئين العراقيين في المهجر ( 1 – 10 )

الحديث عن اللاجئين العراقيين متشعب وشائك وينطوي على ملفات بحاجة الى دراسات معمقة ومكثفة ، خصوصا وان مشاكل اللجوء التي يعاني منها العراقيون هي اعقد بكثير مما يعانيه غيرهم من اللاجئين في الدول الاخرى مقارنة بيوغسلافيا وألبانيا وغيرها من قبائل الهوتسي والفوتسي في افريقيا وايضا مقارنة بالصومال وارتيريا وافغانستان بسبب المدة الطويلة التي بقي يعاني منها العراق كدولة مرت بفترة طويلة من الحروب والحصار الدولي اضافة الى حكم العراق لفترة طويلة نسبيا من قبل حكومات جائرة تسببت في تعاقب النكبات والازمات للشعوب القاطنة في العراق مثل الاكراد والتركمان والكلدواشوريين وايضا طوائف ذات معتقدات دينية مثل الصابئة والايزيدين والمسيحيين والبهائيين وايضا بسبب الاضطهاد المذهبي للمسلمين في العراق تارة اضطهاد السنة للشيعة وتارة اضطهاد الشيعة للسنة ، واخيرا المعاناة السياسية التي واجهت المناضلين السياسيين من الشيوعيين والكرد وتنظيمات حزب الدعوة الاسلامية مما جعلهم يهربوا الى بلدان متعددة هربا من بطش الانظمة القمعية الحاكمة .
وقبل ان ناتي على تعريف اللاجئ حسب المواثيق والمعاهدات الدولية ، اود ان اصنف هذا البحث الى عدة محاور حسب معايير محددة يتضمنها تعريف اللاجئ ، ثم احاول ان استعرض في كل محور بتفصيل معمق وبعد ذلك نتوصل الى مدى تطابق هذه المحاور مع تعريف المعاهدات الدولية ورؤية الدول المانحة للجوء وكيفية منحها وتصوراتها لوضعية اللاجئين فيها . كما ساتطرق الى الصعوبات والمشاكل التي تواجه كل حالة مسنودة بامثلة واقعية وحقيقية وبهذا نصل الى عمق المعاناة التي يعاني منها طالبو اللجوء تبعا للمرحلة التي يتم تقديم اللجوء وتبعا لطبيعة مشكلة وقانونية مقدم اللجوء ، وايضا خصوصية الدولة المانحة للجوء . كما ستكون هذه الدراسة موسعة بشكل اكبر واكثر تفصيلا بالنسبة للمتقدمين لطلب اللجوء في بريطانيا واوربا والاردن وسوريا وناتي على خصوصية بعض حالات اللجوء في بعض البلدان الاخرى في استراليا واميركا وفيتنام والدول الافريقية ودول المغرب العربي .
ساحاول ان اضع خبرتي التي تجاوزت عشر سنوات عمل مع الاف اللاجئين في مراكز اللاجئين والسجون ومراكز الشرطة والمحاكم والمستشفيات والمحامين ودوائر الدولة ومنظمات الاعانة الاجتماعية وعملي كمترجم محترف ومتخصص وحامل لشهادتي دبلوم في التر جمة القانونية والترجمة لدوائر الدولة البريطانية ، ترجمت اكثر من ثمانية الاف ساعة موثقة في دوائر الدولة البريطانية وتجولي في معظم مدن ومقاطعات المملكة المتحدة ، لقد قابلت العديد من اللاجئين من مختلف الاعمار والفئات والطوائف والقوميات وكنت في عملي محايدا احمل في صدري اسرارا مهمة ومتعددة اكسبتني المعرفة وعلمتني التواضع والتفاني في سبيل خدمة اللاجئين والدفاع عنهم ومناصرتهم في كل الاماكن التي كنت اعمل فيها بحرفية عالية ومهنية تعلمت فيها الكثير من اسرار وخبايا اللجوء واللاجئين العراقيين وغير العراقيين .
حسب معاهدة الامم المتحدة الصادرة سنة 1951 فان اللاجئ هو كل شخص او مجموعة من الاشخاص اجبروا على ترك بيوتهم او وطنهم خوفا من الاضطهاد لاسباب سياسية او دينية او عسكرية او انتماءه الى منظمات ذات طبيعة خاصة .
هذا هو التعريف المبسط لمفهوم اللاجئ والذي سوف نتوسع بدراسة مفرداته ومناقشتها وتحديد الفترات التي مر بها اللاجئ العراقي على مدى سنوات طويلة .
لو نظرنا الى تاريخ معاهدة الامم المتحدة والتي تنظم عملية اللجوء سنجد انها بدأت بعد الحرب العالمية الثانية عندما ازداد الاشخاص النازحين من بلدانهم بسبب الحروب المدمرة ، وفي العراق بامكاننا ان نقول ان حالات اللجوء بدأت بشكل فعلي وواضح عندما تم تهجير اليهود في العراق الى اسرائيل ونهب ممتلكاتهم في عقد الاربعينات من القرن العشرين .
ثم اعقبتها الحملة المليونية لتسفير الكرد الفيليين وابعادهم قسرا الى ايران بحجة انهم ايرانيون بينما في ايران تعتبرهم ايران عرب عراقيون ، حدث هذا في زمن حكم نظام حزب البعث برئاسة احمد حسن البكر ومن ثم تكررت عملية التسفيرات بشكل اكثر تتعسفا وقسوة في زمن حكم الطاغية صدام حسين حيث تم اعتقال الشباب من الكرد الفيلية من الفئة العمرية بين اربعة عشر عاما وحتى خمسة واربعين عاما ومن ثم قتلهم جميعا حدث كل هذا في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين وقد تم نهب ومصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة والاستيلاء على اوراقهم الثبوتية ولم تحل مشكلتهم لحد كتابة هذه الدراسة حيث لم يتم الاعتراف بهم كمواطنين ايرانيين في دولة ايران ولم يعترف بهم كونهم مواطنون عراقيون في العراق .
لم ينج المواطنون العراقيون من معتنقي الديانة المسيحية في العراق من الاضطهاد فقد حصلت لهم ممارسات قاسية اجبرت العديد منهم على النزوح من العراق بشكل طوعي وجماعي وهاجر معظمهم في فترة الستينات والسبعينات بشكل مكثف الى البلدان الاوربية والى اميركا حتى استطاعوا ان يشكلوا لهم كانتونات كبيرة وجاليات لها وزنها وثقلها في الدول التي توطنوا فيها .
ومن الهجرات القاسية التي واجهت الشعب الكردي هو النزوح الكبير عندما تم تهديدهم بضربهم بالاسلحة الكيمياوية حيث نزح الالاف من الكورد الى تركيا والى ايران مما اضطر الامم المتحدة والدول الكبرى بالتدخل لانهاء هذه الكارثة الانسانية وخطر الابادة الجماعية بعد ان مورست ضد الكرد حملات الانفال لابادة الجنس البشري سيئة الصيت وقصف حلبجة بالاسلحة الكيمياوية المحرمة دولي . حدث هذا في عقد التسعينات من القرن العشرين في زمن حكم الطاغية صدام حسين .
وايضا حدثت في نفس الفترة تقريبا الهجرة الجماعية في جنوب العراق عندما هجم النظام الحاكم في العراق للقضاء على انتفاضة الشيعة في الجنوب حيث نزح العرب الشيعة في الجنوب الى ايران والى السعودية وتم وضعهم في معسكرات رفحا سيئة الصيت في السعودية والتي عانى فيها اللاجئون اشد انواع الاضطهاد واستطاع قسم منهم ان يحصل بعد ذلك على حق اللجوء الى دول اوربية واميركا بواسطة منظمات الامم المتحدة .
اضافة الى كل هذا وذاك كان هناك العديد من السياسيين المحكوم عليهم بالاعدام بسبب افكارهم ومعتقداتهم قد فروا الى دول الجوار في سوريا والاردن والسعودية وايران والدول الاوربية بسبب الاضطهاد الفكري والديني والمذهبي والعرقي الذي كان يمارس ضدهم .
الهجرة الكبيرة والتي تعد الاكبر والاضخم في تاريخ الهجرات العراقية حدثت بعد سقوط النظام البعثي حيث نزح العديد من العراقيين بشكل جماعي الى الدول المجاورة مثل الاردن وسوريا ودول الخليج والدول الاوربية والى شتى بقاع العالم بسبب عوامل عديدة منها الحرب التي شنتها اميركا على الارهاب واسقاطها نظام صدام حسين وطغمته الحاكمة وهروب منتسبي الجيش العراقي والشرطة وقوات الامن والمخابرات خوفا من انتقام الشعب العراقي منهم بسبب الجرائم التي ارتكبوها بحق العراقيين وايضا نزوح العديد من العوائل هربا من جحيم القتال الدائر بين الشيعة والسنة واقتراب الصراع من الحرب الاهلية . هذه الصراعات ادت الى نزوح اعداد هائلة هربا من الموت ومن الجوع ومن الاضطهاد حدث كل هذا في الفترة التي اعقبت احتلال العراق من قبل القوات الاميركية والقوات المتحالفة معها بعد سنة 2003.
كما اود الاشارة الى نزوح عدد غير قليل من اصحاب الكفاءات والشهادات العلمية من مهندسين واطباء واساتذة في الجامعات العراقية ومدرسين واصحاب مهن حرفية وتجار نزحوا بشكل متفرق وعلى مدى سنوات الحصار الاقتصادي على العراق التي دامت حوالي ثلاثة عشر عاما من سنة 1990 وحتى سنة 2003.
هذه بشكل مبسط نظرة اجمالية حول الهجرات والنزوح الجماعي الى خارج العراق الذي حصل للعراقيين ، ناهيك عن موجات النزوح الداخلية في مناطق العراق الداخلية نفسها حيث ادت سياسة التعريب الى تشريد مئات الالاف من الكرد من ديارهم واحلال البدو واسكانهم في اماكنهم كما حدثت الهجرات القسرية وتشريد السنة من مناطق الشيعة وتشريد الشيعة من مناطق السنة وايضا الضغط على مكونات عرقية بترك ديارها او مواجهة الموت مثلما حصل للمسيحين في الموصل والبصرة وللصابئة في البصرة والعمارة وللايزيدين والشبك في الموصل وللعرب والكرد والتركمان في كركوك .