الرئيسية » مقالات » التفسير المتكامل للفكر والسلوك الإنساني.. الجزء السادس

التفسير المتكامل للفكر والسلوك الإنساني.. الجزء السادس

لقد رأينا في الجزء الخامس ما تعتمده الجدلية من منطق التناقض في حركة الفكر و الأشياء و الأحياء و الكون و الحياة و التاريخ , يقول ماوتسي تونغ : “القضية عمومية التناقض , أو الوجود المطلق للتناقض , معنى مزدوج الأول هو أن التناقض قائم في عملية تطور كافة الأشياء , و الثاني هو أنه في عملية تطور كل شيء , تقوم حركة أضداد من البداية حتى النهاية . يقول أنجليز : إن الحركة نفسها تناقض : كارل ماركس / ص 58 ” فالحركة و الحياة و الولادة و النمو و تطور الكائن الحي لا يمكن أن تتم دون هذا القانون المتناقض في حركته الداخلية , وولادة الخلايا و انبعاثها , ثم موتها إلى أن تكتمل دورة الحياة يقول هنري لوفافر : ” كل شيء يلازم السكون ينحط و يتأخر , ولا يمكن لكائن حي من أن يكتمل نموه دون أن يتغيير و يتطور … فكل كائن حي إذن يناضل الموت , لأنه يحمل موته في طوية ذاته … كارل ماركس ص60 ” و يستمر قوام الحياة وفق القانون المذكور فيجد إنجلز في الجسم الإنساني في كل لحظة .. ” نفسه هو بذاته , وفي عين تلك اللحظة غير ذاته , إذ يجده شيئا آخر سواه , فالحياة إذن هي تناقض مستحكم , في الكائنات الحية و العمليات ذاتها … ضد دوهرنغ (أنتي دوهرنغ , إنجلز / ص 203) “و ينسحب هذا المفهوم وفق قواعد الجدلية في فيزياء العناصر في النواة بنتروناتها و بروتوناتها و الكتروناتها كمبدأ أساسي تتوحد فيه العناصر و تتناقض في حركة داخلية مستمرة في مختلف الفلزات و المعادن التي تتشكل منها طبيعة المادة إلى أن تصل إلى الوزن الذري /92/ و كذلك في مبدأ المادة الحية بدأ من وحيدات الخلية (الأمبيا ) , و السيتو بلازما , و ما تتشكل منهما من أحماض أمينية , تصل نسبة تواصلها و تشكلها وفق قانون الاحتمال الرياضي إلى 1/10× 160 صفرا , على أن تتكامل المادة الحية في الجسم بكل وظائفه و تعقيداته و حياته الداخلية الفيزيائية و الفيزيولوجية و العضوية المعقدة كما أسلفنا .
و الذي يمكن أن نقف عليه بمنطق علمي و فكر موضوعي متوازن أمور عدة :
1ـ وجود تعارض تام بين ما تذهب إليه الجدلية في حركة التطور و التكامل و قانون التناقض , إذ تعتمد البرهان التعليلي كما قدمنا في الجزء الخامس من هذا البحث , فتؤمن ضمنا بمبدأ عدم التناقض و التسلسل , و العلية و السببية , و هي من قواعد المنطق العام في التمثيل و التعليل لفكرها الجدلي و مبدئها القائم على التناقض , لاعتقادها أن التطور و التكامل لا يتحققان في دنيا الطبيعة و الاقتصاد و الاجتماع و العلوم و المعارف إلا على أساس تناقض مستمر , و هي في ذلك تسلك منطقا يتنافى مع قوة التماسك و التكامل في حقائق الحياة و الطبيعة و ما فيهما من تناسق و ترابط , و إلا ما استطعنا أن نكتشف قانونا علميا واحدا مجردا من أي تطور , فكيف به إذا كان يخطو في عملياته في النمو و الاكتمال نحو صيغ متقدمة من التطور , و كيف سلكنا إلى ذلك من قواعد منطقية , و أسس موضوعية في البرهنة على ذلك بمنطق غير المنطق الجدلي , الذي ينفي مبدؤه ـ كعلة و صيرورة – منتهاه , أو وفق التعبير الماركسي نفيه إثباته , أو أطروحته طباقه , ليحل محله المنطق الآخر بقواعده و مسلماته أو وفق المصطلح المنطقي ضروراته العقلية الأولى , و التي تنفيها الجدلية وفقا لمنطق التجريبية و الوضعية
2 ـ إن الكائن الحي في تطوره و تجدده و سيره نحو مواجهة الموت و الحياة ,لأنه يحمل موته في طوية ذاته كما تقول الجدلية , إن هذا الكائن يحيا حياته الكاملة , من خلال حركة أعضائه المنتظمة , وفق قواعد فيزيولوجية , في استقلال كامل عن تموت خلاياه و اطراحها وفق القوانين العلمية التي انتهى إليها علماء البيولوجيا , و إن هذا التموت منفصل انفصالا كاملا عن الخلايا الحية المتجددة التي تهب قوة البقاء و الاستمرار للكائن الحي , وفق معطيات علمية برهن عليها العلماء , دون أن يدركوا آلية ذلك , و النسق الذي تتبعه في القواعد البيولوجية , و السنن المستودعة في أعمق أعماق الفطرة الإنسانية المركوزة , دون أن يكون التلازم قائما بين الموت المطلق و الحياة المطلقة المستمرتين و المتواصلتين دون انقطاع في الكائن الحي , لأن عملية الحياة تعوض عن الخلايا التي ينسفها الموت , و قد اكتشف العلماء مؤخرا سر تراكم الخلايا السرطانية , في إرسال أوامر خاطئة تتعلق بالشفرات الوراثية المسؤولة عن طرح الخلايا المتموّتة , مما يتناقض تماما مع مقولة كون (الجسم الحي هو نفسه و غير ذاته في اللحظة ذاتها ) كما تذهب الجدلية إلى ذلك وفق التناقض المستحكم حسب رأيها , و هو منطق يرفضه القانون العلمي تماما .
3 ـ إن تناقض المحتوى في السلب و الإيجاب و التجاذب بين الشحنتين الموجبة و السالبة في النواة الذرية و الكتروناتها المحيطة بها لا تشكل تناقضا كتناقض النفي و الإثبات فبين الشحنتين الموجبة و السالبة تلازما لا ينفي وجود أحدهما الآخر و لا يتناقض معه كما أن قانون الجاذبية بين الشحنتين لا يعبران عن التناقض بينهما لأنهما شحنتان مستقلتان متجاذبتان كما يتجاذب قطبان مغناطيسيان فالتجاذب بين الشحنات المتخالفة لون من ألوان الأضداد الخارجية , ولا علاقة لهما بالتناقض الداخلي , أو في تعبير الجدلية النفي و نفي النفي
4 ـ إن ما تسلكه الجدلية في البرهان الجدلي يتناقض تماما مع المبادئ التي أسلفنا الحديث عنها في الحركة الصاعدة و السكون الذي تقول به الجدلية و تعتمد عليه في تفسير كل أشكال الفكر و السلوك , و أنماطهما و قيمهما و معاييرهما و موازينهما , لأن عملية الانتقال من السكون إلى الحركة في سلسلة تصاعدية لا تتم وفق المعيار الجدلي إلا إذا نظرنا إلى الحركة على أنها سكون في لحظة وحركة في اللحظة ذاتها مع أن السكون و الحركة متعلقان بدافع مثير خارجي , ينقل حالة السكون إلى الحركة و هو ما يتقرر في ذرّات العناصر في المادة الجامدة و الحية كما قدمنا في الفقرة الثانية , حيث لا يصح أن يظل السكون إلا جزءا كامنا بالقوة من الحركة , بانتظار المثير و المحرك الخارجي الذي يدفعها إلى الحركة , فتؤول القوة الكامنة إلى القوة بالفعل وفق تعبير المناطقة , و حينئذ ندرك تحول الطاقة الكامنة في كل مناحي و قواعد الحركة إلى قوة بالفعل حيث لا تستوجب الضرورة المنطقية التناقض بين السكون و الحركة بقوة محرك خارجي.
5ـ إن سلسلة العلل و الأسباب و افتراضها و التي تنفيها الجدلية لكل مناحي الكون و التاريخ , إلا وفق تناقضات الديالكتيك , حيث تؤكد أن التطور و النمو ينشآن من التناقضات الداخلية دون حاجة إلى علة و معلول , أو تفسير لمختلف الظواهر العلمية و الكونية بأسباب خارجية , بعيدة عن التناقضات المخزونة في أعماقها في إطار حركة ديالكتيكية تدفع إلى الصراع , و أن الأوضاع الفكرية و السياسية و الاجتماعية و المفاهيم القومية و الإنسانية ليست إلا بنى فوقية لذلك الصرح الفكري الذي يقوم عليه التناقض المخزون و انعكاساته , مما يطرح تناقضا حقيقيا بين العلل و الأسباب المفترضة و العلة الغائية بالضرورة و تناقضات المحتوى ’ لتعطي مفهوم العلة و السبب مفهوما ديالكتيكيا بعيدا عن المفهوم الميكانيكي الغائي , و هي لذلك ترفض قانون السببية المتعارضة مع مفهومها ( الأطروحة , الطباق , التركيب ) , و لكنها تقر بكل الأسباب و العلل حتى العلة الغائية الأولى , دون أن تستشعر ذلك أو أن تعترف به في ممارستها لقانون الحتميات المطلقة و المتنافية مع النسبية التطورية كما أسلفنا في المبحث المتقدم (ج 5) دون أن نجد الحاجة إلى تكرر ما أسلف , كما أنها في الاعتراف بترابط قانون الجدلية و حتمياتها , و كونها كلية و صحيحة , تنطلق من المقدمات الصحيحة غير المتناقضة إلى نتائجها المنسجمة معها , في صحة قوانينها و تماسكها كما ترى في تفسيرها للكون و الحياة و الإنسان , و الفكر و السلوك , إضافة إلى اعترافها بالترابط و التنظيم و التناسق المنطقي , و عدم الإقرار بالفكر الخرافي المتداعي و المتهاوي دون أن تستطيع البرهنة عليه إلا بمنطق العلة و المعلول , لا على أساس تناقض المحتوى كما تزعم
6 ـ تعرض الجدلية الطبيعة عرضا محكما مترابطا : ” وكلا متكاملا متماسكا , ترتبط الأشياء و الحوادث فيما بينها ارتباطا عضويا , يتعلق أحدهما بالآخر و يكون كل منهما متعلقا بالآخر تعلقا كاملا … المادية الديالكتيكية ص6 ”
إن هذا الترابط في الطبيعة و الحياة يعكس إلى حد كبير مبدأ عدم التناقض , و الترابط الدقيق بين العلة و المعلول , و المحتوى و المحمول وفق تعبير المناطقة , و هو أمر طبيعي إذا لاحظنا قوانين الجاذبية و المد و الجزر , و الفيزياء النووية , و قواعد الجينات و الشيفرات الوراثية , و التداخل العضوية المتناهية في الدقة و التصميم في الكون و مجراته و مداراته و أفلاكه و إشعاعاته و قوانينه العلمية و الرياضية و الفلكية و البعد الفضائي غير المتناهي , و الإشعاعات و نظريات الضوء , و التنظيم الفائق الدقة في خلايا الكائن الحي و مداركه و غرائزه , و الفيزيولوجيا الداخلية المنظمة , و الخلايا النبيلة و قوانين الاستقبال و الإرسال في السيالة العصبية , و المورثات و الجينات , و دور الهرمونات و مفرزاتها في حياة الكائن الإنساني , و القوة المفكرة التي أنتجت هذا الكم الهائل من المعارف و الذخائر العلمية و المفاهيم المتراكمة عبر العصور , و ما يتبعها من قفزات التطور المتسارع في كل لحظة , إن كل ذلك يؤكد الكل المتكامل و المتماسك و المترابط في الطبيعة و الحياة و الإنسان , مما يؤكد مبدأ العلية بدقة متناهية و ينفي التناقض و الصدف المتراكمة الموحية بالتناقض و الاتفاق البحت كما تذهب إليها الجدلية , لأن مبدأ الترابط و التكامل الذي تقر به الجدلية تؤكد مبدأ العلية العلمية المتوازنة و ترفض أي احتمال أو مصادفة تتناقض تماما مع الترابط و التكامل . سوف نتابع سلسلة التفسير المتكامل للفكر و السلوك في الجزء السابع بقانون الضبط و التوازن في الفكر الإنساني في بحث لاحق .