الرئيسية » مقالات » الديمقرطية الشعبية ( الانتخابية ) ..لا ( الديمقراطية التنافقية)

الديمقرطية الشعبية ( الانتخابية ) ..لا ( الديمقراطية التنافقية)

في الرابع من نيسان من عام 1968 أنتج المجتمع الامريكي رجلاً عنصريا مهووسا ليطلق النار على داعية الحقوق المدنية .. القس الامريكي الاسود ـ مارتن لوثر كنغ ـ لانه نادى بحق السود في الدخول الى مطاعم الرجل الابيض..!
وذات المجتمع ..اختار بعد اربعين عاما .. في 4 / نوفمبر / 2008 إدخال الرجل الاسود الى البيت الابيض وتسليمه مفاتيحه النووية!
وبين تاريخ الغدر بداعية الحقوق المدنية الاسود.. لأنه رفع شعار ـ التغيير ـ!
وتاريخ اختيار رجل اسود لحكم الجميع ..لأنه رفع شعار ـ التغيير ـ!
مسيرة طويلة من التحولات المعرفية والتطور النوعي في بنية النظام الديمقراطي وارادة المجتمع الامريكي..وتعبيراً عن قوانين النضج السلمي للثقافة المجتمعية الديمقراطية ..وتجليها في اختيار الأغلبية من الشعب لـ ـ رجل اسود ـ رئيسا لاقوى دولة في عصرنا:
• دون سفك قطرة دم واحدة..للوصول الى الحكم او التشبث به كما يشهد بذلك تاريخنا السياسي المثخن بدماء الشعب كي يبقى القائد!
• او التلويح بالحرب الاهلية..كما يُلَوِّح بعض ساستنا اذا تجاسر القانون على مساءلة فاسد او ذبّاح منهم يعتصم بـ ” الديمقراطية التنافقية ـ!
• او اطلاق الوعيد بخراب البلاد والعباد..كما يهدد بعض ساستنا اذا لم تتحقق نواياهم بـ ـ التنافق ـ!
• ودون تأجيج الصراع العرقي والديني والطائفي في مجتمع هو الاكثر تعددية بالتركيبة السكانية في العالم..ومثقل بإرث دموي للحروب العنصرية!
• ودون استقواء اية شريحة من المجتمع الامريكي باقوامها التي جاءت منهاـ تلك الاقوام الكبيرة والضليعة بإنتاج وتصدير قوى ووسائل الخراب ـ ..
لقد انتصرت ارادة دعاة المساواة ..في بلد نهشت سياسة العزل والتمييز العنصرية جسده على مدى قرون مريرة ..
واحترام الاقلية ـ القوية ـ لتلك الارادة .
ان نتائج الانتخابات المحلية الاخيرة في العراق دفع بالمشكلات الغائرة في قرارة الدولة العراقية الى السطح..وانعكست في المخاوف التي اطلقها السيد نيجيرفان البارزاني رئيس حكومة اقليم كردستان العراق..
وعدم تأخر الناطق باسم الخارجية الامريكية في الرد بالقول :
على العراقيين البحث عن حلول لمشكلاتهم في ديمقراطيتهم العراقية .. لامن خلال الاعتماد على الجيوش الاجنبية!
لكن تصريح السيد رئيس حكومة كردستان لم تكن مقطوعة الجذور..بل انها جاءت امتدادا لتصريحات عديدة ـ متوعدة ـ خلال الاشهر الماضية اطلقها السيد مسعود البرزاني رئيس اقليم كردستان العراق..
والخطاب السياسي المشترك بين تلك التصريحات هو ـ التحذير ـ من ـ خطورة ـ الانسحاب العسكري الامريكي من العراق قبل حل الخلافات المستعصية مع حكومة بغداد!
لقد جربت الحكومات الدكتاتورية المتعاقبة على حكم العراق مختلف اشكال التنكيل بالشعب الكردي واستخدمت ابشع الاساليب دموية لكسر ارادته..دون جدوى!
كما جربت الحركة القومية الكردية مختلف صنوف الكفاح ..وذهب مئات الالاف من الكرد ضحية لحروب الدكتاتورية..وقتل الالاف بايدي اهلهم خلال الصراعات الداخلية الكردية الكردية..
وجرى تخوين قطاعات واسعة من المواطنين المتعاملين مع الحكومات المتعاقبة من قبل الحركات القومية الكردية على امتداد تاريخ الصراع بين حكومة بغداد والحركة القومية الكردية..ولاتزال لليوم تسود ثقافة ـ تخوين المتعامل مع حكومة بغداد ـ رغم ان حكومة بغداد صُنِعَت في ـ ورشة ـ كان الحزبان الكرديان هما اصحاب الفصل في انتاجها وادارتها الى جانب احزاب الائتلاف العراقي الموحد الشيعية ..وفيما بعد التحق بهما الحزب الاسلامي.
وبعد اكثر من نصف قرن من اراقة دم العراقيين من الكرد والعرب وغيرهم من المكونات .. ونشوء مرحلة تاريخية جديدة اعقبت الغزو الامريكي وسقوط الدكتاتورية..وصيرورة شكل مهجن من الديمقراطية..
اما ان الاوان ..للبحث عن حلول لمشلاكتنا المستعصية بعيدا عن لغة الوعيد والتهديد والاستقواء بالاجنبي ..
اما ان الاوان الى سماع نصيحة ـ الغزاة ـ بعد ان صممنا مسامعنا عن سماع نصيحة التاريخ العراقي المليئ بالالام..
نصيحة ـ الغزاة ـ التي تقول:
على العراقيين البحث عن حلول لمشكلاتهم في ديمقراطيتهم العراقية ..
ولاشك اننا كعراقيين لانخفي مخاوفنا من نوايا العديد من السياسيين العراقيين..خاصة بعد التجربة التي مر بها شعبنا ووطننا خلال السنوات الخمس التي اعقبت الغزو وسقوط الدكتاتوية..
ومن حق الجميع ان يتساءل..
هل “الديمقراطية التنافقية ” ـ ديمقراطية المحاصصة وتوزيع الغنائم ـ التي ـ استوردت ـ للعراق قادرة على معالجة المشكلات الموروثة والمستعصية ..!؟
ام انها كانت سببا في خلق مشكلات اضافية كلفت الشعب المزيد من الدماء !؟..:
• وعمقت الفساد الاداري والمالي!؟
• وادت الى الانشطار الاجتماعي!؟
• وكرست التنافر الثقافي!؟
• وفككت الاقليم الجغرافي!؟
اليست ” ديمقراطية المحاصصة التنافقية ” المسؤولة عن تضليل قطاعات واسعة من الشعب وتمزيقهم بأسم المصالح الطائفية والعرقية والمناطقية والقبلية ..
• هل المصالح العليا للشيعة ان يحكمهم شيعيا حتى وان كان وليا متعسفا ؟
• وهل المصالح العليا للكرد ان يحكمهم كرديا حتى ولو كان دكتاتورا مستبدا؟
• وهل المصالح العليا للسنة ان يحكمهم سنيا حتى وان كان اميرا مستبدا؟
• وهل .. الشيعة او السنة او الكرد ..كتلة متناسخة ومتطابقة من بيادق الشطرنج..!؟..اليسوا هم صناع ومبدعو اعظم الانجازات المادية والفكرية !؟..اليسوا هم العمال والفلاحون والمثقفون ..الطلبة والشباب والنساء..!؟..اليست لتلك القوى الاجتماعية التاريخية والحضارية والتنموية والانسانية مصالح تفوق تلك المصالح التي يؤججها المتحاصصون الطائفيون والعرقيون..!؟..اليست تلك المصالح التنموية مصدرا لقوتهم في مواجة التخلف والتعسف والتمييز بكل اشكاله!؟
ان حل مشكلات ـ جميع العراقيين ـ الوطنية التنموية ..تكمن في :
• انضاج الديمقراطية عبر الديمقراطية..
• واولى خطواتها تحديد هدفها ( القضاء على التخلف بكل الوانه ومواقعه).
• واولى منهجياتها ..ان تتضمن القوانين الملحقة بالدستور ـ قانون الاحزاب ـ نصا :يلزم فيه جميع الاحزاب والحركات السياسية في العراق تطبيق الآلية التدوالية في قياداتها وفق المسار الانتخابي الديمقراطي والغاء شريعة التوارث للزعامات الحزبية او الالتصاق الابدي بها وتحديد دورتين انتخابيتين للزعامة الحزبية اسوة برئاسة الدولة ورئاسة الحكومة ) لتطهير الاحزاب وتنشيطها وضخ قوى جديدة وشابة لقياداتها.
• وان تكون اهدافها المحددة ..مكرسة للتنمية في جميع الميادين وفي المقدمة منها التنمية البشرية.
• وان تكون غايتها رخاء الانسان ثقافيا وماديا وروحيا.
ان الديمقراطية كيان عضوي يولد وينضج في البيئة المتحضرة ..ويوأد في البيئة المتخلفة..مثلما هو يُنتج في المجتمع المتحضر ويُفقئ بؤر التخلف في المجتمعات التي قررت النهوض ..كالمجتمع العراقي..
والحراك السياسي والاجتماعي الاخير في العراق مؤشر على قدرة الشعب العراقي وإرادته في الخروج من مستنقع ـ المحاصصة ـ وتطهير التجربة الديمقراطية الهشة من ـ التنافق ـ ، واحترام صوت الناخب الفرد والمرشح الفرد والنائب الفرد ـ لا الناخب القطيع والمرشحون القطيع والنواب القطيع !ـ.