الرئيسية » مقالات » الكورد.. في المعادلة السياسية السورية(الحلقة الرابعة)

الكورد.. في المعادلة السياسية السورية(الحلقة الرابعة)

* موقف (مواقف) أحزاب السلطة من القضية الكوردية:
أ- موقف الحكومة السورية من القضية الكوردية: كون حزب البعث يقود الدولة والمجتمع وذلك بموجب المادة الثامنة من الدستور السوري فيمكن إعتبار موقف حزب البعث العربي الاشتراكي هو الموقف الرسمي للنظام من القضية الكوردية وذلك على الرغم من الحقيقة التي نعرفها عن تركيبة النظام؛ على أنه جهاز مافيوي أمني بحيث يتحكم مجموعة من رموز المال والأمن بزمام الأمور – محصورة في العائلة الحاكمة والحاشية التي تأتمر بأمرها – وهي التي تدير وتقود عملياً دفة الحكم في البلاد ولكن من خلال واجهة سياسية (الجبهة الوطنية التقدمية) وبقيادة حزب البعث. ولذلك سنقف على مواقف أحزاب الجبهة وعلى الأخص موقف كلٍ من حزب البعث والحزب الشيوعي السوري لكونهما أكثر الأحزاب حضوراً – مع بعض التحفظ – في الساحة السورية عموماً وبخصوص القضية الكوردية على وجه الخصوص.
من المعلوم بأن فرنسا أعلنت إستقلال سوريا عام (1941) ولكنها (أي سوريا) قد نالت إستقلالها الحقيقي في عام (1946) بانضمامها إلى منظمة الأمم المتحدة وذلك بعد ثورات عديدة شهدتها معظم الجغرافية السورية ومنها المناطق الكوردية حيث كانت حركة المريدين التي تأسست في بداية الثلاثينات من القرن الماضي في (جبل الأكراد – كرداغ) بمنطقة عفرين والتي أستمرت مقاومتها ضد الفرنسيين حتى عام (1939) وكذلك ثورة (إبراهيم هنانو) في (جبل سمعان) حيث تقول (ويكيبيديا، الموسوعة الحرة) بخصوص هذا الزعيم ما يلي: (ولد إبراهيم هنانو في بلد “كفر تخاريم” في محافظة إدلب غربي حلب في سوريا. نشأ في أسرة كردية غنية، حيث كان والده سليمان آغا أحد أكبر أثرياء مدينة حلب، و والدته كريمة الحاج علي الصرما من أعيان كفر تخاريم؛ أتم الدراسة الابتدائية في كفر تخاريم، ثم إنتقل إلى حلب حيث أتم دراسته الثانوية. قام أبراهيم بأخذ أربعة آلاف ليرة ذهبية من والده بدون علمه ليدرس بالجامعة السلطانية في الأستانة، حيث كان والده يرفض سفره إلى الآستانة، و عاد إلى أهله بعد أربعة سنين ثم غادر مرة ثانية إلى استانبول لينهي دراسة الحقوق بعد ثلاث سنين أخرى”. ويضيف المصدر السابق “..تم عقد اجتماع في منزل قائم مقام ادلب عمر زكي الأفيوني نهاية عام 1919 برئاسة هنانو، ضم الإجتماع كبار وجهاء ادلب والمناطق المجاورة لها، وعدد من الوطنيين من انطاكيا والحفة واللاذقية، لتنظيم شؤون الثورة، ..و كان أول صدام مسلح بين الثوار و القوات الفرنسية في (23 أكتوبر 1919)، حيث استمر القتال لقرابة السبع ساعات. و أقام هنانو محكمة للثورة لكل من يتعامل مع فرنسا أو يسيء للثورة”.
وبالاضافة إلى ما ذكرنا سابقاً فقد شهدت بقية المناطق الكوردية العديد من الثورات والمعارك وذلك بهدف الاستقلال، منها: ثورة عامودا بقيادة سعيد آغا الدقوري “وقد اضطرت القوات الفرنسية إلى استعمال المدفعية والطيران لإخمادها”، وكذلك “قاد الكرد ثورة بياندور شرق مدينة القامشلي، وقتلوا قائد الحملة الفرنسية على الجزيرة (السورية والتوضيح من عندنا) الكولونيل روغان” (من مقالة: القضية الكردية في سوريا للسياسي الكوردي محمد موسى محمد). وهكذا كان – وما زال – للكورد أدواراً رئيسية في تاريخ سوريا الحديث والقديم؛ ومنهم على سبيل الذكر وليس الحصر نقول: كان أول وزيرٍ للدفاع في سوريا (يوسف العظمة) من أبناء الشعب الكوردي حيث قاد معركة ميسلون في (24 يوليه 1920) بوجه الفرنسيين وكان أحد قرابين الاستقلال وأيضاً يعتبر المجاهد (محو إيبو شاشو) “الكردي أول من أطلق الرصاص على الحملة الفرنسية في حلب” (المصدر السابق) وهو من (مواليد /1881/ قرية “باسكا” في سهل “ليجة” على الحدود السورية التركية وقد كانت تابعة لناحية “راجو” -منطقة “عفرين” قبل ضم “لواء الاسكندرون” إلى “تركية”) (موقع حلب- شخصيات) وهناك أيضاً عدد من رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومة من أبناء الشعب الكوردي الذين حكموا سوريا بعد الاستقلال ومنهم: حسني الزعيم رئيساً للجمهورية من (30) مارس إلى (14) أغسطس (1949) وأيضاً فوزي سلو في رئاسة الحكومة ما بين (3 ديسمبر 1951) و(11 يوليو 1953) وهناك الآخرون غيرهم.
وهكذا فإن تاريخ سوريا الحديث يشهد بأنه كان للكورد أدوار رئيسية في رسم ملامحها وهو (أي التاريخ السوري) نتاج بطولات وتضحيات كل الشعب السوري بجميع مكوناته العرقية والدينية وكذلك السياسية وقد حاولنا أن نسلط بعض الضوء على أجزاء من ذاك التاريخ الحافل بتضحيات شعبنا وذلك من خلال سردنا الموجز لما مضى ورأينا كيف أن الكورد لم يبخلوا بشيء في سبيل استقلال سوريا وبالتالي أستحقوا شرف قيادتها مع غيرهم من المكونات السورية إلى أن كان عهد الإنقلابات في البلد وذلك على الدستور والبرلمان والحياة السياسية والذي أنتهى بإنقلاب البعث في عام (1963) الذي أودى بالبلاد إلى حالة القمع والاستبداد والديكتاتورية رافعاً لشعار (عروبة سورية) وبالتالي ملغياً بذاك كل المكونات العرقية الأخرى؛ حيث الكورد والذين يشكلون القومية الثانية في البلاد بعد العرب وكذلك فهناك كلٍ من الآشوريين – السريان وكذلك بعض الأقليات العرقية الأخرى مثل التركمان والأرمن والجراكس.
ويمكن اعتبار وثيقة الضابط الاستخباراتي السوري (محمد طلب هلال) في (12/11/1962) والذي كان رئيساً للشعبة السياسية في الحسكة آنذاك، (الروح) التي أنبثقت عنها فيما بعد سياسة حزب البعث والحكومة السورية وذلك باتجاه القضية الكوردية في غرب كوردستان؛ حيث تم تطبيق معظم بنود و(مقترحات) ذاك الضابط الاستخباراتي والذي قدمها من خلال مشروع عنصري شوفيني ليفتح بذلك بداية السياسة القومجية ومحاولة صهر وإذابة المكونات السورية الأخرى وعلى الأخص منها، الكورد في بوتقة العروبة. حيث يكفي الاطلاع على (المشروع) ذاك لنرى مدى الحقد والعنصرية الذي يكمن داخلها ويعمل بها قادة وساسة البعث وكل الحكومات السورية ومنذ ذاك التاريخ الأسود في حياة كل السوريين وعلى الأخص منهم أبناء شعبنا الكوردي في ذاك الإقليم الكوردستاني وذلك من بعد كل تلك التضحيات والبطولات التي قدمها. وإننا لسوف نكتفي أن نقدم للقارئ الكريم المقترحات التي يدبجها (محمد طلب هلال) للقيادة السياسية في دمشق كي يأخذوا بها وذلك لحل (المشكلة الكردية) حيث يكتب:
مقترحات بشأن المشكلة الكردية….الملازم أول: محمد طلب هلال
دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي
القومية، الإجتماعية، السياسية
الملازم أول: محمد طلب هلال
رئيس الشعبة السياسية بالحسكة
إزاء كل ماذكر، لابدّ لنا في زحمة الأحداث من أن تعالج الأمور ببرودة العقل ولهيب الإيمان، بعيدة كل البعد عن أن تكون المعالجة صدى أحداث يومية، أو جانبية، أو ردة من ردود الفعل، حتى لانقع في الشرك والتخطيط الذي يرسمه الأغيار.
علينا أولاً أن نتجنبَ مواطن الزلق، لنرسي أسس التخطيط على العلم والدراسة الشاملة ضمن هذه المرحلة التاريخية التي نمرّ بها، حيث أصبح معلوم لدينا بشكل واضح وجلي، أننا نخوضها في شمالي قطرنا العربي العراقي، معركة عقيدة وسلاح، فلابدّ أن نشرع، وعلى الفور من الإنسجام في التخطيط مع مانقوم به من عمليات في شمالي العراقي، وفي هذه المرحلة بالذات، إذ ماالفائدة أن تنتهي هناك، وتبقى هنا وعلى مستوى من الدلال، أو القريب من الدلال باسم المواطنة، وقد بان وظهر كل شيء، وإنكشفت جميع الأوراق هنا وهناك، وفي تركيا وإيران أيضاً بالنسبة للأكراد. لذا نقترح أن يوضع تخطيط شامل بالنسبة للجزيرة، وجذري، كي لاتعود المشكلة من جديد بعد فترة من الزمن، أو فترات، فالمنطقة كلها كما علمنا في تركيا والعراق وسوريا، بل وحتى إيران، ملتحمة مع بعضها على طول الحدود (ويقصد بذلك المناطق الكوردية وهذا إعتراف من أعتى رموز العقلية القومجية العروبية بأن تلك المناطق/ المنطقة تشكل جغرافية كوردستان – التعليق من كاتب المقال/ البحث)، وعلينا إستغلال موقف تركيا الآن، لأنه قد يتغير في المستقبل وفق أهواء السياسة الإستعمارية، حيث هم الآن يهجّرون كل عنصر خطر إلى داخل البلاد؛ لذا فاننا نقترح:
1- أن تعمد الدولة إلى عمليات التهجير إلى الداخل، مع التوزيع في الداخل، ومع ملاحظة عناصر الخطر أولاً فأولاً، ولابأس أن تكون الخطة ثنائية أوثلاثية السنين، تبدأ بالعناصر الخطرة، لتنتهي إلى العناصر الأقل خطورة… وهكذا.
2- سياسة التجهيل: أي عدم إنشاء مدارس، أو معاهد علمية في المنطقة، لأن هذا أثبت عكس المطلوب بشكل صارخ وقوي.
3- إن الأكثرية الساحقة من الأكراد المقيمين في الجزيرة، يتمتعون بالجنسية التركية (وهذا ليس بمستغرب؛ كون تركيا كانت إمتداداً للخلافة العثمانية وكانت سوريا جزء من الخلافة الاسلامية وبالتالي فكان كل أمم الخلافة يحملون تلك الوثائق وليس الشعب الكوردي لوحدهم، أيضاً التعليق من كاتب هذا البحث). فلابدّ لتصحيح السجلات المدنية، وهذا يجري الآن، إنما نطلب أن يترتب على ذلك إجلاء كل من لم تثبت جنسيته، وتسليمه إلى الدولة التابع لها. أضف إلى ذلك يجب أن يدرس من تثبت جنسيته دراسة معقولة، وملاحظة كيفية كسب الجنسية، لأن الجنسية لا تكسب إلا بمرسوم جمهوري. فكل جنسية ليست بمرسوم، يجب أن تناقش، تبقي من تبقي، أي الأقل خطراً، وتنزع من تنزع عنه الجنسية (لاحظوا معنا “نزع الجنسية” كذلك التعليق من كاتب هذا البحث)، لنعيده بالتالي إلى وطنه. ثم هناك تنازع الجنسيات، فانك تجد أحدهم يحمل جنسيتين في آن واحد، أو قل ثلاث جنسيات، فلابد والحالة هذه أن يُعاد إلى جنسيته الأولى، وعلى كل حال، فالمهم مايترتب على ذلك الإحصاء والتدقيق من أعمال، حيث يجب أن تقوم فوراً عمليات الإجلاء.
4- سد باب العمل: لابدّ لنا أيضاً مساهمة في الخطة من سدِّ أبواب العمل أمام الأكراد، حتى نجعلهم في وضع، أولاً غير قادر على التحرك، وثانياً في وضع غير المستقر المستعد للرحيل في أية لحظة (وهذه السياسة طبقت مؤخراً من خلال “منع الأجهزة الأمنية لأبناء شعبنا المجردون من الجنسية في العمل في المطاعم وغيرها، كونهم محرومون أساساً من العمل لدى دوائر الدولة” – التعليق من عندنا)، وهذا يجب أن يأخذ به الإصلاح الزراعي، أولاً في الجزيرة، بأن لايؤجر، ولايملك الأكراد، والعناصر العربية كثيرة وموفورة، بحمد الله (وقد طبقت تلك السياسة من خلال “الحزام العربي” وكذلك المراسيم الجمهورية اللاحقة كالمرسوم الجمهوري في الفترة الأخيرة والذي حمل رقم (49) وفي تصادف عجيب مع القانون رقم (49) والذي يحكم بالاعدام على كل من ينتمي لجماعة الاخوان المسلمون؛ حيث هنا الاعدام الفردي بالنسبة للإخوان وهناك الاعدام الجماعي لشعب “شعبنا الكوردي في غرب كوردستان” – أيضاً التعليق من عندنا).
5- شن حملة من الدعاية الواسعة بين العناصر العربية ومركّزة على الأكراد، بتهيئة العناصر العربية أولاً لحساب ما، وخلخلة وضع الأكراد ثانياً، بحيث يجعلهم في وضع غير مستقر (وقد رأينا تطبيقات هذه السياسة في الأحداث الدامية بملعب قامشلي الرياضي بتاريخ 12/3/2004 وما كانت من بعدها من إنتفاضة شعبنا في غرب كوردستان – التعليق من عندنا).
6- نزع الصفة الدينية عن مشايخ الدين عند الأكراد (بل وصل الجريمة لحد قتلهم؛ جريمة إغتيال محمد معشوق خزنوي في عام 2005 – أيضاً التعليق من كاتب المقال)، وإرسال مشايخ بخطة مرسومة عرباً أقحاحاً، أو نقلهم إلى الداخل، بدلاً من غيرهم، لأن مجالسهم، ليست مجالس دينية أبداً، بل وبدقة العبارة مجالس كردية، فهم لدى دعوتنا إياهم، لا يرسلون برقيات ضد البرزاني، إنما يرسلون ضد سفك دماء المسلمين، وأي قول هذا القول!.
7- ضرب الأكراد في بعضهم، وهذا سهل، وقد يكون ميسوراً بإثارة من يدّعون منهم بأنهم من أصول عربية، على العناصر الخطرة منهم، كما يكشف هذا العمل أوراق من يدّعون بأنهم عرباً.
8- إسكان عناصر عربية وقومية في المناطق الكردية على الحدود، فهم حصن المستقبل، ورقابة بنفس الوقت على الأكراد، ريثما يتم تهجيرهم، ونقترح أن تكونَ هذه من “شَمّر” لأنهم أولاً من أفقر القبائل بالأرض، وثانياً مضمونين قومياً مئة بالمئة (ولكن طبقت هذه السياسة من خلال الحزام العربي أو ما سمي بـ”مزارع الدولة” في عام 1974 حيث يقول بيان صادر عن المنظمة الكردية لحقوق الانسان في الذكرى (34) بخصوص هذا المشروع العنصري ما يلي: وبعد ذلك تتالت الأعمال التنفيذية لهذا المشروع الاستيطاني، حيث بدأت السلطة بالاستيلاء على أراضي المواطنين الكرد على طول الحدود السورية مع كل من تركيا والعراق في محافظة الحسكة وبطول /375/ كم وعرض ما بين /10 – 15/ كم، لتشكل ما يسمى “مزارع الدولة”. وفي 24/6/1974 اجتمعت القيادة القطرية لحزب البعث وأصدرت قرارها رقم /521/ المتضمن التعليمات التنفيذية الخاصة بتطبيق هذا المشروع العنصري، حيث جلبت مواطنون عرب من محافظتي الرقة وحلب وسلمتهم الأراضي المستولى عليها وبنت لهم تجمعات سكنية نموذجية تتمتع بكافة المواصفات الصحية والتي بلغت /41/ تجمع استيطاني، في تحد صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية وبشكل خاص مواد الإعلان العالمي لحقوق الانسان – التعليق كذلك منا؛ كاتب الدراسة).
9- جعل الشريط الشمالي للجزيرة منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة، بحيث توضع فيها قطعات عسكرية مهمتها إسكان العرب، وإجلاء الأكراد، وفق ماترسم الدولة من خطة. (ربما يطبق قريباً – التعليق منا).
10- إنشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمالي، على أن تكون هذه المزارع مدربة ومسلحة عسكرياً كالمستعمرات اليهودية على الحدود تماماً. (نعتقد بأن هذا الاقتراح لا يحتاج إلى تعليق).
11- عدم السماح لمن لايتكلم اللغة العربية بأن يمارس حق الإنتخاب والترشيح في المناطق المذكورة. (الرجل يريد أن يبذ اليهود في مشروعه العنصري، كذلك التعليق من عندنا).
12- منع إعطاء الجنسية السورية مطلقاً لمن يريد السكن في تلك المنطقة، مهما كانت جنسيته الأصلية (عدا الجنسية العربية)…إلخ.

هذا، وإن هذه المقترحات ليست كافية، بل أردنا منها إثارة المسؤولين بحسب خبرتنا، لتكون تباشير مشروع خطة جذرية شاملة، لتؤخذ للذكرى بعين الإعتبار.
الملازم أول محمد طلب هلال
رئيس الشعبة السياسية
وهكذا فـ(الرجل) لا يريد أن تكتفي القيادة السياسية في دمشق بمقترحاته العنصرية هذه وإنما فقط أن تجعلها “تباشير مشروع خطة جذرية شاملة” وقد عملت (كل) الحكومات البعثية – الأمنية في سوريا بهذه النصيحة ولم تخيب ظن ذاك الضابط الاستخباراتي الشوفيني. وكانت من نتائجها حرمان ما يربو على (150) ألف مواطن كوردي – أنذاك والعدد الحالي يتجاوز (300) ألف مواطن كوردي بحسب التزايد السكاني العام في سوريا وغرب كوردستان – وكذلك سلب الأراضي من مالكيها الأصليين (الكورد) وإعطائها لمواطنين عرب جلبوا من مناطق بعيدة (محافظتي الرقة وحلب) ومن خلال المشروع السيء الصيت المعروف بـ”الحزام العربي” وغيرها من المراسيم مثل المرسوم الجمهوري رقم (49) وغيرها من القوانين والاجراءات الأمنية العنصرية، ناهيك عن عدم الاعتراف بالشعب الكوردي كثاني قومية في البلاد وكذلك عدم الاعتراف بالجغرافية الكوردستانية للمناطق الكوردية مما حرم شعبنا من حقوقه السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. يمكن القول وبايجاز؛ هذه هي السياسة البعثية – الأمنية للسلطات السورية تجاه القضية الكوردية في غرب كوردستان.
ب- موقف/ مواقف الحزب أو الأحزاب الشيوعية السورية: إن مواقف الأحزاب الشيوعية تختلف بإختلاف التيارات الشيوعية وعلاقة كل فصيل مع السلطة والحزب الحاكم (حزب البعث) وكذلك بحسب الأزمنة وقوة الفصيل وعلاقته بالحركة الكوردية؛ حيث يتدرج من الاعتراف بالشعب الكوردي كمكون إجتماعي سياسي أصيل في سوريا وبالتالي له حق تقرير المصير ككل شعوب العالم (رابطة العمل الشيوعي سابقاً) ووصولاً إلى القول: بوجود (الأكراد في سوريا) ولكن على أساس (مواطنين سوريين) لهم (حقوق المواطنة وبعض الحقوق الثقافية) الحزب الشيوعي السوري (جناحي الجبهة الوطنية التقدمية) ويكتب الأستاذ (غسان المفلح) في مقالته (الحركة الكردية في سوريا بين الواقع والطموح) موضحاً هذه المسألة كما يلي: “الحركة الشيوعية كانت قد تعاملت مع هذه القضية (الكوردية – التوضيح من عندنا) بمنطق مختلف نسبيا ويختلف من حزب شيوعي إلى آخر.. ــ مثال من سوريا، تعامل الحزب الشيوعي الرسمي بزعامة خالد بكداش والذي هو كردي سوري وبين تجربة حزب العمل الشيوعي في سوريا ــ هذا المنطق الذي تمحور حول: الحل الاشتراكي غير المحكي عنه في أدبيات بكداش للمسألة الكردية, وحق تقرير المصير الذي كان في برنامج حزب العمل الشيوعي منذ بداياته التأسيسية 1973”.
وهكذا فإن الموقف من القضية الكوردية يمكن إعتباره الترموسياسي – إن جاز التعبير – في علاقة الأحزاب الشيوعية مع السلطات الأمنية السورية وكذلك في علاقة الحركة الكوردية والسورية عموماً مع غيرها من الأحزاب وبهذا الصدد يكتب الأخ (ربحان رمضان) في مقالته (سلطة، حزب، عشيرة ثلاثة أقانيم في اقنيم واحد) ما يلي: “فتقبل العلاقة (أي الأحزاب السورية مع أي فصيل آخر – التوضيح من كاتب المقال) مع هذا الطرف لأن النظام راض عنه، وترفض العلاقة مع ذاك لأن النظام غاضب عليه، مثالنا على ذلك موقف غالبية الأحزاب السياسية السورية من حزب العمل الشيوعي الذي كان تبتعد عنه الأحزاب السياسية بما فيها غالبية الأحزاب الكردية نتيجة ملاحقة أجهزة أمن النظام لنشطاءه رغم موقفه المتميز تجاه القضية الكردية في تلك الفترة واعترافه بحق تقرير المصير للشعب الكردي في سوريا ضمن برنامجه السياسي..!!”.
بل وصل الأمر بأحد الرموز الشيوعية والذي قضى حياته بحدود عقدين من الزمن في سجون النظام السوري؛ ألا وهو الأستاذ (رياض الترك) أحد أبرز رموز المعارضة السورية والذي يقود حالياً (حزب الشعب الديمقراطي، الحزب الشيوعي – المكتب السياسي سابقاً) لأن يقول وفي أكثر من مناسبة بأنه: “لا يريد أن يحاور كردياً يحمل معه خارطة كردستان”، (من مقالة الحركة الكرية السورية، بين السلطة والمعارضة بقلم سليمان يوسف يسوسف)؛ حيث أن “مقولة كردستان سوريا” هي مرفوضة من قبل كل الأحزاب و”القوى الوطنية” السورية ويعتبرونها (اي جغرافية غرب كوردستان) من القضايا التي “تتعارض مع الحقائق الموضوعية والتاريخية لسوريا، وتنسف الثوابت الوطنية للشعب السوري، فهي (المعارضة) تؤكد دوماً في بياناتها، على أن (المشكلة الكردية في سوريا هي قضية وطنية بامتياز)، مما يعني أنها ترفض القبول بها والتعامل معها على اساس( قومية كردستانية). وقد رفض بشدة وفد المنظمات الأهلية، الذي ضم شخصيات من المعارضة السورية، اضافة كلمة (قومية) الى جانب (القضية الكردية في سوريا) في البيان المشترك الذي صدر للرأي العام في ختام جولته الى الجزيرة في أعقاب أحداث آذار” (نفس المصدر السابق).
وكذلك فإن موقف الجناحين الرئيسيين للحركة الشيوعية في سوريا والمنضويان تحت راية الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث ليس بأفضل من موقف (حزب الشعب الديمقراطي) والذي جاء على لسان زعيمها الأستاذ (رياض الترك)؛ حيث يكتب الصديق الأستاذ (صالح بوظان) في مقالٍ له يحمل العنوان “موقف الحزب الشيوعي السوري من أكراد سوريا بين الوثائق والتصريحات (جناح يوسف فيصل)” موضحاً المسألة كما يلي: “أعتقد أن ما قاله السيد يوسف فيصل في مقابلته مع موقع كلنا شركاء بتاريخ 18 تموز 2007 حول موقفه من القضية الكردية في سوريا يستحق التأمل والتحليل، بعيداً عن التشنج وردود الفعل المباشرة. ومرد ذلك حسب زعمي أن يوسف فيصل شخصية سياسية سورية كبيرة، ويعتبر القائد الشيوعي رقم واحد اليوم بعد وفاة خالد بكداش. زد على ذلك أن هذا التصريح قد يخلق قلقاً لدى أعضاء هذا الحزب وجماهيره أكثر مما سيخلق عند الأكراد، لأنه يتناقض مع ما جاء في وثائقه”. ويضيف كذلك “ولكي أضع القارئ في صلب الموضوع الذي أتناوله، سأورد حرفياً ما قاله السيد يوسف فيصل، كما نشر موقع كلنا شركا الالكتروني على لسانه، حيث قال: (نحن لا نرى أن هناك قضية قومية كردية في سورية بمعنى حق تقرير المصير، لأن هناك حديثاً عند الأكراد، أن هناك شعباً كردياً في سورية وشعب عربي. برأينا هناك جماهير شعبية عامة.. هناك مواطنون سوريون.. كلهم سوريون ونحن نعتبر بأن هناك قضية كردية بمعنى الحقوق الإنسانية، كقضية الإحصاء وبعض القوانين في تسجيل المواليد الجدد وغير ذلك.. نحن ننظر إلى الأكراد كمواطنين سوريين”.
وبالتالي فإن السيد (يوسف فيصل) يرفض القضية الكوردية على أنها “قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية” حيث يقول في تصريح له: “لا يوجد مشكلة قوميات، أو (مشكلة كردية) في سورية…. نرفض بشكل مطلق (شعار كردستان) سوريا،القضية بالنسبة لنا هي قضية حقوق ثقافية وحقوق مواطنة كاملة لجميع أبناء القوميات من اكراد وآشوريين/سريان, وأرمن وغيرهم… ومنح الجنسية السورية لكل من يستحقها”. (من مقال الحركة الكرية السورية، بين السلطة والمعارضة بقلم سليمان يوسف يسوسف). وللعلم فإن موقف هذا الفصيل الشيوعي (أي جناح يوسف فيصل) هو متقدم على موقف الجناح الشيوعي الآخر (خالد بكداش) وذلك على الرغم من الأصول الكوردية للأخير؛ حيث أقر (جناح يوسف فيصل) بـ”حقوق الكرد الثقافية في وثائقه” وذلك في ثمانينات القرن الماضي “أي بعد أكثر من نصف قرن من تأسيسه. كما أنه تجاهل إحصاء 1962 لربع قرن من الزمن.. ففي تقرير المؤتمر العاشر، وفي فقرة الوضع الداخلي جاء حرفياً ما يلي: ..وكما نعلم توجد في البلاد عدة أحزاب تنشط في أوساط الشعب الكردي وهي معظمها قوى وطنية تتمسك بوحدة البلاد، وتناضل من أجل إلغاء إحصاء عام 1962 ومن أجل حقوق المواطنة الكاملة، وضمان الحقوق الثقافية لأبناء الشعب الكردي” (من مقالة الأستاذ صالح بوظان السابقة).
أما موقف الجناح الآخر؛ أي الحزب الشيوعي السوري (جناح وصال بكداش) فلا يرتقي كثيراً فوق رؤية حزب البعث بالنسبة للقضية الكوردية وكذلك بالنسبة للأحزاب القومية (الناصرية والاشتراكية) الأخرى والتي تدور في فلك الجبهة الوطنية التقدمية فإن مواقفها نابعة عن العقلية العروبية والتي ترى في سوريا (أرضاً وشعباً، جزء لا يتجزء عن الجغرافية والأمة العربية) وهي بالتالي تنظر (أي تلك الأحزاب) للمسألة الكوردية (على أنها مشكلة خلقتها الإستعمار الغربي والقوى العميلة في المنطقة، الطابور الخامس لكي تُنزِف جسد الأمة العربية)بمعارك وصراعات داخلية وتلهيها عن “معركتها الحقيقية مع قوى الاستعمار والامبريالية في المنطقة وربيبتها الكيان الصهيوني المزروع على أرض فلسطين” وربما يكون هناك – إلى درجةٍ ما – تبيان في المواقف عند الفصيل الأخير الذي أنضم للجبهة بصفة مراقب؛ ألا وهو (الحزب السوري القومي الاجتماعي) لكونه ينادي بالقومية السورية الجامعة وشعار (سوريا أولاً) ولكن ومثل كل فصائل الموالاة/ السلطة يرى بأن حل (المشكلة الكردية) لن تكون إلا من خلال (المواطنة السورية) والتي ستكون بالتأكيد ذات لون وهوية وثقافة عربية وخاصةً في ظل الظروف والمناخات الحالية وذلك من خلال الأنساق المفاهيمية التي تعمل مفاعيلها في هذه الحركات والأحزاب.

هولير – 20/2/2009