الرئيسية » مقالات » قراءة أكثر واقعية لنتائج الانتخابات العراقية!

قراءة أكثر واقعية لنتائج الانتخابات العراقية!

بعد ان أعلنت يوم أمس مفوضية الانتخابات النتائج النهائية لانتخابات مجالس المحافظات التي جرت في الحادي والثلاثين من يناير الماضي، فقد بات من الواضح جدا حجم كل طرف من الاطراف السياسية على الارض و التي احتدم بينها التنافس حتى وصل درجة الاتهام والتسقيط واحيانا الاغتيال!

المفاجئات التي جاءت بها تلك الانتخابات عديدة ولكن كان اكبرها التي لم يكد يصدّقها حتى اصحابها هي تراجع شعبية المجلس الاعلى الاسلامي العراقي بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم “قائمة شهيد المحراب” وصعود اكثر لنجم رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي وقائمته “أئتلاف دولة القانون”. المفاجاة الثانية كانت من نصيب المرشّح يوسف الحبوبي الذي تصدّر القوائم جميها في كربلاء رغم ترشّحه مستقلا من دون ميزانية ضخمة ولا فضائية تسبّح بحمده ليل نهار ولا حتى قصاصة ورقية فضلا عن جريدة تمجّد بانتصاراته النضالية وصولاته الجهادية. أما المفاجاة الثالثة فقد كانت من نصيب رئيس الوزراء السابق الدكتور ابراهيم الجعفري وما جناه تجمّعه الفتي “تيار الاصلاح الوطني”!

المجلس الاعلى وبعد ان كان يسيطر على مجالس ستة محافظات لم يعد كذلك وتراجعت شعبيته الى درجة كبيرة لم يحصل من هذه الانتخابات الا على 48 مقعدا من مجموع 440 هو مجموع مقاعد مجالس المحافظات الاربعة عشرة التي جرت فيها الانتخابات. هذه النتيجة تعني بشكل اخر ان نسبة تفاعل الناخب العراقي مع قائمة شهيد المحراب لاتتعدى نسبة 11% وهي نسبة متدنية كثيرا لتيار كبير يطرح نفسه كأكبر تكتل سياسي ليس على المستوى الشيعي فقط بل على مستوى الوطن العراقي أجمع. الدلالة الاكبر في هذا السياق هو ماجاءت به نتيجة محافظة بغداد التي يقطنها اكثر من ستة ملايين انسان ولم يجني منها المجلس الا ثلاثة مقاعد فقط اسوة بما حصل عليه الدكتور ابراهيم الجعفري! نتيجة حقيرة كهذه تعتبر قاصمة ليس لشعبية المجلس الاعلى فحسب بل ولشعبية القيادي الابرز فيه الشيخ جلال الدين الصغير باعتبار ان العاصمة بغداد دائرته الانتخابية! فضلا عن انه لم يأل جهدا وهو يتنقّل من مجلس الى اخر ومن مدينة الى اخرى للترويج لقائمته “شهيد المحراب” وذلك ضمن حملة التعبئة. اضافة الى ذلك الثقل الكبير الذي القى به السيد عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس لدعم القائمة وحالة الاستنفار التي قادها ابنه عمار باعتباره نائب الرئيس! أيضا الميزانية الضخمة التي رصدها المجلس الاعلى والتي اتضّحت في الكثير من المناسبات والتجمعات والندوات، لكن ذلك كله لم ينجح في تجميل صورة مجالس المحافظات او استمالة الناخب العراقي لابقاء الحال على ماهو عليه!

الخسارة الاكبر للمجلس الاعلى برأيي لا اعتقد انها قد جاءت عبر خسارته لمجالس المحافظات بقدر ماجاءت عبر تحطّم اطروحة “فيدرالية الوسط والجنوب” التي ينادي بها ويدعو اليها! هنا لابد لقيادة المجلس الاعلى ان تلتفت لهذا الرفض الشعبي العارم وتعيد حساباتها من جديد وان لاتعوّل على الشعارات واللافتات اكثر من التعويل على وعي الناخب وعلى مسؤولين مستعدون للتضحية بالمكاسب الفئوية وتقديم خدمة المواطن على خدمة الحزب والعائلة. هنا ندعو قيادة المجلس الاعلى صادقين لتبنّي مشروع العراق الموحّد بدلا من طرح الفيدرالية التي يبدو ان الشعب العراقي غير مستعد لتقبّلها حاليا لاسباب عديدة أهمها المثال السئ الذي ضربته مجالس المحافظات في قيادتها وتبني هموم مواطنيها فضلا عن ان فيدرالية من هذا النوع ستؤدي بشكل تدريجي لتقسيم العراق وفقا للمذهب والقومية شئنا ام أبينا!

قائمة نوري المالكي حصدت 105 مقعدا من مجموع 440 وهو مايشكل نسبة 24% تقريبا وهذا يعني ان نسبة القبول الشعبي قد فاقت التوقعات كثيرا خصوصا في اوساط الذين رفضوا التحالف معه في هذه الانتخابات، هذا من جهة. من جهة اخرى فان نسبة القبول الجماهيري هذه تعني انها اكبر بكثير من مقبولية المجلس الاعلى وهو على غير ما جاء في حسابات الربح والخسارة! ترى ماهو السبب الحقيقي وراء هذه النتائج وهذا التراجع لطرف والتقدّم لاخر؟!

اذا ماتجاوزنا ماقام به رئيس الوزراء نوري المالكي من انجازات خصوصا في الملف الامني على اعتبار ان هذا الانجاز لايمكن احتكاره من قبل رئيس الوزراء فقط لانه في النهاية رئيس سلطة تنفيذية والمعروف ان النجاح في ملفات كبيرة مثل الامن لايقتصر الامر فيها على مايقوم به رئيس الوزراء. الملف الامني كان نتيجة عمل ومثابرة من قبل السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية فضلا عن التدخل الامريكي في هذه الموضوعة وهو المفصل الاهم. أذن التعويل على انجازات المالكي الامنية فحسب ليس بالامر الدقيق لحصده كل تلك المقاعد. المفصل الأهم في حصد هذه النتيجة هو ان حزب الدعوة الاسلامية الذي يترأسه المالكي لم يكن حاكما في مجالس المحافظات التي اتضحت فيها عورات المسؤولين المحسوبين على المجلس الاعلى الامر الذي ادى في نهاية المطاف الى تحوّل الناخبين العراقيين واكثرهم من المستقّلين وغير المتحزّبين الى قائمة المالكي عسى ولعل ان تكون هناك تغييرات في الجانب الخدمي وتقدّم في ملف الاعمار واطلاق يد القضاء لمحاسبة الفاسدين كما جاءت به حملته الانتخابية! لذلك نحن نرى ان هذه الدفعة الشعبية والتفويض الجماهيري الكبير للمالكي ستكون عليه ضريبة مستقبلية وحساب شعبي واستحقاقات ميدانية خصوصا ونحن على ابواب انتخابات مجلس النواب في نهاية العام!

كما هو معروف ان مثالب المرء ومناقبه تظهر الى السطح اثناء العمل وهذا مادلل عليه المأثور من القول “في الامتحان يُكرم المرء او يُهان” واذا كانت السنوات التي مرّت كافية لكي يقتنع الناخب العراقي انه لارجاء من المجالس الحالية ولابد من انتفاضة سلمية لتغييرها فان المجلس الاعلى لم يكن الخاسر الوحيد في ذلك فقد شاركه الحزب الاسلامي في محافظات العرب السنة فضلا عن الاكراد الذين فقدوا محافظة الموصل بالكامل. بل ان الخسارة قد طالت حتى حزب الدعوة الاسلامية وقائمة أئتلاف دولة القانون وذلك حينما فضّل الناخب الكربلائي اعطاء صوته ليوسف الحبوبي متقدّما على الجميع بما فيها الكتل الكبيرة كالدعوة والمجلس. انتخاب الحبوبي يدلل بالضرورة على الرفض الشعبي للمحافظ الحالي المحسوب على حزب الدعوة الاسلامية اسوة برفض بعض رجالات المجلس الاعلى. الفساد الاداري والرشوة والاختلاس وتفشّي المحسوبيات وتردّي الخدمات كانت العلامات الابرز في حكم المحافظات العراقية بلا استثناء وكان لابد من انتفاضة جماهيرية في حدود القانون وسياقات التغيير نحو الافضل وهو ماحصل بالفعل.

من ذلك نستدل ان الناخبين العراقيين لم يكونوا كما الامس معبئين بشعارات طرف ضد اخر بقدر ماكانت تحرّكهم النجاحات والاخفاقات لجميع الاطراف. ترى هل وصلت الرسالة الى المتراجعون ولانقول الخاسرون، وهل سيتعلّم المتقدّمون ولانقل الفائزون من اخطاء من سبقوهم؟! مؤكدا صندوق الاقتراع هو الفاصل والناخب العراقي هو الحكم وفي خدمة الوطن والمواطن فليتنافس المتنافسون!