الرئيسية » مقالات » حديث الجراح – 3

حديث الجراح – 3

(اليتم وما أدراك مااليتم)   أن مجرد لفظ كلمة (اليتم ) تجعلها تسري في الدم كما يسري السم الزعاف في النبتة الغضة الصغيرة عندما تفقد من كان يعتني بها ويتولاها بالأهتمام ولم يأتي أحد أليها ويقدم لها الرعاية التي افتقدتها فأنها غالبا ماتصفر وتذبل وتذروها الرياح وربما تتحول ألى نبتة شوكية مؤذية توخز وتؤذي كل من يتقرب أليها بعد حين لأنها لم تعد تسقى بذلك الماء العذب الذي كانت تتلقاه لتنتج بالنهاية ثمرا طيبا شهيا للآخرين ويمكنني تشبيه اليتيم على هذه الصوره.
لقد ذكر الله سبحانه وتعالى اليتيم في محكم كتابه العزيز ( ثلاثا وعشرين ) مرة ولابد لهذا التكرار والتأكيد من معان ودلالات كبيرة للمجتمع الأسلامي ولابد لهذا المجتمع أن يعي هذه الحقيقه ويتعمق فيهاولا يتعامى عنها أو يتغاضى عن أهميتها القصوى وأول من تقع عليه مسؤولية كفالة اليتيم ورعايته هي الدوله. فالدولة هي الجهة المهمة والمسؤولة الأولى التي تقع على عاتقها انتشال هذا الطفل اليتيم الذي فقد أباه أو كلا والديه مبكرا من وهدة البؤس والحرمان والضياع وتوفير الحماية له من الأخطار الصحية والأجتماعية التي تتهدده أذا ترك وحيدا دون رعاية.
قال الله في محكم كتابه العزيز :بسم الله الرحمن الرحيم : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين أحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين)الآية 36 – البقره وقال رسول الله ص (أنا وكافل اليتيم في الجنة , هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما)-( صحيح البخاري). حيث أمر الله في هذه الآية الكريمة وفي غيرها من الآيات الكريمة الأخرى العناية باليتيم واعتبرها كالعناية بالوالدين وبذي القربى من جميع الوجوه المادية والمعنوية . وقد قال أحد الشعراء في هذا الصدد:

أنظر ألى وجه اليتيم وهب له
عطفا يعيش به الحياة كريما
وافتح له كنز الجنان فأنما
يرعى الحنان فؤاده المكلوما
أنظر ألى وجه اليتيم ولا تكن
ألا صديقا لليتيم حميما
وارسم حروف العطف حول جبينه
فالعطف يمكن أن يرى مرسوما
ياكافل الأيتام كفك واحة
لاتنبت الأشواك والزقوما .

ولو ألقينا نظرة خاطفة على تأريخ العراق منذ قيام الدولة العراقية ألى يومنا هذا وتسا ءلنا ماذا قدمت الدولة ومنظمات المجتمع المدني للأيتام في العراق طيلة هذه السنين وخاصة في السنين الأخيرة حيث خلفت حروب الطاغية الدموية والأحتلال الأمريكي الذي وقع عليه ؟ وصاحبتها جرائم الأرهابيين القتله التي تركت أعدادا هائلة من الأيتام يقدرون بالملايين حيث أعلنت المنظمات الدولية المختصة بأن العراق يضم خمسة ملايين يتيم حالياوقد أصبح يدعى ببلد الأيتام الأول في العالم.
لوجدنا أن الجواب يحز في النفس نظرا للأهتمام الضئيل الذي لايكاد يذكر بهذه الشريحة الكبرى من زهور العراق رغم التهويل الأعلامي الذي نسمعه بين آونة وأخرى بأن العراق متقدم على غيره من الدول المجاورة في العناية بالأيتام وهذه التصريحات تدعو للغرابة وكأن المسؤول الذي صرح بهذا يقدم منة من جيبه الخاص على هذه الزهور اليانعة والغصون الغضة التي لها كل الحق بالرعاية والأهتمام من لدن الدولة العراقية قبل أن يتصلب عودها وتضيع في متاهات الحياة لتواجه مصيرها المجهول وكما قال الشاعر:
أن الغصون أذا قومتها اعتدلت
ولا تلين أذا كانت من الخشب
أنه أمر يحز في نفس كل عراقي شريف أن يرى في هذه الدولة الغنية أيتاما ينتشرون في طول البلاد وعرضها ويعملون في أشغال شاقة لاتتناسب وأعمارهم الغضة ومنهم من يجلس على الرصيف ليصبغ الأحذيه ومنهم من يبيع المناديل الورقية والسكائر والعلكة في الكراجات ومنهم من يحمل البضائع على ظهره ومنهم من كست ملابسه الدهون وهو يعمل في محلات تصليح السيارات وغيرها من الأعمال التي لاتتناسب وعمر الطفولة الغض وق لاحظت ذلك بنفسي عندما زرت العراق حيث كانت هذه الظواهر موجوده لكنها تفاقمت بمرور الزمن . وكم من الأخطار الأجتماعية التي تعرض لها هؤلاء الأطفال نتيجة هذه الأعمال الشاقة والمجهدة. أن هذا الجيش العرمرم من الأيتام الذي تغص به أرض العراق معرض اليوم للضياع والتشريد والحرمان من التعليم وبعد عدة سنوات سنرى هذا الجيش من أيتام العراق وقد أنشب القدر مخالبه السوداء في أجسادهم الغضة وقد تفشت فيهم آفة الأمية والجهل وكلما تتقدم الأعوام سيكون العلاج أصعب وأصعب وقد يتحول هؤلاء الأيتام ألى فرائس سهلة لعصابات القتل والجريمة والأنحراف ولات ساعة مندم وقد سبق السيف العذل.وأناشد من كل قلبي زارة العمل والشؤون الأجتماعية ومنظمات المجتمع المدني وكل من يهمه حال اليتيم ومعاناته أن تكثف جهودها في هذا المضمار وتخصص في كل محافظة من محافظات العراق دار كبيرة للأيتام المشردين تتوفر فيها كل المتطلبات الضرورية من رعاية وملبس ومأكل وبرعاية مشرفين أخصائيين في التربة والتعليم لأيواء هؤلاء الأيتام فالدور التي ترعى الأيتام حاليا لاتفي بالغرض ولا تستوعب ألا العدد القليل والقليل جدا من هؤلاء الأيتام. وتعاني من نقص كبير في الخدمات.
لقد ذكرت هذه المقدمه لصلتها بالحدث الذي مررت به شخصيا قبل أكثر من نصف قرن ولولا أولئك المعلمين الذين أخذوا بيدي لجرفتني الحياة ألى متاهات ومتاهات لايعلم بها ألا الله وهذه حقيقة لابد أن أعترف بها علنا وهناك مثل يقول :
( أجمع براعم الورد مادمت قادرا على ذلك) وأذا لم يتم ذلك باستغلال عنصر الزمن فحينذاك تحدث الطامة الكبرى ولا يفيدنا اعمار الجسور والبناء والمشاريع الأنمائية أذا لم نسارع بأعمار هذه النفوس أولا وخاصة أعما نفوس الأيتام الذين ترنوا عيونهم ألى من ينتشلهم قبل فوات الأوان وكما قال الشاعر:
وليس بعامر بنيان قوم
أذا أخلاقهم كانت خرابا
لقد انتشلني المعلمون من تلك الحالة المأساوية التي مررت بها وهي ( اليتم ) وكلما أتذكر تلك الساعات والأيام الرهيبة التي مرت بي ترتعد فرائصي رغم أنني قد تعديت خريف العمر وكلما أرى يتيما بحاجة ألى من ينتشله تنهمر عيوني بالدموع وأتصوره أنا وكأن كابوسا هجم على وأخذ بخناقي. لقد مات والدي رحمه الله ميتة طبيعية فكيف حال هؤلاء الأيتام الذين قتل آباؤهم في الحروب أو بالأعمال الأرهابية الأجرامية التي حدثت في هذه السنين أنها الكارثة حقا أذا لم تتدارك الدولة أبعادها الخطيره.
ومازلت أذكر كيف أن المعلمين أصروا على عدم تركي المدرسه مهما كانت الصعوبات حيث تركنا والدي أنا وأربع بنات وأم لامعيل لنا ألا الله ولم يتركوا البيت في ذلك اليوم الا وقد أخذوا ميثاقا من والدتي لكي تقنعني بعدم ترك المدرسه. ومازلت أذكر كيف أن أحدهم قال ( أن حانوت المدرسه يدر أرباحا جيدة وهي مخصصة للأيتام ولا شك أن أبنك له حصة في هذا الحانوت وهو سيعمل به أثناء الفرص أي أنه سيأكل من عرق جبينه دون منة من أحد ونحن أذا تخلينا عن هؤلاء الأيتام فقد تخلينا عن رسالتنا). أما عن (شهادة الجنسيه )فقد جرى حديث حولها وقالوا( أنها ليست مهمه في هذه المرحله وسيحصل عليها بعد وصوله ألى المرحلة الأعداديه وكل شيئ سيغدو سهلا مادمنا أحياء )لقد كان انشداد أولئك المعلمين لرسالتهم التربوية والأنسانية والأخلاقية تفوق الوصف في جلالها وسموها ونبلها وهذه هي رسالة المعلم الحقة في كل زمان ومكان ولا يسعني في هذه اللحظات التي أكتب فيها هذه الكلمات عن وفاء ذلك الرعيل الأول من المعلمين ألا أن أنحني أجلالا لأرواحهم الطاهرة التي غادرت هذه الدنيا راضية مرضيه. والله أنني لم أجد أحن وأعطف وأنبل من تلك النفوس الكبيرة التي عوضتني الحرمان وأنستني مصيبة اليتم الرهيبة ومازلت أذكر منهم الأستاذ( جعفر يوسف ) والأستاذ (حسين عداي ) وغيرهم حيث لم أتذكر أسماءهم الكريمة بعد هذه السنين الطويلة والحافلة بالأحداث الجسام التي مرت على العراق . و أخاطب كل روح نقية من تلك الأرواح التي انتقلت ألى بارئها بهذه الأبيات البسيطة وأقول:
أفنيت عمرك بين اللوح والقلم
تبني السرائر بالأيثار والقيم
كنجمة أنت في الآفاق ساطعة
عبر المسالك تجلو حالك الظلم
النور حولك أما أنت في جلد
تذوب وحدك في دوامة الحلم
ياشمعة الفكر يافيئا ألوذ به
جيش من الحب والأشواق والضرم
طريقك الحرف تسمو في عوالمه
لتشحذ العقل والوجدان بالهمم
ياأنبل الخلق في ذكراك واقيتي
يانازع اليأس من أعماق منحطم
العلم نور بهي نستضيئ به
والجهل يسري لسيل النار في الأجم
هذا عطاؤك للأجيال مفخرة
قد صرت ياسيدي نارا على علم
نعم أن أرواحكم النقية الطيبة أيها المعلمن النجباء الأوفياء ستبقى ترفرف حوالي ألى آخر لحظة من حياتي .ولن أنسى صنيعكم الأنساني أبدا. وأتضرع ألى الله عز وجل أن يتغمكم بواسع رحمته ويسكنكم جنان الخلود أنه سميع مجيب.
أما عن تجربتي مع ماتسمى ب( شهادة الجنسية العراقيه ) فلها حديث جارح طويل آخر.

جعفر المهاجر- السويد