الرئيسية » مقالات » القاعدة في العراق والمنطقة.. من مشروع الى جثة

القاعدة في العراق والمنطقة.. من مشروع الى جثة

يضرب نشاط شبكة القاعدة المسلح، وعلى نحو لا سابق له، اكثر من دولة عربية، باستثناء دول قليلة يبدو معفوِ عنها (لاسباب تحتاج الى تشريح ما) وقد وصل، بالاعلان عن توحيد فرعي الشبكة في اليمن والسعودية في تنظيم “جهادي” واحد، واعادة ترتيب صفوف الشيكة في المغرب العربي، وفتح جبهة السودان وإحياء خلايا شمال لبنان وليبيا والبحرين وارتداد تيار اخواني مصري عن الاعتدال نحو “الجهاد” وسلسلة تمرينات تفجيرية في سوريا والكويت والدار البيضاء بالاضافة الى تطوير اساليب الهجوم باعتماد القرصنة البحرية ونقلها من الصومال الى ارخبيلات ومنافذ بحور العرب
الاخرى والاغارة على البنوك وتلغيم النساء واستخدام الاجانب في حلقات الاتصال والتسليح وتقنيات الحاسوب والسطو على المعلومات..
اقول: وصل نشاط القاعدة،بهذه التطورات على الساحة العربية الى مديات تنظيمية وعسكرية وسياسية خطيرة وشارف على الدخول الى تخوم حساسة قد تهدد بإحداث اختراق امني استراتيجي او بتحطيم حلقة من حلقات الحكم في المنطقة، او بسلسلة حروب اهلية لا احد يعرف الى اين تنتهي.
وطبقا لنتف من التسريبات والتقاريرالاستخبارية الدولية فان قيادة القاعدة التي تتخذ من كهوف الحدود الافغانية الغربية مركزا لها وتحتمي بعشائر باكستانية نافذة صرفت النظر(الى حد ما) عن مناهج قديمة عقيمة ولم تحصد نتائج مفيدة، مثل الهجمات التي تطال عواصم اوربية “التي استفزت الحكومات الغربية ودفعتها الى اقامة انظمة مراقبة صارمة والانخراط في تحالف واسع بقيادة الولايات المتحدة ضد الارهاب وتشديد الخناق على الانشطة المتطرفة واختراق الهياكل التنظيمية للارهابيين” كما جاء في احد التقارير، واوردت، ان اهتمام قيادة بن لادن يتركز منذ حين
على “مناطق رخوة” في العالم العربي وعدم الاقتصار على العراق “إذ تلقت منظمة القاعدة هناك ضربات شديدة، واقصيت عن معادلة التطورات العراقية”.
وغير هذه التقارير والقراءات، فان المتابع لتحولات حركة القاعدة ولخطابها الدعائي يرصد نشاطا ارهابيا ودعويا ذي مغزى ينتقل بين عواصم المنطقة، ويضرب حلقات الهيبة فيها، كما يرصد تكييفا في الخطاب “الجهادي” الدعائي التقليدي المكرس للهجوم على الولايات المتحدة وادارة الرئيس السابق جورج بوش الى فاصلة اخرى تتخذ خط التجييش على اسرائيل ومعاقبة انظمة الحكم العربية “التي تدعم العدو الصهيوني!” مما يخلط الاوراق ويدس المشروع الارهابي الدولي في خارطة الصراع العربي الاسرائيلي بوصفه رافدا من روافد معسكر التشدد بديل الاعتدال ومعسكر السلام
العربي.
الفاصلة الاكثر اهمية في هذه اللوحة تتمثل في ان المحطة التي وصل اليها مشروع اقامة دولة طاليبانية في العراق(وفق إعلان ابو مصعب الزرقاوي في حزيران 2006) تشهد الآن ضعفا وهزالا على جميع الاصعدة فقد اصطدم، بعد اشهر قليلة من اعلانه، ولأول مرة، مع الشريحة العشائرية (السنية) في غرب العراق كانت قد احتضنت طلائع مقاتلي القاعدة وسهلت لهم الاقامة والتسليح والتحرك وتنظيم الهجمات المسلحة على القوات الامريكية ونواة القوة الامنية (والادارية) العراقية الجديدة والمزدحمات المدنية، إذ الزم الزرقاوي (بفرمان وتهديد بالقتل الشرعي) رؤساء تلك العشائر
باعلان البيعة له، ثم تمدد الى التنظيمات “الجهادية” العراقية، بما فيها فلول حزب النظام السابق، فدعاها الى الانضمام تحت قسم الولاء الى دولته، وذهب الزرقاوي الى اقامة محاكم ميدانية دشنت سواطيرها بقطع رقاب الكثير من حلفائه العراقيين، ممن رفضوا البيعة او التسليم لقيادته، وكان ابن عم حارث الضاري منهم، فضلا عن ضباط سابقين.
منذ ذلك الوقت كان الامر واضحا بان ايام شبكة القاعدة في العراق اصبحت معدودة وقد عجل في هذا المآل تشكيل قوات الصحوة من عشائر الانبار تمردت على القاعدة وحملت السلاح ضدها، واغلقت بوجهها مسالك الحدود، ثم اجلتها عن محافظة الانبار، رئة القاعدة وظهيرها، وبدأت عمليات تفكيك الشبكة وقضم نفوذها من قبل القوات العراقية والامريكية والصحوات قدما، وقد نجحت في إنهاء حصار العاصمة وفتح الطرق الآمنة اليها من “ابو غريب غربا واللطيفية جنوبا والمدائن شرقا والعظيم شمالا” وتصفية “امارات” العاصمة في شارع حيفا والعامرية والاعظمية والدورة والجهاد
وابودشير، بل وتحولت هذه الاحياء الى مصائد لقادة القاعدة الميدانيين، وانتهى الامر بفلول التنظيم الى الانسحاب نحو جيوب حدودية على مشارف محافظتي الموصل وديالى، بالاضافة الى خط إنقاذ لوجستي (ليس من دون مغزى) من دول مجاورة يعنيها ادامة اجواء العنف في العراق لتصفية حساباتها مع الولايات المتحدة ، لولاها كانت القاعدة قد انتحرت في العراق.
وإذ قُتلت واعتُقلت غالبية القيادات الميدانية للقاعدة فقد جفّت الى حد بعيد مصادر تمويل المشروع الارهابي البشرية من المتطوعين العرب والاجانب واقتصر وجودهم على بضعة عشرات، من السعوديين والمصريين والسودانيين (بعد ان كانوا آلافا) وهم يديرون، الآن، اخطر هجمات الفلول الانتحارية في مناطق الموصل وديالى وبعض مزدحمات بغداد، في حين تراجعت الى حد كبير مناسيب الهجمات(او الاختراقات) ضد القوات العراقية او الامريكية وفي غضون ذلك كانت قيادة بن لادن في قاعدتها بافغانستان قد عبرت عن عدم رضاها لاداء قاعدة العراق وحيال كفاءة القيادات، وبخاصة
لجهة اندفاع مشروع القاعدة في النهج الطائفي المتطرف (المحرج لها) والتنكيل بالمدنيين العراقيين، في وقت كانت الساحة العربية تشهد توترات واسعة على خلفية الصراع العربي الاسرائيلي وصعود “نجم” حزب الله اللبناني في مقاتلة اسرائيل، من جهة، وتردد حركة حماس بين التشدد والمرونة، من جهة ثانية.
والآن، قبل الاجابة عن السؤال عما يعنيه ترحيل فلول القاعدة “العراقية” الى بلاد اليمن وما يعنيه ذلك بالنسبة لمستقبل المشروع الارهابي في المنطقة، علينا ان نتوقف قليلا عند دلالة تغيير اجرته “دولة العراق الاسلامية” في هياكلها واساليبها الوقائية داخل العراق من خلال اعتماد خطة اقامة “امارات تنظيمية” شبه مستقلة وإطلاق سلسلة من الاسماء الوهمية عن زعيم التنظيم خليفة ابو مصعب الزرقاوي الذي قتل على يد القوات الامريكية في حزيران العام 2006 فقد تم القبض على خليفته ابو ايوب المصري وهو نفسه صاحب اسم ابو حمزة المهاجر في مايو 2008، لكن اللافت
ان الامريكان والقاعدة معا نفيا نبأ اعتقال المصري فيما تؤكد المصادر “العراقية” النبأ، وتذهب بعض المعلومات الى ان المصري(المهاجر) تعاون ويتعاون مع سجانيه الى حد كبير.
ومنذ منتصف العام الفائت كان يجري تسريب منهجي للاسماء الوهمية لزعيم تنظيم القاعدة في العراق في محاولة لارباك المعلومات والتشويش على المطاردين واثارة الشكوك في وقائع انهيار قيادات القاعدة في العراق، فبالاضافة الى اسم ابو حمزة المهاجر، برز اسم ابو عمر البغدادي الذي لا احد يعرف جنسيته او هويته، وساهمت الاقنية الاعلامية القريبة من القاعدة في قطر ودبي وبيروت في تسويق تقارير تزيد في تضليل الجمهور حيال الخليفة الحقيقي للزرقاوي، كما تزايدت الكاسيتات الصوتية المصنعة لخطب منسوبه الى قياديين مزعومين.
وكل هذا كان معروفا وله ما يبرره في علم الدعاية والحملة النفسية، غير ان الامر غير المعروف هو انخراط الجهات الامريكية في هذه المحاولات ، فاعلن المتحدث العسكري الامريكي كيفين بيرغنر في 19/7/2007 بان خليفة الزرقاوي(الحقيقي) هو خالد عبدالفتاح داوود المشهداني وهو جنرال في الجيش العراقي السابق ومؤسس تنظيم انصار السنة المسلح، وزاد ان ابو عمر البغدادي “شخصية وهمية” ولا اساس لوجوده، ونقل عن المشهداني قوله “ان قيادتنا الحقيقية في خارج العراق”.
ومن زاوية يبدو ان تنظيم القاعدة في العراق كان منذ العام 2007 (اعلان خطة فرض القانون) بصدد تطبيق تكتيك تستخدمه، عادة، الجيوش المهزومة في الحروب التقليدية ويقوم على إشغال العدو في هجمات اقتحامية نوعية (النساء الانتحاريات) وجره الى معارك على ارض مواتية تساعد على المناورة والتخفي (الموصل- تلعفر/ ديالى- حمرين) وقد نجح في هذا التكتيك، الى حد ما لاسباب منها الانجرار الى النعرات الطائفية وعدم تنفيذ وعود توفير الخدمات للمواطنين في اطار خطة فرض القانون، فيما دحر الارهاب على اكثر من جبهة وبخاصة حين شُنت الحملة الحكومية في ابريل 2008 على
المليشيات والقوى الخارجة على القانون والجريمة المنظمة.
وبمعنى ما، فان جسد القاعدة المثخن الجراح في العراق وصل اليمن بلا رأس، لكن وسط عويل شاركت فيه اقنية وصحف يمنية اسلامية وقومية محليه متعاطفة مع “المقاومة العراقية” وهذا يفسر ما ذهب اليه الخبير الدولي في ملف القاعدة مايكل شوير من أن “عددا مهما من المجاهدين غير العراقيين الذين يقاتلون القوات الأمريكية في العراق كانوا من اليمنيين” ولم يقل الخبير بان بضاعتهم ردت اليهم.
بكلمة، فان اندحار المشروع الارهابي في العراق دفع قيادة بن لادن الى تفعيل “الجهاد” في المناطق الرخوة من الساحة العربية، إذ تتردد الحكومات في التصدي لفكر ونشاط القاعدة، على امل ان يبقى منصرفا الى العراق، ويستكفي شره الاخرون.. فعاد الامل بخفي حنين.
وإذ نقرر ان المشروع الارهابي دُحر في ارض الرافدين، لكن هذا لا يقلل من شأن حقيقة ان مشروع اقامة دولة طاليبانية في العراق لم يكن ليملك مقومات او فرص او شروط او ارضية نجاحه في العراق، وكان سيقبر منذ الشهورالاولى بعد سقوط نظام صدام حسين في ابريل 2003 لولا (اولا) انحراف العملية السياسية الى مستنقع الطائفية اذ تزودت ماكنته بالزيت الاضافي من هذا المستنقع، ولولا (ثانيا) تخبط السياسة الامريكية في العراق واساليب الردع العمياء التي استخدمت طوال اكثر من سنتين، ولولا (ثالثا) اندساس المشروع الظلامي المسلح في رداء المقاومة الزائف، ولولا (اخيرا)
إمعان الدول المجاورة في ابتزاز (ومقاتلة) الولايات المتحدة على ارض العراق.
كل هذه العوامل هيأت للعصابات الظلامية ظروفا مواتية لكي تجر العراق وشعبه الى بركة دم وخراب ومحن وصراعات لاسابق لوحشيتها، ولفترة زادت حتى عما توفر للقاعدة من سنوات وسطوة ونشاط في افغانستان نفسها، وربما لهذا السبب يمكن الاعتقاد بان خطر عودة الارهاب في العراق سيبقى ماثلا، اذا ما اخذنا بالاعتبار ان الكثير من الاسباب التي سهلت له ان يستدرج مئات المتطوعين من الخارج وان يجند الوف العراقيين ويجعل منهم انتحاريين ومن نسائهم انتحاريات، وان ينظم مذابح مروعة للمدنيين ويدك البنى التحتية للدولة الجديدة لاتزال قائمة، وبخاصة ما تعلق منها
باعتلال مسيرة المصالحة الوطنية، وضعف التوعية بخطايا التطرف الديني وذنوب ايديولوجية الكراهية.
على ان إجلاء القاعدة الى ما وراء الحدود لم يكن ليعني بان مقاتليها تحولوا الى سياح في الدول العربية المجاورة، فقد حملوا معهم، كذئاب مجروحة ومهزومة، العزم على نقل تجربتهم وتطبيقاتها الارهابية الى تلك الدول، وعلى معاقبة حكوماتها، لانها- حسبهم- تواطأت ضدها، ويبدو ان وجودهم في تلك الدول، وعلى مرمى من الحدود العراقية لم يكن مريحا للجانب الامريكي، وطبعا، للجانب العراقي، ايضا، ما فتح الباب الى تعاون امني بين دول الاقليم المتجاورة، ودفع القاعدة -في نهاية المطاف- الى الانتقال الى كل من السودان والصومال واليمن، وفي غضون ذلك ابلغ مسؤول
امني عراقي جريدة الخليج الاماراتية قبل شهرين قوله: “ان بعض شبكة المجموعات الارهابية لتنظيم القاعدة في العراق قد بدات مغادرة البلد متوجهة الي بعض المناطق المتوترة في افريقيا مثل السودان والصومال” لكن مسؤولا في اجهزة مكافحة الارهاب الامريكية قال لوكالة الصحافة الفرنسية (6/2/2009): “لدينا مخاوف جدية من تنامي أنشطة القاعدة في اليمن” الذي تنحدر منه أسرة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وكان الأميرال مايكل مولن رئيس أركان الجيوش الأميركية أعرب في ديسمبر الماضي عن “قلقه العميق” من ظهور محتمل لملاجئ للإرهابيين في كل من اليمن
والصومال.
وطبقا لمعلومات نشرتها الصحافة اليمنية فان معسكرات الارهاب التي انتشرت منذ حوالي عام في اليمن تضم مقاتلين شباب هربوا من العراق، وفي هذا حصرا تكمن الخطورة من اعادة تصدير الارهاب الى العراق، من اليمن هذه المرة بعد افغانستان.. الامر الذي يلزم بعض التأمل.
ـــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“لا احد اشجع من الحصان الاعمى”.
حكمة مترجمة