الرئيسية » مقالات » جريدة صوت الفرات …

جريدة صوت الفرات …

اهتم الحزب الشيوعي العرقي منذ تأسيسه بالأعلام، وأصدر الحزب عبر تاريخه المديد الكثير من الصحف السرية والعلنية ،منها ما كان يصدر عن اللجنة المركزية ومنها ما كانت تصدره المنظمات المختلفة أو المختصات الحزبية ،أو في السجون التي يتواجد فيها الشيوعيون،فكان للعمال صحيفتهم وللفلاحين جريدتهم وللعسكريين نشرتهم،لذلك تعددت الصحف الصادرة عن الحزب وقد أورد عنها الأستاذ فائق بطي كتابا تضمن جردا حوا في طياته الكثير لمن يرغب الاستزادة،ومن الصحف التي أصدرتها لجنة الفرات الأوسط (صوت الفرات) التي سنتناولها في هذا المقال لوجود اختلافات كثيرة في أسمها وتاريخ صدورها وإغلاقها،فقد ذكر باقر إبراهيم” في عام 1959 صدرت جريدة (صوت الفرات) فكان حسن عوينة رئيس تحريرها، ورغم قصر عمر الجريدة استطاع حسن أن يعكس في العديد من المقالات والتعليقات روحه الثورية وكفاءاته الأدبية.

وأغلقت الجريدة في نفس السنة وفصل حسن من نقابة الصحفيين ضمن أول قائمة في فترة انتعاش الرجعية باعتباره (صحفياً طارئاً). وقد جعل من سبب الفصل هذا موضوعاً للنكتة فقدم نفسه لمعارفه كـ(صحفي طارئ)! وكان بذلك يتوخى إدانة افتعال الأسباب التافهة التي تلجأ إليها الرجعية لخنق حرية الصحافة ومكافحة قوى التقدم.” وأراد بذلك صدورها العلني فقد صدرت بصورة سرية عام 1954 ،لأنه ذكر في مكان آخر من مذكراته أن الدار الحزبية الواقعة في المهدية قد دوهمت بسبب انهيار أحد أبناء الساكن معنا في الدار،ليلة 24/25/أيلول 1957،من قبل الأمن وبأشراف من مدير الأمن أنور ثامر”وقد أذهلتهم أساليبنا في التخفي والوضع الطبيعي تماما لدار مطبعة المنظمة،وبيت المطبعة هو بيت محمد الحياوي الذي يعمل حائكا،فقد كان جهاز المطبعة يشتغل لطبع جريدة (صوت الفرات) والبيانات في وقت تشتغل فيه جومة الحياكة،وتختلط على الجيران أصوات المطبعة والجومة دون أثارة أي انتباه،وبعد كبس المطبعة مباشرة تم تنظيم معرض في أحدى الغرف العلوية في سراي الحلة،ضم ماكينة الطبع والتسكاي والحروف والكتب الماركسية،ولم أكن من المترددين على المطبعة ،لكني زرت معرضها المذكور،وكانت الثغرة البسيطة في دار المطبعة أنها مرتبطة بخيط واضح بدارنا،فالحياوي هو الذي ساعد في استئجار دارنا،وطلب رجال الأمن أرشادهم إلى دار محمد الحياوي في سوق العبي،وتم ذلك بسهولة،لكن العائلة والأطفال ومعهم طباعنا الباسل محمد موسى أفلتوا فورا وسافروا إلى النجف حال استدعاء محمد للتحقيق ،ولم يدر بخلد رجال الأمن أن بيت هذا الكادح الذي قارب الستين من العمر هو مقر المطبعة السرية للحزب والتي أقلقتهم كثيرا.

وقد تناهى لعلمنا ونحن في الاعتقال أن جريدة الحزب قد صدرت مطبوعة بجهاز جديد،وقررت المحكمة مصادرة كل المبرزات الجرمية”.

فيما ذكر الأستاذ فائق بطي”صدرت أوائل تشرين الثاني عام 1954 نشرة صوت الفرات بأربع صفحات لسان حال منظمة الفرات الأوسط للحزب الشيوعي العراقي تحت شعار “من أجل السلم والتحرر الوطني والديمقراطية “داعية إلى النضال من أجل إحباط الانضمام إلى مشروع تركيا-باكستان العدواني وضد كافة المشاريع العدوانية الأخرى ومن أجل أطلاق الحريات الديمقراطية والحقوق الدستورية،ومطالب الجماهير الاقتصادية ومن أجل إسقاط طغمة نوري السعيد الخائنة،ومجيء حكومة ائتلافية وطنية”فائق بطي كتاب الصحافة اليسارية في العراق ص108.

وذكرت ثمينة ناجي يوسف في كتابها عن سيرة حياة الشهيد سلام عادل”وقد صدرت بأشراف سلام عادل أول جريدة لمنظمة الفرات الأوسط،وهي جريدة صوت الفرات التي واصلت الصدور لمدة عشر سنوات،ثم صارت علنية بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958،وكان رئيس تحريرها الشهيد حسن عوينة ،وكنت أتعاون معه في التحرير وكتابة الكثير من المقالات ومعالجتها.”،مما يعني أنها استمرت بالصدور حتى عام 1963 أو بعدها وهذا ما سنشير إليه في محله من المقال.

وقد أسماها الرفيق جاسم الحلوائي (الفرات الأوسط) عندما ذكر الشهيد حسن عوينة “بعد ثورة 14 تموز جمعتنا لجنة منطقة الفرات الأوسط، كنت أنا عضوا فيها وهو عضوا في مكتبها ويرأس تحرير جريدة “الفرات الأوسط” ومقرها في مدينة الحلة.. كان حسن متفتح الذهن لا يتضايق من الاختلاف في الرأي وعادة ما كان يصغي للآخرين أولا ومن ثم يبدي رأيه باختصار ووضوح وقد يملّح رأيه بنكتة تسر الجميع “.

لقد كانت جريدة صوت الفرات الصادرة عام 1954 تطبع بصورة سرية في البيت الحزبي في المهدية وكان القائم بأعمال المطبعة الشهيد محمد موسى التتنجي الذي كان حينها عضو محلية بابل،وأستطاع بفضل علاقاته بأبناء مدينته النجف توفير ما تحتاجه المطبعة من أحبار وحروف أو ما يحصل عليه بواسطة الحزب من بغداد،وبعد إلقاء القبض عليه تم جلب مطبعة جديدة ،أخفيت في قرية البو شناوة معقل الشهيد كاظم الجاسم التي كانت الملاذ الأمن للشيوعيين والمخبأ الدائم لهم حتى استشهاده ،وأن وضع المطبعة هناك لا يجلب الأنظار لوجود مخابئ عديدة في بساتين آلبو شناوة الذين أصبحوا شيوعيين أو أصدقاء للحزب بفضل وجود كاظم فيها وما يحضا به من احترام في أوساطها،وبعد أن صدرت علنية تم الاستعانة بها إضافة لما توفر من أجهزة جديدة للحزب بعد تحسن ظروفه وارتفاع إمكانياته،وقد استفادت المنطقة من هذه المطبعة في فترات الاختفاء ،وقام الشهيد كاظم الجاسم بإيصالها إلى بغداد بعد كبس الأوكار الحزبية والاستيلاء على مطابع الحزب بسبب خيانة هادي هاشم ألأعظمي،وقد حملها بنفسه إلى بغداد مستخدما الطرق الريفية في مسيرة على الأقدام،كان ينام خلالها في بيوت معارفه من سكان القرى الواقعة على طريق حله بغداد.

وعن صدورها بعد عام 1958 يحدثنا الرفيق فلاح الرهيمي الذي كان يعمل محاسبا للجريدة” أصدرت منطقة الفرات الأوسط للحزب الشيوعي العراقي جريدة تنطق باسم المنظمة للتوسع الكبير في أعضائها ولأنها تغطي مساحة كبيرة تلك الأيام تمتد تنظيما من المحمودية شمالا وكربلاء غربا والنعمانية شرقا والديوانية جنوبا بحدودها الإدارية التي تشمل محافظة المثني حاليا ومن ضمنها النجف التي كانت يومها من أقضية لواء كربلاء، وكان رئيس تحريرها المناضل الشيوعي وشهيد الحزب والحركة الوطنية حسن عوينة البطل الذي واجه طغيان البعث ببسالة منقطعة النظير وأعطى مثلا رائعا للشيوعي الحقيقي في مواجهة المحن والمصاعب، وقد كلفت بان أكون محاسبا للمجلة وكان مكتبها في الطابق الثاني لبناية مكونة من طابقين تقع في محلة المنتجب في الجامعين تحيط بها المقاهي والأسواق وأهالي الجامعين النجباء الذين رفدوا الحزب بكل ما يستطيعون من دعم مادي ومعنوي ومشاركة في بناء الحزب وديمومته، والآن أصبحت جزء من شارع الإمام علي وكنت اذهب إلى المكتب صباحا حتى الواحدة بعد الظهر لأعود إلى مكتب اتحاد الشعب القريب من مكتب الجريدة،وأقوم بما يتطلبه المقر من أعمال بما فيها خدمة الرفاق والزائرين باعتبار المقر بيت الحزب الذي على الجميع العناية به والاهتمام بإدارته وكان عملي في الجريدة يتركز في الأعمال التالية:

1- الذهاب إلى دوائر الدولة ومؤسساتها من اجل الإعلانات لنشرها في الجريدة لما فيها من إيراد مادي يساعد على بقاء الجريدة وإدامة صدورها.

2- جمع المقالات السياسية والأدبية والثقافية والذهاب بها إلى المطبعة في النجف.

3- الصور التي تنشر في الجريدة اذهب بها إلى مكتب اتحاد الشعب في بغداد لتطبع على الزونكغراف الذي بواسطته تطبع الصورة على صفحات الجريدة فأسلمهم الصور لأذهب بعد يومين لاستلام الزونكغراف ودفع أجور العمل!!

4- توزيع الصحيفة على المكتبات في الحلة ودوائر الدولة من اجل الاطلاع على إعلاناتهم المنشورة في الجريدة وتوطيد العلاقة بين الجريدة وتلك الدوائر وكنت أقوم بجمع مبالغ الاشتراكات والإعلانات.

كان الشهيد الراحل حسن عوينة يأتي بصورة متفاوتة إلى مكتب الجريدة ويجلس على مقعد وكأنه احد الزائرين،وحينما انهض ليجلس هو مكاني يرفض ذلك بشدة ويقول لي أنت مسئول الجريدة وأنت صاحبها وانأ أزورك مثل الضيف الذي يزور صديقه،وكان في منتهى التواضع والأدب الجم،فهو كما يعلم الجميع اللولب المحرك والداينمو التي لا تعرف الكلل أو الملل في العمل الحزبي والإشراف على الجريدة ولكنه لتواضعه يحاول التقليل من أهميته وإعطاء الآخرين حجما ليجعلهم أهلا للمسئولية ويدفعهم للعمل المتفاني من اجل ديمومة الجريدة وتقدمها،وكانت أخلاقه العالية مثال لأخلاق الشيوعي الأصيل المتسم بنكران الذات وكنت اسمع منه النصائح والكلمات التي لا زالت محفورة في ذاكرتي ونفعتني في مستقبل الأيام لما فيها من عبر وعضات تنفع في حياة الإنسان العملية ولا زلت أتذكر احد أقواله المأثورة المنطلقة عن عقل مدرك وإيمان مطلق بالعقيدة والمبادئ وإنماء العلاقة الحميمة قال:على الشيوعي حينما يضع رأسه على الوسادة وقبل أن يغمض عينيه لينام أن يستعرض ما قدم في يومه وما سيقدم في غده، إنني الآن استذكر أولئك الرجال العظام وأتخيلهم بإشكالهم ونبرات صوتهم أولئك الخالدين في ذاكرة الناس وبطون الكتب وإسفار التاريخ حينما تستعرض الأجيال القادمة هذا السفر النضالي القيم لرجال صدقوا على ما عاهدوا وقدموا أرواحهم قربانا للمبادئ والمثل العليا التي امنوا بها وأنجزوا مهمتهم ومسئوليتهم من خلال القرار والاختبار وإيمانهم الذي لا يتزعزع .

وكان لصدورها عن منطقة الفرات الأوسط أثره الكبير في تكوين كادر صحفي متمرس استفاد الحزب منه في القادم ن سنين النضال ،وكانت تصدر بلغة قريبة إلى مدارك ذوي الثقافة البسيطة لذلك كان لها تأثيرها الكبير في نشر الوعي وتعميم الثقافة لما حوت من مواضيع تلفت الانتباه وما عالجت من قضايا المنطقة واحتياجاتها فكانت لسان حال الجماهير الشعبية والمطالب بحقوقهم في الأعمار والبناء ورفع الظلم عنها،وكان للشهيد حسن عوينه دوره المؤثر في إصدار الصحيفة وتطورها لما يتحلى به من أدب جم وأخلاق شيوعية رصينة كان لها تأثيرها في بناء الكادر الحزبي المتمرس على العمل وسط الجماهير وكانت مدرسة لتخريج المناضلين المتسلحين بالروح الثورية الشجاعة ولها أهميتها القصوى في شحذ الهمم ورفع المعنويات،ورغم التوسع الكبير في إمكانات الحزب وجماهيريته بعد هذا التاريخ إلا أن المنطقة لم تتمكن من إصدار جريدة بهذا المستوى رغم التباين الكبير في ألإمكانيات للفترات اللاحقة مما يعني أن القيادة الثورية الأصيلة قادرة على عمل المعجزات.