الرئيسية » مقالات » العراقيون العرب – وجهة نظر في تعايشنا المشترك

العراقيون العرب – وجهة نظر في تعايشنا المشترك

مواقف البعض من الشخصيات العربية العراقية المعروفة والتي لها احترام خاص لدى الرأي العام الكوردستاني، هذا الاحترام مرده المواقف التي ابدتها على مر الايام حيال قضية شعبنا وحيال المشكلات الداخلية للعراق وارساء الديمقراطية فيه، باتت تثير الشكوك لدينا. ونذكر منهم السيد غسان عطية كصحفي عراقي معروف وكذلك السيد وفيق السامرائي، الذي ترك صفوف نظام البعث بعد عام 1991 وخطوته الاولى كانت قدومه الى كوردستان والذي ظل يعيش تحت ظل ورعاية حكومة الاقليم حتى عام 2003، وحتى الدور الذي اسند اليه في الحكومة العراقية بعد سقوط النظام الدكتاتوري لم يخل من دعم اقليم كوردستان ورئاسته.
لذا فان المواقف الاخيرة لهما وخصوصا مواقفهما السلبية حيال الاحداث الداخلية للعراق وبالذات الاحداث ذات العلاقة بأقليم كوردستان وقضية كركوك، كانت محل استغرابنا. ومن هذه الناحية اود ان أدخل معهما في حوار اخوي. فتراجع الارهاب والحرب الداخلية بين العراقيين العرب (سنة وشيعة) امر يبشر بالسعادة وكلنا بانتظار ان تجد مشكلات اخوتنا العرب طريقها الى الحلحلة والمعالجة، وكذلك ان يتم طرد المجاميع الارهابية القادمة من خارج الحدود لدعم مختلف الاطراف المتورطة في الصراع الى خارج الوطن. والسلام مشروع عراقي منوط بعهدة العراقيين انفسهم. والعراقيون يتكونون بشكل اساسي من العرب والكورد، ولا يمكن لاي سلام ان يستتب الا اذا لقي الدعم المشترك من العرب والكورد معا، واي مشروع لا يكتب له النجاح ما لم ينل رضى الطرفين.
ان تأريخ العراق يعد شاهدا مأساويا على كلامي هذا، جراء تجاهل النخب السياسية العربية لحقيقة كون الكورد والعرب هما شعبان مختلفان ولكل منهما وطنه الخاص، لكنهما يعيشان في اطار دولة واحدة تم الاتفاق عليها وتنظيمها وفق الدستور. اذن فالعراق بلد الشراكة بين شعبين. وعندما يقرر هذان الشعبان العيش معا فأن ذلك لا علاقة له بالحجم العددي الكبير لهذا او القلة العددية لذلك. لذا فان ما يقوله كل من وفيق السامرائي وغسان عطية بان كركوك كانت جزءا من كوردستان، لكن الان غالبية اطرافها قد تعربت وهناك عدد كبير من العرب يعيشون داخل المدينة، والاثنان يقولان بان التعريب امر كان من المفروض ان لا يقع، لكنه قد حصل وجرى ما جرى، وكأنهم يقولان لنا ايها الكورد دعوا كركوك واتركوها فهي الان مدينة عربية.
هذه النظرة تعد تصورا عنصريا لكن بصيغة جديدة، وهو امتداد للنهج الشوفيني الذي اتبع في العهدين الملكي والجمهوري وصولا الى عهد صدام حسين. اننا نقول لهما اذا كنتما تمتلكان شهامة الاعتراف بحقيقة تعريب كركوك واطرافها وبالذات كون حملات التعريب قد نفذت بصيغتها الرسمية منذ عام 1970 وبوتيرة متصاعدة، فان من الشهامة ايضا، وبالذات كونكما الجيل الذي عايش وعاصر التعريب، الاعتراف باحقية وعدالة اعادة الحق الى اصحابه، من دون الحاق الاذى بالعرب الوافدين او الانتقام منهم، بل يجب تقديم العون والمساعدة لهم. وبعد اتمام تصحيح الاخطاء والتجاوزات التي حصلت وبعد اعادة المياه الى مجاريها، عندها يمكن لاي واحد من هؤلاء الوافدين، ان رغبوا، الحق في العودة الى كركوك، وان يكون الدرب امامهم سالكا كمواطنين عراقيين يحق لهم العيش اينما ارادوا في بلدهم العراق الفدرالي.
وفي ذات الوقت فان اي مواطن عراقي ومن اي مكون كان تعرض في كركوك او اي منطقة اخرى من العراق لتبعات السياسات المجحفة والمخلة بحقوق المواطنة، الحق بان يلقى معاملة خاصة، تعوضه عما لحقت به من خسائر مادية ومعنوية.
ويجب ان يكون واضحا بان ايا من القادة العراقيين الحاليين حينما يحققون منجزا معينا وللاسف فان غالبية هذه المنجزات هي حزبية، يود ان يلقى التصفيق مما حوله ويؤدي الامر بنا في النهاية الى ظهور صدام حسين جديد. فالقومية العربية بجميع مكوناتها قد نالت القسط الاعظم من الاضرار جراء الايديولوجيا الشوفينية وتياراتها السياسية المتخندقة في هذا النهج. صحيح ان هذه الشوفينية قد صبت جام غضبها الاول على كوردستان حتى اوصلت الامور الى الابادة الجماعية واتباع سياسة الارض المحروقة واستخدام الاسلحة الكيمياوية في حلبجة واماكن اخرى. لكننا جميعا نتلمس الاثار المدمرة وانعكاساتها الثقيلة على المواطنين من العراقيين العرب ايضا سواء بسبب الحروب التي اندلعت ضد الجوار العراقي او ضد كوردستان والداخل العراقي عموما، حيث تحول فيها الداعمون للدكتاتورية تاليا الى ضحايا ذات النظام الفاشي وبطشه.
اذن حري بنا ان نأخذ الدرس والعبرة من عقود مليئة بالمرارة في تأريخ العرب العراقيين، وان يتم الكف عن حث ومساندة السلطات على نهجها الشوفيني ومساعيها لفرض الهيمنة على الداخل والخارج. فالمآسي التي يعيش العراقيون الان فصولها هي نتيجة لهذه السياسات الخاطئة والنهج العنصري الضيق الافق والرؤية. وبكل اسف فان باحثا مثل غسان عطية وسياسيا مثل وفيق السامرائي مازالا يساندان هذا النهج العدواني.
ان اي مرحلة جديدة من الماسي حين تبدأ في حياة العراقيين، فان اول اطلالة لها تبدأ من كوردستان وتهطل باسقاطاتها على كوردستان قبل غيرها. وكل حاكم مستبد حين كان يباشر السلطة فانه في البدء كان يجرب سيفه برقاب سكان كوردستان، وحيث ما اراد شوفيني متسلط ان يحيد العراقيين العرب عن جادة الصواب وينفخ فيهم سموم ايديولوجيته، كان يحاول ان يجرب حظه في كوردستان. لذا فان الكورد والعرب وكذلك القاصي والداني يعلمون وكذلك باحث مثل غسان عطية ايضا يعلم، انه لولا الحروب التي اشعلتها الشوفينية العربية في البلد لربما تحول العراق الان الى بلد ينعم بالامن والاستقرار والازدهار والديمقراطية. ولابتعدت الحروب والشرور عنه. فلو ان الشوفينية لم ترتكب المظالم بحق شعب كوردستان في كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها، وكذلك لو لم تستعن بالقوى الخارجية وتقديمها التنازل الى ايران، ربما لما حدثت سلسلة حروب الخليج ولم تحتل الكويت.
كل هذه الاحداث نعرفها جميعا وبالنتيجة لولا ما مر ذكره، لما كان امام الاميركان فرصة للقدوم الى العراق. لكن بعد كل هذه الماسي والاحداث التراجيدية، فان احدى المعضلات التي تجابه البلد هي الاختلاف حول تحديد هوية كركوك، ويرى العطية والسامرائي انه من الضروري ان تديم الحكومة العراقية تعريبها لكركوك وان تكرس عزلها عن كوردستان.
للحقيقة نقول ان هذا الامر يعد بداية لمتاعب ومشكلات عصية نحن جميعا في غنى عنها، ونهايتها لن تكون سوى الحاق المزيد من الاذى بالعراقيين العرب وكذلك باقي العراقيين. وليس بخاف على احد بان اقليم كوردستان الان اكثر وضوحا في المشهد السياسي واكثر قوة ومنعة من السابق، وقضيته اكثر جلاء امام انظار الرأي العام العالمي والداخلي. وليس من اجندة الاقليم التعامل بالسلاح ولا يتمنى الانتهاء الى ذلك.
وجدير بالتذكير بان كوردستان التي لم تكن تمتلك غير الجبل والبندقية لم تتنازل عن حقها، فكيف بها السبيل الى ذلك في وقت هي الان جزء من السلطات العراقية وتنعم بالرخاء الاقتصادي وقدمت انموذجا جميلا للديمقراطية، واصبحت معروفة على المستوى الدولي اكثر من السابق، بالتاكيد فانها ستستخدم كل مقومات القوة لديها من اجل عدم التنازل عن شبر من اراضي الاقليم.
والكورد معروفون بانهم لن يرضخوا لوعيد اي كان، لذلك فالنصيحة التي يقدمها كل من وفيق السامرائي وغسان عطية منوهين بان يكون الكورد عقلاء ويتنازلوا عن كركوك ويحثون العرب على ادامة التعريب، لا تجلب سوى الكوارث الى العراقيين العرب وتجعل الكورد اكثر اصرارا على كوردستانية كركوك. فالكورد الان اكثر تمسكا باعادة كركوك الى احضان كوردستان. ومن ناحية اخرى فان العراق دولة قد تم انشاؤها مرة اخرى وفق الدستور حيث اعاد العرب والكورد عام 2003 بناءه بارادة اختيارية حرة. عليه فالكورد اليوم عراقيون وفقا للدستور، وهم عراقيون ليس من دون شروط، لذا ليس بمقدور اي حكومة مركزية ان تعيد العجلة الى الوراء وان تقوم بتغيير اسس وركائز عراق اليوم كيف ما شاءت.
فاذا ما طبق الدستور فان الدرب يكون سالكا بان يتمتع الكورد والعرب وايضا العراقيون بكل اطيافهم بكامل حقوقهم وتتهيأ افضل ارضية للتعايش السلمي البناء. والذي يثير لدينا الاستغراب هو ان البعض من المثقفين السياسيين العرب يحاولون تعبئة الشارع الذي لم يتنفس الصعداء حتى اللحظة من اثار الحرب الداخلية، ساعين لتوريطه بصيغة اخرى وان يسوقوه الى اتون ذات المواقف الشوفينية السابقة.
قساوة القلب وانعدام الضمير فقط تتيحان للمرء التمويه على شعبه. ورغم كل ذلك فان جميع شوارع وازقة كوردستان وكل الاطراف والاجنحة الوطنية الكوردستانية وكذلك الحكومة وما ورد في مسودة دستور الاقليم، يعتبرون الكورد اخوة للعراقيين العرب ويكنون كل الحب والتقدير للعراقيين العرب وكذلك الاحترام الخاص للعرب جميعا، ويعتبرونهم ارثا ومصدرا كبيرا للحضارة. وهذا هو السند لمصيرنا المشترك ولا نود ان نفرط بهذا المشترك الجامع بيننا. لذا اليس حري بنا جميعا التفكير بروية وتعقل والابتعاد عن الابتزاز والمزايدات واثارة النعرات؟
taakhi