الرئيسية » التاريخ » امارة الصوران نشأتها وسقوطها الحلقة الثالثة

امارة الصوران نشأتها وسقوطها الحلقة الثالثة

لقد ارادت العشائر الكوردية ان تنتهز فرصة للانتقام منه وعندما نشبت الحرب بين امارة سوران والدولة العثمانية امتنع كثيرمن رؤساء العشائر الكوردية من الاشتراك في هذه الحرب وامتنعت كذلك بان تقدم يد المساعدة لامير سوران.
وان قيام امير سوران ببناء القلاع لأغراض عسكرية وانشاء الجسور على الجداول والانهر لعبور القوات العسكرية كلفته مبالغ طائلة اضافة الى نفقاته الكثيرة التي كان يصرفها في مضيفه ان اغلب هذه الاموال والمبالغ كان يحصل عليها من فرض الضرائب التي تفرض على الفلاحين الذين اثقلت كواهلهم مما زادت المأساة لاهالي المنطقة. 6ـ وان الباحث دكتور كاوس قفطان يضيف سبباَ اخر وهو قلة خبرة امير سوران في السياسة واعتماده على بعض رجال الدين منهم ملا محمد خطي وملا يحيى المزوري، والاستماع الى ارائهم حتى ان الفتوى التي اصدرها ملا محمد خطي كانت احد الاسباب المهمة التي ادت الى استسلام محمد باشا راوندوزي . ويقول الباحث زبير بلال اسماعيل نقلاَ عن حسين حزني المكرياني ان الملا محمد الخطي الشيخ سليماني والذي ارتبط اسمه بالامارة السورانية ونهايتها المأساوية المعروفة اذ حمله بعض المؤرخين سقوط تلك الامارة. ويقول حسين حزني المكرياني ارسل مصطفى رشيد باشا فرمانا(همايونيا) زائفاَ مكتوباَ باللغة العربية الى الامير وطلب فيها ان يسلم نفسه وسوف يتم تنصيبه امير امراء سوران وسيفي بهذه وعوده كلها بعد ذهابه الى الباب العالي عندما وصل هذا الفرمان الى راوندوز ووصل الى يد الامير محمد باشا القى الملا محمد الخطي خطبة مطولة قال فيها ان الذي يحارب الجيش العثماني يموت محروماَ من الايمان واضطر الامير الى ان يسلم نفسه الى الاتراك. وارسل داود باشا العالم الكردي المعروف الملا محمد الخطي الى الامير محمد باشا بالهدايا ليعقد معه اتفاقا يستفيد منه في ايام الشدة. 7ـ وعندما قتل الامير(علي بك الداسني) التجأ العالم الكردي الملا يحيى المزوري ابن اخ علي اغا القتيل الى الامير محمد ملتمسا منه الثأر والانتقام. وبتدبير من الامير الباديناني سعيد اغا العمادي والملا يحيى المزوري تحول اهالي بادينان صغاراَ وكباراَ الى موالين وانصار للامير فكانوا ينتظرون مقدمة.
نشاط ثقافي
كانت راوندوز في عهد امرائها السورانيين ذو نشاط ثقافي متميز، فقصدها الطلبة من اماكن مختلفة للاخذ عن علمائها،والعلماء الذين كانوا يقصدونها هم ايضا لغرض التدريس في مدارسها. وكان للأمير محمد باشا(1239 -1254 هـ) (1823م- 1838م). دور واضح في تشجيع الحركة الثقافية ففي عهده تول التدريس في البلدة العلامة محمد بن ادم البالكي(1747م – 1844م) الذي كان قد قدم اليها بأمر من امير سوران محمد باشا(1813-1838م) فشهدت له مؤلفات عديدة وقد وصفه ابراهيم فصيح الحيدري في كتابه الموسوم بـ(عنوان المجد) انه((علامة على الاطلاق، الفائق على جميع مشايخ العراق صاحب التأليف العديد والتقريرات المفيدة، شيخ الكل في الكل)) فاصبحت راوندوز بسبب علمه محط رجال كبار العلماء والطلبة يستفيد منه. ومنهم الشيخ خالد النقشبندي، والشيخ ملا يحيى المزوري، والشيخ عبد الرحمن الروزبياني والملا احمد النودشي وغيرهم وقد استمرت راوندوز مركزاَ ثقافياَ حتى عهد متاخر… ومن ابرز من تولى التدريس فيها انذاك العلامة الملا عمر الخيلاني،وكان يدرس فيها علوم الفلك، فضلاَ عن العلوم الشرعية الاخرى.وان رعاية ميرمحمد باشا للعلماء مشهود له حيث يقول المؤرخ العراقي سعيد الديوجي واستقدم والي الموصل خبراء من راوندوز في عمل المدافع فصنعوا له ما يقرب من ثمانين مدفعاَ وكان يرأسهم(اسطه رجب) وان بعض هذه المدافع نقلت الى(متحف الاسلحة) الباب الوسطاني في بغداد وتجد وصفها(المدافع) بتفاصيل في مجلة سومر السنة الرابعة ص264. الامارة السورانية اسسها رجل يدعى كلوس في القرن الثاني عشر الميلادي وتمكن ابنه عيسى الذي تولى السلطة بعد والده من توسيع رقعة الامارة من حرير واتخذه مركزاَ للامارة وفي العهود اللاحقة اصبحت شقلاوة مركزاَ للامارة واخيرا اتخذت راوندوز مركزاَ بعد ان سيطر البابانيون على حرير. ان هذه الامارة كغيرها من الامارات الكردية نكبت بالصراعات الاسرية بين امرائها من اجل تولي منصب الامارة ولم تستطع ان تتخلص من ذلك الصراع الا على يد اميرها محمد باشا رواندوزي الذي تولى السلطة بعد وفاة والده مصطفى بك عام 1826م فقد تمكن هذا الامير من القضاء على معارضيه في داخل الامارة ثم باشر بالفتوحات الخارجية فطرد حكام البابان من مقاطعتي كويسنجق وحرير كما استولى على رانية والتون كوبري وقام بمحاصرة عقرة وطرد حاكمها البهديناني كما اخضع دهوك وزخوا لسلطته ثم غزا منطقة سنجار واحتل جزيرة ابن عمر وهدد مقاطعتي نصيبين وماردين فاصبحت بعد هذه الفتوحات اقوى امارة في كوردستان. باشر داود باشا والي بغداد وبتحريض من محمد باشا الراودوزي ايضا بمقاتلة محمود في قمجوغة(قرية في ناحية سوراداش،غرب السليمانية في سفح جبل بيره مكرون) سنة 1824 بيد ان محمود استطاع بمساعدة الجيش الايراني ارجاع جيش راوندوز القهقري الا ان الوالي استعد لقتال محمود فوجه اليه جيشا بقيادة محمد باشا بن خالد باشا، فلم يتمكن محمود من المقاومة لأبتلاء بلاده بالدمار والبوار، فتوجه الى قزلجة واستنجد بايران وعلى اثره غادر محمد باشا السليمانية سنة 1825 الى كركوك. وفي سنة 1827 اغار محمود باشا على حرير ونشبت حرب عنيفه بينه وبين محمد باشا الراوندوزي اسفرت عن اندحار محمود. في السنة التالية 1828م اتسعت منطقة نفوذ مير محمد باشا حتى بلغت سورداش فاضطر محمود باشا الى استئناف مقاتلته وتمكن من دحر جيشه الا ان اخاه الاصغر سليمان بك اغتنم الفرصة في هذه الفترة الحرجة واغفل قسما من جيشه فرجع وباغت به السليمانية فاغتصب حاكميتها لذا غادر محمود الى قزلجة(قرية في قضاء بنجوين شمال غربي السليمانية) واستنجد بالحكومة الايرانية فانسحب سليمان بك الى(كله ز ه رده ) ومن هناك تمكن من اثارة جيش اخيه عليه، فتخلى محمود عن السليمانية فتوجه الى ايران، ثم رجع على رأس جيش الى السليمانية فاجلى عنها سليمان بك الى زهاو واخذ يطلب المعونة من داود باشا. فلباه وامده بجيش ومنحه رتبة امير الامراء. وهكذا تلاقى الاخوان في (قره كول)، فتطاحنا واسفرت المعركة عن اندحار محمود وهروبه الى ايران فجمع جيشا من العشائر لغزو السليمانية ونشب القتال في موقع (كرده كروى)(تل في سفح جبل كويزه شمال السليمانية) لكنه حفر الاحجار فيه منذ القديم اصبح فيه عدد من الاخاديد والحفر الكثيرة) اسفر عن اندحار محمود ايضا، الذي توجه مرة اخرى الى ايران واستمد المعونة من ولي العهد(عباس مرزا) الذي امده بجيش اتجه به الى السليمانية سنة 1830فانسحب سليمان باشا الى زنكاباد فتوغل محمود في مركز الامارة دون عائق. تشبث سليمان باشا بوالي بغداد داود باشا وجلب جيشا اغار به على السليمانية وقد تخلى محمود عنها فذهب الى ايران وعاد ومعه جيش عباس مرزا فالتقى بسليمان باشا في(نالياريز) واندحر جيش سليمان وعاد محمود الى السليمانية عام 1831م اما سليمان فتوجه الى كفري وجاءه المدد من داود والي بغداد فأغار على السليمانية فولى محمود هاربا الى تبريز فطهران ، بيد انه لم يستطع ان ياتي بعمل ما فتوجه الى الاستانة سنة 1834)).((كما كان الامير محمد باشا الراوندوزي الذي لم يكن يعطي أي مجال لأقربائه بالحركة فكانت مشاكله العائلية تقل ولما كان احد يتدخل في اموره انه في تلك الايام كانت الامور تتطلب الحزم والقوة لا اللين والضعف. وفي الوقت نفسه توطدت علاقاته بوالي بغداد لطالما كانت امارته تابعة له وبالتالي تابعة الى الدولة العثمانية لكان قد وضع حداَ لهذه الحروب الطاحنة). وفي هامش رقم(4) ص122ويضيف الاستاذ جمال بابان بان((القوة العسكرية لاميرمحمد راوندوزي وصلت الى مستوى صنع المدافع المحلية حيث ارسل وفدا برئاسة (الاسطة رجب) الى روسيا للتدريب وبعد عودة الوفد، صنع (الاسطة رجب) عدداَ من المدافع توجد بعضاَ منها محفوظة في المتحف العسكري ببغداد ومحفور عليها اسم(رجب) مع الاشارة الى عهد محمد باشا الزاهر))
مير محمد باشا وامارة راوندوز في زمنه
في زمن مير محمد باشا كما يصفه الرحالة جوستن بيركنس هو(محمد باشا) الملقب بـ(ميركوره ـ لفقده احدى عينيه) الرئيس الأعلى لراوندوز والذي تمرد على حكومة السلطان العثماني ونشر الخراب في كل مكان من مقاطعته كما نشر الرعب في جميع الأقسام المتاخمة لها. ثم يورد أخبارا عن مير محمد باشا وحركاته الدموية للقرى المنتشرة حول راوندوز وإخضاعه للتيارية. كما بدد القرى النصرانية وبدون رحمه و تحيز لذرائعه وحطم القرية البابوية الكبيرة القوش. وكان لمحمد باشا كما يدعي عشائريا والذي كان لديه(20 ألف) من الإتباع البدائيين على حد قول الرحالة(جوستن بيركنس) وفي نهاية الأمر قهر مير(محمد باشا) سنة (1836م ) من خلال الجهود المكثفة لكل من الجيشين التركي والإيراني، ويتابع قوله فيصف مير محمد باشا انه في الحقيقة رجل دم، ويروى عنه مثلا انه في إحدى المناسبات عندما كان هاجعا يغط في نومه على سطح قلعته المتغطرسة العالية في ساعات الليل الحالك أزعجه بكاء طفلته اليافعة التي كانت مخرومة في المهد بجانبه فأستيقظ ونهض حانقا واخذ الطفلة بيده وقذفها إلى النهر الهادر في أعماق القاع السحيق وذاع توحشه بين بني قومه الذين ظلوا يذكرون هذه العملية الوحشية المريرة. وعندما قتل مير محمد باشا، خلفه أخوه رسول باشا إلا إن الترك وجدوا إن ثقتهم به في غير موضعها في حين انه على مدى ثلاث سنوات مضت كان مجبرا لأن يتفادى العصيان وذلك قبل زحف الجيش التركي إلى إيران كشخص اعتيادي ليسكن في بغداد.
وعن إمارة بابان كتب عدد من الرحالة عنها منهم(ريج) الذي بقي أربعة أشهر في السليمانية بدعوة من محمود باشا ابن عبدالرحمن(1813ـ1834م) قام بوصف دقيق رائع للبلاط الباباني في ذلك الحين وعن دسائس باشا بغداد العثماني ومكائد الأمير الفارسي حاكم كرمنشاه. وما نجم عن ذلك من ظهور والتباغض بين أفراد الأسرة المالكة. أما السائح(مينيان)الذي زار بلاط الباباني في ربيع عام1830م يذكر في معرض حديثه المقتضب إلى درجة مؤسفة إن الحكومة كانت تدار بيد باشا كوردي الولادة غير خاضع للأتراك أو الإيرانيين. أما الرحالة فريزر الذي زار المنطقة في ربيع عام 1834م يصف إمارة بابان مقرها السليمانية((دولة السليمانية الصغيرة، بأنها كانت فريسة لشتى المحن والأزدراء وصلت بها إلى آخر درك من البؤس والشقاء)). أما الرحالة اينزورت(1837م) يقول:((إن الباشا استقبله خير استقبال وأكرم وفادته غاية الإكرام لم يسمه لكنه كان سليمان باشا بلا جدال)) وأضاف قائلا: إن لديه لواء من جيش نظامي هو بمثابة حرس خاص له…مع فرسان كورد غير نظاميين وقواسين والظاهر إن النفوذ الإيراني كان له اليد الطولى، فقد شاهد في أول لقاء له مبعوثا إيرانيا جعل مجلسه إلى يمين الباشا)).أما فيلكس جونز فانه سجل ملاحظات قيمة عن إمارة بابان في سنة 1844م واصفاَ الأميراحمد باشا(1838م ـ1847م) انه بعد عام واحد من توليه الحكم استطاع إن يقوم ((بتنظيم وتدريب قوة عسكرية كبيرة على النظم الحربية الأوربية الفنية ، يبلغ عددها في الوقت الحاضر(800) مقاتل تقريبا)).
كانت ادارة الدولة أيام اليابانيين وراثيا، وفي عام(1847م) استطاعت قوات نجيب باشا والي بغداد إن يلحق هزيمة بقوات احمد باشا الباباني في منطقة بالقرب من(كويه)وقضى على استقلال آل بابان الذاتي وعين(عبد الله باشا) أخ احمد باشا لإدارة شؤون السليمانية لا كحاكم مستقل دائما وإنما كموظف عثماني برتبة قائمقام ثم عزله سنة(1851م) وعين محله موظفاَ تركيا.

Taakhi