الرئيسية » مقالات » هيا بنا نسرق

هيا بنا نسرق

ارجو ان لا تستهين بالسرقة، فبدونها لا يمكن بناء ديمقراطية دائمة في العراق، وهذا ليس تهكما ولا غمزا، فلا يمكن بناء النظام الديمقراطي ما لم تتوفر القواعد الاساسية واولها وجود طبقة البرجوازية القادرة على حمايته.

وفي بلدنا الذي يفتقر الى برجوازية عريقة ومتنفذة، اعتمد المشروع الامريكي لبناء العراق الديمقراطي الجديد على السياسيين من ابناء بعض العوائل التي عرفت بثرائها النسبي ابان العهد الملكي، منها عوائل دينية معروفة، او اقطاعية، او من تنتمى الى المدينة.

الا ان الكثير من تلك الشخصيات فشلت في البقاء على حلبة السياسة بسبب عدم قدرتها على مواكبة متطلبات الاثراء السريع التي كان من المفترض ان يتسلقوها، علما ان من بين تلك الشخصيات من كان لها دورا بارزا في الاطاحة بالنظام السابق، مثل المرشح الاول لرئاسة الوزراء، رئيس جمهورية، رئيس اكبر حزب سني… الخ

ولو تذكرنا اننا بعد ايام سنحتفل بالذكرى السادسة “لانطلاقة العراق الجديد” لعرفنا كيف ان الزمن يداهمنا، وكيف يجري الوقت بهذه السرعة.

ما العمل، العراق يراد له ان يكون ديمقراطيا، ويجب طبخ طبقة برجوازية عراقية على عجالة.

ولو كانت عملية بناء البرجوازية العراقية قد اعتمدت المسلك الطبيعي بمساره التاريخي، على فتح الاسواق، وتوفير حماية خارجية لميدان الاستثمار الداخلي فان الامر يتطلب قرونا لكي تتبلور هذه الطبقة للحد الذي تبلغ فيه درجة النضج المطلوب كي تقوم باداء مهامها.

ما الحل اذا، وكيف يتم سلق هذه الطبقة الوطنية القادرة على النهوض باعباء اكبر مشروع شرق اوسطي في التاريخ الحديث، وهو بناء نظام ديمقراطي تعددي دائم في العراق كلف لحد الان الترليونات من الدولارات.. “مالا يحصى!!”.

لم يكن امام الامريكان، ويجب ان نعذرهم على ذلك، سوى فتح باب السرقات، لمن يجد في نفسه الكفاءة على مواصلة المشوار، والسرقات كلها شرعية، فقد تستند على صفقات تجارية نارية مثل شراء اسلحة مستخدمة وقديمة باسعار الاسلحة المتطورة الحديثة، او بناء المشاريع العملاقة على الورق، وتشكيل قطعات جيوش لا وجود لها.. الخ

وطالما كان للسرقة هذا الهدف السامي، فانها لم تتوقف عند رؤساء العوائل الدينية والثورية، ورؤساء الاحزاب، او مجالس “الاسناد، الصحوات…الخ”، بل بوشر باكبر عملية سرقات بيروقراطية منظمة وهي مجالس المحافظات.

ومجالس المحافظات التي صرفت على دعاياتها الانتخابية اكثر مما انفق على الانتخابات البرلمانية، لا صلاحيات لها في مجال الدفاع والامن القومي لان ذلك من اختصاصات الحكومة المركزية، ولا صلاحيات في مجال الثروات الطبيعية، لانها قضايا سيادية، ولا في مجال السياسة النقدية، ولا في القضايا العسكرية، وليس لها حق تقرير السياسة الخارجية، او الداخلية.

ليس لمجالس المحافظات سوى مجال الخدمات العامة، كانشاء المشاريع، ومقاولات البناء الحكومي، وتبليط الطرق، وهنا حيث تقول الاموال العامة “السائبة” ياموظفين خذوني…

ومن اجل ان ننصف المشروع الامريكي، والحق يجب ان يقال، فان من سرق وهرب قد تمت ملاحقته، مثل احد الوزراء الذي انسحب بـ 1.3 مليار دولار، وغيره.

هنا اوجه دعوة خالصة، وطنية عراقية، الى السادة الفائزين في انتخابات مجالس المحافظات، ومن اجل عراق ديمقراطي، اقول تفانوا في السرقة، ولاتتركوا قرشا واحدا خارج جيوبكم، فهذا هو شكل النضال من اجل بناء العراق الجديد.

وادعو كذلك الى مراجعة تجارب الشعوب الاخرى في هذا المضمار مثل تجربة بناء البرجوازية المصرية ابان عهد الانفتاح في سبعينيات القرن الماضي، والتجربة الروسية في بناء “البرجوازية الجاهزة” في عقد التسعينات. والمطالبة بخصخصة المشاريع القومية الكبرى كما في تركيا، والى حصر الاستثمار في التجارة دون المشاريع الانتاجية فهي الطرق الاسرع للاثراء والاخصب للسرقات كما يجري في ايران وباكستان.

بوركت السرقة، اذا كانت لخدمة العراق الديمقراطي، وطوبى لمن يسرق.