الرئيسية » مقالات » من “سويله ميش” الصوت هز السماوة! *

من “سويله ميش” الصوت هز السماوة! *

حبيب الأماني والأغاني . حبيب لي . لرفاقه جميعا ، لنخيل السماوة . لجبال الوطن المعشوقة حد الموت .
اذكره … ، يجئ لمقهى ” علي زغير ” مرحا ، يتأبط ” طريق الشعب ” وذراع صديق جديد ، يغرقنا في ذاكرة مؤرقة بالقصائد ، يهمس لي عن عيون ” سهيلة ” ، يعترض على مسرح اللامعقول ، ينبه إلى صدور كتاب جديد ، وينسل إلى موعد حزبي دون استئذان .
اذكره … ، يقطع ” أبو الستين” (1) برشاقة ، بهيا بين أقرانه ، يناقش أزمة السكن وفن الشطرنج ، يلثغ بالراء وفي عينيه شئ من مكر وعناد .
اذكره … ، في الأيام الأولى للمحنة ، يملك كل العالم بأمانيه ، ولا يملك مكانا يأويه !
اذكره … ، حين التقينا في الجبل ، كان الثلج في بحر عينيه يزهر لوزا والحزب بين كفيه بندقية .
اذكره … ، حين تلتف أغاني الأنصار على ليل الشتاء ، : ” شباب أنصار يا هلنه وضوه العين ” (2)
ننهل صوته ندى وتجلي ، وعلى قلبي أجد وشما لنار العراق .
اذكره … ، و ” سويله ميش ” ندية بدم ” ياسين ” و ” جلال ” والحرائق والهتاف الشيوعي والرصاص .
نذكره … ، في 27 / 9 متدفق الدم ، على ثغره ارتجاف الهتاف وفي عينيه صحب العناد !
نذكره …
من “سويله ميش” الصوت هز السماوة
ما مات ” ابن وروار” بدمه نتغاوه

هو النصير الشيوعي ( كاظم عبد الحسن وروار حاشوش ) . مواليد 1956 مدينة السماوة .
نحن ابناء مدينة واحدة ، عشنا معا صخب مراهقتنا التي امتلات بالسياسة مبكرا ، فكنا جنبا الى جنب في التظاهرات الاحتجاجية والسياسية ، وفي اجتماعات و نشاطات اتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة الديمقراطي . بل وانتُدبنا مرة معا وساهمنا في نشاط فني لرابطة المرأة فكان ” كاظم ” يعتبر ذلك ” تنسيب ” !! . فيما بعد حين روى ذلك قال : ان مسؤوله الحزبي في حينها وللضرورة ، نصحه بأن يذهب الى الاجتماعات لابسا العباءة !! . وجدنا انفسنا معا اعضاء في اول خلية حزبية بعد ترشيحنا للحزب ، ومن مصادفات الحظ ان استاذنا نفسه الذي رشحنا للحزب في الفترة نفسها . ساهمنا معا في نشاطات مسرحية مدرسية ، ثم بعد الدراسة الاعدادية ، اخذتني معدلاتي الدراسية الى البصرة للدارسة الجامعية ، وذهب هو للدراسة الجامعية في بغداد ، لكننا بقينا على تواصل مستمر، وكنا نقضي اياما جميلة وحافلة في عطلات الصيف ، خاصة أوقات تسكعنا في شوارع المدينة ليلا حتى ساعات متأخرة ، وبمعية مجموعة طيبة من الاصدقاء ، في مقدمتهم الشهداء ” جمال وناس ” (3) ، “زهير عمران موسى ” (4) ، حديث كانت هذه الجولات عبارة عن ” ندوات متحركة ” حيث تثار النقاشات حول مختلف المواضيع الثقافية والسياسية . رصد رجال الامن ، من جلاوزة العفلقيين ، جولاتنا هذه وحاولوا التحرش بنا أكثر من مرة ، بل وانتقدنا بعض الرفاق ” الجبهويين ” واعتبروا جولاتنا هذه مضرة بمسيرة عملية التحالف القائم مع حزب البعث يومها . مع تصاعد الهجمة البوليسية من قبل اجهزة النظام القمعية في عام 1978 انقطعت اخبار كاظم وروار عني ، وخاصة بعد مغادرتي الوطن في صيف 1979 .
و … في يوم من شهر تشرين الثاني عام 1982، في كردستان والى مقر بيتوش ، مقر الفوج التاسع ، تصل مفرزة ومعها مجموعة انصار جدد ، قادمين من عمق الوطن التحقوا عبر تنظيم الداخل !
معهم كان رفيقي وصديقي كاظم وروار .
مع بدأ هجمات أجهزة الأمن في عام 1978 اختفى كاظم عن الأنظار طويلا . كان جريئا فأختار مدينة تكريت مكانا للتخفي منتحلا أوراقا ” تكريتية ” . حين التقينا كان قد اختار لنفسه اسم (ابو مهدي) ، و اذ كنت حينها معنيا بشؤون الملتحقين الجدد ، كان عليّ أن انظم له استمارة الالتحاق بقوات الانصار، التي كانت تعتمد لتكون مصدرا للمعلومات عن النصير، وحين اردنا تثبيت الاسم الحركي له ، أقترحت عليه تغيير اسمه لعدة أسباب :
اولا : لان هناك نصير يحمل اسم “ابو مهدي” وهو بالمصادفة من مدينة السماوة ايضا .
ثانيا : ان اسم ” ابو …” يجعله يبدو عجوزا وهو شاب متدفق الحيوية .
وثالثا : ان سكان القرى الكردية تعبوا من قصة الـ ( أبو … ) التي تحملها اسماء انصارنا .
وافق كاظم على مقترحي فورا ، لكنه قال :
ـــ بما ان لي حرية اختيار الاسم ، فسوف اختار اسما يجعلك تدور باذانك كلما نادوني به !
واختار اسم ( يوسف ) ! الذي هو اسمي الصريح والمجهول بالطبع للغالبية من الانصار !
واذ ساعدته قدراته الجسدية ، وراح يحمل سلاح R B G 7 باستمرار ، حاول الانصار منحه لقب ( يوسف أر بي جي ) لكنه كان يرفضه ، فكانوا ينادونه احيانا ( يوسف عرب) وكان يرفض ذلك دائما ، كان يقول بحزم :
ـــ يوسف وبس ! ما عاجبكم سأبدله !
وصرنا نلتقي باستمرار لنستعيد ذكريات طرية عن مدينتنا، واصدقائنا. كان محبوبا بين الانصار لسرعة بديهيته، وروحه الفكهة التي لا تجعل شئ يمر دون تعليقاته الساخرة . مشكلته الحقيقية انه كان اكولا ، ولمعالجة هذا الامر صدر قرار من ادارة الفوج بمنحه حصة اكل مضاعفة لان حصة شخص واحد لا تكفيه ، ورغم ذلك كان يقوم بغارات سرية على مزارع الادارة ، والحقول ، وكان علي رفاقه الانصار التستر له على ذلك !
واذ اعتاد الانصار ، من اجل تغيير المزاج ، وبسبب محدودية ممتلكاتهم ، ان يتبادلوا ساعاتهم ، قمصانهم ، بنادقاهم ، بدلاتهم ، فكنت واياه دائما نتبادل اشياءنا . هكذ قمنا انا واياه ، بعد ان استحممنا بتبادل قمصاننا ، قبل ان اتوجه في مهمة الى مكان اخر . كان ذلك قبل ايام من معركة “سويله ميش ” . من اين لي ان اعرف ان ذلك سيكون لقاؤنا الاخير، وان كاظم سيستشهد وهو يرتدي قميصي ؟
في 25 / 9 / 1983 في سهل “شاره زوور”، في محافظة السليمانية ، في قرية “سويله ميش” ، ذات الأربعة عشر بيتا المتناثرة كرؤوس الفطر على تلال منخفضة. نجح مرتزقة النظام الديكتاتوري ” الجحوش ” بالتسلل ليلا ، والاقتراب من القرية وتطويقها ، من مختلف الجهات . فجرا اكتشف أنصار الفوج التاسع ذلك ، وتعذر انسحابهم ، واضطروا ، وعن قرب ، الى خوض ، معركة بطولية ضارية ، غير متكافئة ، استمرت طوال النهار. تداخلت خطوط القتال بين الأنصار و قوات العدو الذي زج إلى ارض المعركة بوحدات مدرعة مع طيران الهليكوبتر ، وثم وصل المنطقة مفرزة دعم من أنصار الفوج 15 / كرميان ، ومفرزة من أنصار مقر قاطع السليمانية ــ كركوك ، ومجاميع متفرقة من أحزاب حليفة هبت للمنطقة بشكل متأخر، مما ساعد أنصار الفوج التاسع على الانسحاب نحو مواقع أكثر أمنا . خلال المعركة الضارية استشهد النصيران البطلان ، آمر الفصيل الأول ومعاون آمر السرية ، ( ياسين طاهر حمه صالح ) ، والنصير ( جلال هونكريني) ، وتمكن العدو من اسر ثلاثة أنصار اخرين ، هم : سامان ( ئاراس اكرم ) ، ومحمد حمه فرج ، ويوسف ( كاظم عبد الحسن وروار ) . بعد يومين ، على شارع حلبجة ــ سيد صادق ، تم اعدام الانصار الاسرى في مشهد استفزازي لجماهير المنطقة ولركاب السيارات الذين أوقفوا بالقوة ليشهدوا بشاعة الجريمة . أرتجل الشهيد كاظم كلمة فضح بها حقيقة السلطة وحث الجماهير على مواصلة النضال ، وتقدم ورفاقه لمواجهة الرصاص بشجاعة وهم يهتفون باسم الحزب الشيوعي العراقي وقوات الأنصار .


معلومات اضافية
* نشرت في طريق الشعب العدد 121 12بتأريخ شباط 2009 ضمن مواد ملف الشهيد الشيوعي .
1 ــ أبو الستين : تسمية شعبية لشارع خلفي في مدينة السماوة ، ( في اعوام 1972 ــ 1976 ) كان يتواجد فيه بكثرة الطلبة والشباب خاصة في فترة المساء .
2 ـ من أغنية أنصارية كلمات النصير أبو محمد ( الشاعر إسماعيل محمد إسماعيل ) والحان النصير أبو جميلة ( الفنان كوكب حمزة ) .
3 ــ الشهيد جمال وناس : مواليد السماوه 1956 ، من عائلة كادحة ، في أيام درسته الإعدادية كان من الكوادر النشطة ، في اتحاد الطلبة ، وعند انتقاله للدراسة في كلية الزراعة / جامعة البصرة ، واصل نشاطه الطلابي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي ، فتعرض إلى مضايقات متعددة من قبل أجهزة النظام الأمنية ، وفي أواسط اذار 1978 تعرض إلى اعتداء من قبل عناصر منظمة النظام الطلابية في جامعة البصرة ، ونقل على أثره إلى المستشفى ، وفي 21 اذار من العام نفسه فارق الحياة متأثرا باثار الاعتداء الأثيم ، فكان من أوائل الشهداء لفترة ارهاب 1978 الذين افتتح النظام بهم صفحة الارهاب المنظم والمتواصل.
4 ــ الشهيد زهير عمران موسى ـ ملازم غانم : مواليد السماوه 1955 ، كان كادرا طلابيا وشبابيا نشطا ، وكان عنصرا بارزا في فرق مدينة السماوة الرياضية في كرة القدم والسلة ، تعرض إلى مضايقات متنوعة من الأجهزة الأمنية نتيجة نشاطه المتميز ، فاضطر إلى قطع دراسته الجامعية ومغادرة العراق منتصف السبعينات إلى دولة الكويت ، ومن هناك إلى الدول الاشتراكية لمواصلة دراسته ، وفي مطلع عام 1981 التحق بدورة عسكرية خاصة وحالما أنجزها بتفوق التحق بصفوف الأنصار في كوردستان العراق ، وأستشهد صيف 1983 في الاحداث المعروفة بين الأنصار أسم (احداث بشت ئاشان الثانية) تمييزا لها عن ( احداث بشت ئاشان الاولى) في ايار 1983 .