الرئيسية » مقالات » شؤون عراقية وشجون..

شؤون عراقية وشجون..

بصيصا نور في العراق مفرحان، سياسي واجتماعي.
أما الأول فهو نجاح الشعارات المدنية الوطنية في الانتخابات، وانحسار الشعارات الطائفية والمحاصصية للحد الذي اضطر معه أشد معتنقيهما وممارسيهما للإعلان عن رفضهما.
الثاني هو بداية انفراج اجتماعي تمثل في بعض مظاهر الاحتفال في بغداد بعيد الحب، [فالنتاين]، وإذا كانت هذه مجرد بدايات مفرحة، ومفرحة أيضا رغم أن البعض وسع عيد المناسبة، وهي عاطفية، غرامية، إلى الحب بمعانيه المتعددة. مثيرة للبهجة هذه المظاهر بعد سنوات القهر الاجتماعي الظلامي الأسود الذي مارسته المليشيات المسلحة والقاعدة وكل المتطرفين باسم الدين، ممن اعتنقوا عقيدة كراهية الآخر والحياة والفنون، والحياة الاجتماعية المتحضرة وما الحب العاطفي غير محور كبير للحياة والفنون والآداب العالمية. إن شاعرا هنديا عالميا هو رابندرانات طاغور هو الذي قال:
” كلمة واحدة تبقى لي حين أموت: هي أنني أحببت”، وكثيرا ما أردد حين يأتيني من بعيد خبر رحيل قريب، أو صديق عزيز، أو امرأة أحببتها حتى الأعماق: ” مأساة رحيله، [أو رحيلها]، وهي مأساتان لي لأنني لم أستطع أن أقول – وداعا… أحبك.”

أما ما بين هذا وذاك فالأخبار مزدحمة بكل ما يثير ويغضب:
– انتخابات تنتهي ولا رئيس لبرلمان منذ شهرين! فهل وقعت مثل هذه التجربة في أي مكان؟ هتافات ضد المحاصصة ولكن تعطيل انتخاب البرلمان بسبب المحاصصة! فيا للعجب! ويا لمصداقية من شجبوا المحاصصة في موسم الانتخابات، وكمجرد ورقة انتخابية لا غير! إن عشرات المشاكل الكبرى التي تهم الشعب والوطن تغتلي وتحتدم ولا رئيس لبرلمان تعرض عليه المشكلات؛
– زيارات إيرانية مكوكية، يعقبها فتح قنصليات متعددة حتى في كردستان، ونعرف جيدا من سيكون الدبلوماسيون الإيرانيون القادمون: من ضباط الاستخبارات وحرس الثورة، كما دل اعتقال اثنين منهم في أربيل قبل حوالي عامين. بهذه المناسبة أيضا يتم الإعلان عن وقف أولي للغارات الإيرانية على القرى الكردية. الغارات هي عدوان ولكننا لم نسمع طوال هذه السنوات حتى كلمة نقد علنية لهذا العدوان، لا من الحكومة ولا من الجبهة الكردستانية وحكومة الإقليم – فهل غارات الملالي حلاوة العيد! بل أكثر، حينما طرح بعض النواب اقتراح الاحتجاج رفض اقتراحه بأغلبية ساحقة.
بهذه المناسبة أيضا يتم حصار معسكر مجاهدي خلق في العراق، الذين رفعهم الاتحاد الأوروبي للتو من قائمة المنظمات الإرهابية، بل التقارير المنشورة تتحدث عن محاولات إجبارهم على العودة لإيران، أي لإبادتهم طبعا. هذه المنظمة العلمانية تعارض نظام الملالي ولكنها تعاونت مع نظام صدام وساهمت في عمليات قمع خلال الانتفاضة، وإذا تطلبت محاسبتهم اليوم، فيجب، في الوقت نفسه، محاسبة كل الذين رفعوا السلاح ضد الجيش العراقي تحت إمرة الباسدران خلال الحرب، وكذلك من قاموا بانتهاكات كبرى خلال الانتفاضة نفسها. مجموعة مجاهدي خلق في العراق قد نزعت القوات الأميركية سلاحهم، وليس من المناسب الخضوع لطلب إيراني هدفه قمعي بلا شك، فإذا كان وجودهم يهدد أمن العراق، كما حالة حزب العمال الكردستاني، فيجب التفاوض معهم بإشراف دولي، وهو ما يطلبون، وتخييرهم بين البقاء بلا تدخل في السياسة، أو اللجوء لدول تقبلهم، أما تطويقهم ومنع كل اتصال بهم، لا من محامين ولا من بعثات دولية، فهذا منتهى الظلم، ومجاراة تامة لأهواء نظام ولاية الفقيه .
– أما الغيمة الأخرى، التي تكاد تحجب عندي شخصيا بصيصي الضوء المار ذكرهما، فهي تصريح السيد وزير الخارجية، المنسوب له في الصحف، والقائل:
” العراق لم يعد لعبة الولايات المتحدة.” كلام غير دبلوماسي من وزير للخارجية، وتصريح لا ينطبق مع الحقائق لأن العراق لم يصبح لعبة أميركية بعد سقوط صدام، بل ،على العكس، إن تضحيات القوات الأميركية، والأموال الأميركية، والجهود الدبلوماسية الأميركية؛ كلها كانت لصالح أمن العراق وسيادته، والجبهة الكردستانية تعرف هذه الحقيقة فبل غيرها. نأمل أن تكون كلمات السيد الزيباري مجرد زلة لسان، وهو المأمول، ولكن يجب التصحيح. نعم نميل لاعتبار التصريح عدم دقة تعبير وبلا قصد، فينبغي التوضيح.

18 شباط 2009