الرئيسية » مقالات » ايرانيون وان لم ننتم

ايرانيون وان لم ننتم

مازلت اتذكّر ذلك الشعار البائس الذي صدع البعثيون رؤوسنا به يوم كانوا في السلطة وهو (كل العراقيين بعثيون وان لم ينتموا)، ويبدو ان عرق البعث دسّاس فعلاً الى درجة وصل الى عقر دار الكثيرين اليوم، حيث ما ان تقرأ مقالاً لكاتب ٍ ما يستعرض فيه شيئاً من تحليله ونظرته السياسية لواقع العراق الحالي، الاّ وينتابك ذهول من المُسلّمة التي يحاول ترسيخها في اذهان الناس، من ان العراق اليوم عبارة عن محمية ايرانية وان الحاكمين فيه هم مجموعة من الايرانيين لا يرون مصلحةً الاّ لبلدهم الام ايران.

فبالامس كنا نسمع فقط بايراني واحد في الدولة تحت مسمى (شهبوري)، اما اليوم بتنا نسمع بان جميع مَن في العملية السياسية وتحديداً مَن هم ينتمون لشريحة محدّدة في المجتمع هم ايرانيون ولم يُكتفى بهذا فحسب، بل ايضاً وصل الامر الى اتهام مكوّن كامل والطعن بولائه وتبعيته لا لشيء، الاّ لانه استعاد ما كان قد فقده طوال سني دولته باسم القومية والعروبية وووو…..

بصراحة المسألة ليست بعثية خالصة، بل هي نتاج ارث تاريخي ثقيل يمتد الى زمن الخلفاء الراشدين حتى .. حيث شُيّع ابان حرب معاوية لعلي في صفين ان جُل اتباع الخليفة علي بن ابي طالب عليه السلام، هم من بلاد فارس، ولا ادري ان كان قد اُتهم علي نفسه بالولاء لايران ام ان الموضوع خصّ فقط اصحابه؟ ففي مصر حتى هذه اللحظة يطلق المصريون على مقام الصحابي الجليل مالك ابن الحارث النخعي والملقب بالاشتر اسم السيد العجمي (الذي اصبح فيما بعد اسماً لمنطقة مشهورة) رغم اصوله العربية اليمنية .. واليوم وامتداداً لهذا الفكر يسمّي العرب اهل العراق بالصفويين، ولايُخفى على اللبيب ما للكلمة من دلالة سياسية، فضلاً عن دلالاتها التاريخية والثقافية.

يؤسفني ايضاً ان كتاباً مميّزين انجرفوا في هذا التوصيف الظالم الذي يسلب الاغلبية العراقية هويتهم الانتمائية عنوة ً بمجرّد انهم يختلفون مع فكر ورأي هؤلاء الكتاب في امور سياسية ليس الاّ، ويؤسفني كذلك ان كل تصرّف لاي مسؤول عراقي اليوم تجاه ايران، مهما كان تافهاً غير ذي قيمة، يُنظر له بعقلية المؤامرة والتبعية للمشروع الايراني المزعوم في المنطقة، رغم ان مثل هذا التصرف كان مع دول اخرى وبنفس الحماسة … فعلى سبيل المثال، تصريح مستشار الامن القومي السيد موفق الربيعي في طهران عن ضرورة اقامة منظومة امنية اقليمية مع ايران ورغم نفي مكتب الربيعي الرسمي له، الاّ انه اقام الدنيا ولم يُقعدها عند بعضهم، دون ان يلتفتوا الى ان الربيعي هو نفسه الذي سلّم امراء ارهابيين كبار الى سلطات السعودية معزّزين مكرّمين وعلى طائرة عراقية خاصة…
اتساءل: ماذا لو كان هؤلاء الارهابيون ايرانيين وسلّمهم الربيعي لسلطات ايران؟ كيف ستكون ردّة الفعل عند كتاب التشكيك هؤلاء؟

ان دعوى التشكيك باصول الآخر ما هي الاّ لعبة نابعة من انهزامية فكرية لا يستطيع مروّجها من اثبات ما لديه من افكار وتصوّرات معينة، اما لان ما يعتقد به قد ولّى واكل الدهر عليه وشرب، او انه يعاني من هشاشة واضمحلال في بنيته الفكرية غير السوية بحيث لا يمكن له ان يجاري الطروحات الجديدة الاّ بالتشكيك بأصلها ومنبعها والتي اصبحت لعبة مكشوفة للقاصي والداني، ولم تعد تجدي نفعاً عند البسطاء قبل المثقفين خصوصاً اذا علموا بان ابناء المنظومة التشكيكية قد اتهموا من قبل شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري بانه ايراني غير عراقي للاسباب نفسها ايضاً.

ما يُضحكني كثيراً ان مَن يعتبر الاغلبية الساحقة من المجتمع العراقي بانهم ايرانيون في الولاء والتبعية، يُطالب اليوم باستقلال واخذ حقوق ابناء (الاحواز) رغم ايرانيتهم جغرافياً وحدودياً ليصبح شعبها فجأة ً شعباً عربياً قحّاً، في حين تسلب العروبة من عرب وسط وجنوب العراق لاسباب سياسية.
انا انصح اخوتي الكتاب اصحاب النفس الاستقصائي والاستئصالي للآخر المُختلف، ان يثبتوا على رأي واحد، اما ان يكون عرب وسط وجنوب العراق ايرانيين او عرب الاحواز عرباً عراقيين، وليبعدوا السياسية عن الاعراق والانساب .. فانها افسدت الدين حسب ادعاءاتهم، فلماذا يريدونها ان تفسد الفراش والنسب!!!

لست من هؤلاء ولا مع هؤلاء، لكني فقط اريد ان اوضّح للاخوة اصحاب الفكر المُختلف في اي مسألة ٍ كانت، ان ينتبهوا لئلا يقعوا في ما وقع به مفكرون وكتاب من قبل، من حيث انهم كانوا ظلاً لصدام في السابق ومنظرين لسياساته العدائية للاغلبية العراقية، لكنهم سرعان ما انقلبوا عليه وباتوا ينظرون لاخوتهم (الايرانيين) الحاكمين في العراق (الجديد)، ثم ليتحوّلوا مرة ً اخرى الى سابق عملهم المُرتكز على التشكيك والاستئصال لذات (الايرانيين) انفسهم، ليؤكدوا حقيقة ً لم اكن اؤمن بها وهي (مَن شبّ على شيء شاب عليه) … فمَن كان يؤمن بظلم الدولة القومية (للايرانيين) في بلدهم (العراق) ويثقف الناس على هذا سنين وسنين، يأتي اليوم ليروّج عكس هذا ويصنّف (الايرانيين) ب(ايرانيي) السلطة و(ايرانيي) العراق .. لا ادري متى سيمنح هؤلاء المتناقضون مع انفسهم صكوك الولاء للعراقيين ويدخلوهم تحت مظلة الدولة العراقية؟ وماهو الثمن حينها؟ الله اعلم ورسوله والمؤمنون.

ايها العراقيون النشامى اتحدوا على ترك ولاية علي بن ابي طالب، واتركوا نافلة الغفيلة، واستعينوا بالتكتف بدلاً من التسبيل، واهجروا زيارة الاربعين، واقتلوا اي ايراني ترونه حتى لو كان معلقاً باستار الكعبة … ستكونون حينها فقط عراقيين بلا اي شائبة.