الرئيسية » مقالات » ( باقي خضو )الرجلُ الأكثرُ ثراءً في بلادٍ معطوبة

( باقي خضو )الرجلُ الأكثرُ ثراءً في بلادٍ معطوبة

برحيل ” باقي خضر ” تكون الساحة الغنائية التراثية الكوردية قد أقفرت, وخسرت حارساً مهماً وحافظاً حقاً للتراث الغنائي الكوردي عامة والتراث الغنائي في منطقة كوباني ( عين العرب ) خاصة, وتكون قد خسرتْ كذلكم الأمر مُغنِّياً متقناً فيها ومبدعاً قدَّم في النص التراثي المُغنَّى إضافاتٍ تسجل له, رُغمَ أنَّ سنيه التي قاربت المائة خذلته اقتصادياً على الدوام في بلادٍ لا تُعيرُ أدنى أهمية للمبدعين والمثقفين, وكانت الملكة الإبداعية لـ ” باقي خضو ” ستُغيرُ على آفاقٍ أخرى إذا ما كانت الأوضاعُ مختلفة وغير مزرية.
ويبدو أنَّ ” باقي خضو ” قد راهنَ منذُ ثمانين عاماً أو أكثر – أي مُذْ كان يشب عن الطوق – على الغناء التراثي والملحمي الكوردي, جرياً على خطى والده ” خضو “, صديق المغني الشهير الآخر ” مشو بكه بور “, وكان لذلك أبلغُ الأثر وفائقُ الدور في القفز بهذا الفن الغنائي الأصيل إلى صدارة الفنون الأخرى التي كانت غائبة حتى الأمس القريب جداً في مُحيطٍ جغرافي ( كوباني ) يبدو مُبتلياً بملايين اللعناتِ ومَطعوناً حتى أبده بالحواس الخمس فقط.
يمكن القول أيضاً في هذا المقام, أنَّ ” باقي خضو ” هو التراثُ الغنائي الحكائي الملحمي الكوردي يَمشي على قدمين, وهو إلى جانب أسماءٍ أخرى سابقة له أو محايثة أو لاحقة به زمنياً, من مثل : عفدالي زينكي, وشاكرو, وزاهرو, وقره بيت خاجو, ومريم خان, وكاويس آغا, وإشخان, وفيزوي رزو, وأورديخاني كوتي, وشروي برو, وعكيدي جمو, ومشو بكبور الحملة الحقيقيون للتراث الثقافي الكوردي في زمنٍ لم يكُ فيه التدوين نشطاً في مجتمع كانَ متهتكاً ومغلوباً على أمره – ولا يزال – في المستوى السياثقافي, فكان وكانوا مفاتيح التواصل مع الثقافة الشفاهية والوعي بالماضي القريب والبعيد وملتقطي اللحظة الراهنة, ومن هنا تأثيرهم في أجيالٍ كاملة وتأسطرهم في المجتمع وتحولهم إلى رموزٍ في المخيال الاجتماعي, ولا نبالغُ إذا ما قلنا أن ” باقي خضو ” وأمثاله من المغنين التراثيين كانوا محاولات ومشاريع لإعادة إنتاج أسفار الذاكرة وإحياءها وبعثها, فكانوا بذا جبهة مقاومة للنسيان الوبيل والتضليل والتشويه والكذب التي تطالُ التاريخ والجغرافية واللغة بهدف طمس المعالم وتجريد الإنسان والمكان من أيَّة ملامحٍ واضحة ومؤطرة حقاً, وقد يكون ” باقي ” وصحبه والذينَ معه لم يقصدوا ذلك حقيقة, وربما جاءَ ذلك عفوياً ودونما برمجةٍ أو تخطيطٍ أو حساباتٍ دقيقة, ولكنهم أسهموا – وهو المُلاحظُ من الاحتفاء بـ ” باقي ” – في إنقاذ الهوية الثقافية من المحو والحيلولة دون تحول هذه الهوية الثقافية إلى مجرد فولكلور باهت ومصطنع ومشوه, ومن هنا فإن الذين تقدمت أسمائهم يستحقون أن يُنظَرَ إليهم بمثابتهم الرأسمال الرمزي للمجتمع الكوردي.
ولكن مشكلة ” باقي خضو ” وأمثاله من السابقين له والمعاصرين واللاحقين أنهم ولدوا وعاشوا في مجتمع قبلي زراعي رعوي مُفوَّت لا يعير أدنى قيمة للمبدعين وإبداعاتهم, ففي هكذا مجتمع متكلس يُكتبُ على جبين المبدع والمختلف أن يولد على حد الشفرة ويعيش عليه ويموت عليه, وحتى الأمس القريب كان يتم النظر إلى أولئك المشتغلين في الفن والمغنين والمطربين على أنهم غير أسوياء وناقصي عقل وغير ناضجين, وكانوا يعرفون كشريحة مبتذلة ومنفرة وكطائفة من الصعاليك الملفوظين من المجتمع, وهذا يعني أن الكمال كان محصوراً ولا يزال بالمرابين ووجهاء عشائر لا يفقهون أيما شيء غير الارتماء في أحضان السلطات وممارسة النفاق العلني وتلميع أحذية المسؤولين ابتغاء رفع منسوب أسهمهم لدى دوائر السلطة الموكلة باصطفاء مواليها لتوزيع حفاضات الموالاة عليهم, ولعل أخطر ما يحدث في هذا المجتمع وفي الآناء الأخيرة تحديداً هو تطفل طائفة من المتعلمين ( حملة شهادات جامعية في الأعم الأغلب ) على الفضاء السياسي والثقافي والاجتماعي, وهم المفرغين من كل قيمة نبيلة, وكان يفترض بهم بداية الخروج من معطف العشيرة وذهنية الاتجار بالقيم والمبادىء قبل خوضهم في فضاءات تشي منذ الوهلة الأولى بغربتهم وتطفلهم وصخبهم المزعج.
مشكلة ” باقي خضو ” وأمثاله أنهم يتلقون أوجهاً من الدعم والالتفاف حولهم والبركات والاعتراف بهم بعد وداعهم لنا, وهنا من حقنا التساؤل المشروع : ماذا كان سيفعل ” باقي ” وأمثاله لو تلقوا هذا الدعم والإجماع عليهم في حيواتهم ؟. وهم الذين كابدوا طيلة حيواتهم ليبقوا على قيد الحلم وارتكاب الجمال الذي يبدو ممنوعاً عليهم, فلا السلطة توسع لهم ولا المعارضة, فلو كان ” باقي خضو ” وأمثاله من الذين يدورون في فلك السلطة أو متحزبين ومدَّاحين من النخب الأول أو من أتباع أمراء الأحزاب المعارضة لكان وضعهم مختلفاً جداً, ولكانوا أبدعوا أكثرَ من اللازم, وأجادوا في مضمارهم أكثرَ من المتوقع, لكن ” باقي خضو ” والذين معه اختاروا التحليق بأنفسهم وبنا خارج السرب إلى السماوات القصية دونما مقابل.
ثمة في سورية الراهن فنانون ومبدعون مستقلين وغير موالين لأحد غير ملكاتهم المبدعة وأنفسهم يدفعون الضريبة على جميع الجبهات المرئية, ولا ينالون بركات أحد أو إجماع أحد عليهم, ولكنهم حين يتوفون ويحلقون إلى عالم آخر يتم استثمارهم إلى الرمق الأخير, لا بل يبلغ الاستثمار أوجه حين يتم تصويرهم في الكفن وفي اللحد والتعامل معهم على أنهم أولياء صالحون وقديسون من الفئة الأولى والدرجة الأولى, ولكن ماذا عن العقود التسعة من عمر ” باقي خضو ” المستهلكة في خدمة الفن الغنائي التراثي الذي كان بمثابة الخندق الأول لحماية الثقافة الكوردية واللغة الكوردية من الزوال والاضمحلال والانصهار في بوتقة لغة الآخر المختلف قومياً والمتسيدة في أحادية مطلقة ومُحصَّنة دستورياً.
في الواقع السوري اليوم, وفيما خَصَّ التعاملَ من المواهب والمبدعين المستقلين – إذ يقدمون مادة خصب وذات قيمة – يتماهى الضحية والجلاد, فالإبداعُ, في هكذا مجتمعٍ محكوم ببطاركة السلطة والمُعارضة الجاهلة, يصبحُ نوعاً من التعذيب النفسي الذاتي والاضطهاد المعنوي والذوقي والعصبي الذاتي, إذ تغيب تقاليد وأصول متابعتهم وتشجيعهم, ولا مكان للمختلفين إبداعياً, فالمكان كله يبدو وحتى إشعار مزمن آخر مخصصاً بكليته للأعمال الهابطة والاستهلاكية, التي تخاطب الغريزة والمشاعر السطحية, ولا تتطلبُ أيَّ إصغاءٍ أو تأمل, فتحول المتابعة نوعاً من الترفيه الرخيص.
ستة وتسعون ربيعاً وشتاءً وخريفاً وصيفاً كابد خلالها ” باقي خضو ” الجوع والوجع والمعاناة وضيق ذات اليد, ولم يوسع له أحد خلالها, ولم يبر به أحد كذلك, لا نقابة الفنانين السورية ( المقتصرة على الفنانين باللغة العربية الحاكمة وفق الدستور النافذ ) ولا الأحزاب الكوردية الضالعة في مناشدة السلطات السورية بالإفراج عن الحقوق الثقافية للشعب الكوردي, هل كان ” باقي خضو ” إرهابياً ومخرباً وانفصالياً ومضللاً وشوفينياً ومدفوعاً من جهات معادية إلى هذا الحدِّ ؟. وهو الذي كان في أيامه الأخيرة – وربما طيلة حياته – مجرد كتلة عظام هشة, ولم يك وضعه النفسي والجسدي ليسعفه في الرد على سلام أحد العابرين بالقرب من رصيف منزله الذي كان يفترشه في ساعات الظهيرة.
ما أعلمهُ بحق, هو أن لا قيمة لتكريمٍ يأتي بعد منتصف الموت وفوات الأحزان.