الرئيسية » مقالات » ثقافة الاستقالة ودورها في تأصيل المجتمعات المسؤولة

ثقافة الاستقالة ودورها في تأصيل المجتمعات المسؤولة

لم يكن لهذا المقال اي مبرّر ان يُكتب، سوى ما شهدنا في الايام القليلة الماضية من استقالات لمسؤولين عراقيين (فايف ستار) كوزيرة الدولة العراقية لشؤون المرأة السيدة نوال السامرائي والتي اثبتت بحق بان العراق مازال يحتضن اناس اكبر من المناصب والكراسي، رغم ان الجميع بدأ يشك بوجود مثل هؤلاء.

بعد استقالة الوزيرة، استقالتان جديدتان ايضاً شهدها المعسكر الرياضي العراقي مؤخراً، الاولى من السيد احمد عباس الامين العام لاتحاد كرة القدم العراقي، والثانية كانت من السيد باسم الربيعي النائب الثاني لرئيس الاتحاد، وكانتا ربما الاجرأ، لانهما جاءتا في ظل واقع رياضي مربك ومشوش الى حد صعوبة اتخاذ اي قرار صائب، خصوصاً في ظل امتيازات ومغريات كبيرة توفرها مؤسسة مهمة كاتحاد كرة القدم العراقي مثلما هو معروف للجميع.

استقالة المسؤول من منصبه هي اسمى شعور بالمسؤولية تجاه نفسه ومواطنيه، وان كان ثمّة مَن يعتبرها انهزاماً او تنصلاّ من تلك المسؤولية، فذلك يعني انها احترام للذات ايضاً واعتراف بمحدودية القدرات وعدم المواصلة لتكملة المشوار .. وهي لعمري موضع تقدير عند كل منصف اعياه الدهر من شدة التصاق اصحاب القرار بكراسي الزوال.

لم اسمع في حياتي كلها مسؤولاً عراقياً كان قد استقال من منصبه، ولا حتى مدير مدرسة ابتدائية، سواء في مرحلة ما قبل البعث او بعدها .. اللهم الاّ اذا كان ذلك المسؤول يعاني مرضاً مزمناً تستحيل معه الادارة. بل حتى مع هكذا امر، كان بعضهم في الغالب يعتمد على نائبه في تمشية امور مؤسسته الى ان تتوفاه المنية، او يقعد دون ذلك على كرسي الامل المتحرك، علّه يرى معجزة ً تعيده الى ما كان عليه معززاً مكرّماً ….
آه كم اخاف ان يعش مسؤول عمر جدتي التي ناطحت المئة وعشرين عاماً حتى غلبها الموت في الواحد والعشرين بعد تلك المئة العصيبة، حينها سوف لن نرى مسؤولين ينتمون الى جيلاً واحداً ابداً، وسوف لن ننتظر سوى عزرائيل ليوقع على استقالاتهم .. ويالها من استقالات.

بقدر ما افرحتني تلك الاستقالات كونها نابعة من صميم مسؤولين محترمين وحريصين على سمعتهم وسمعة مؤسساتهم وكونها ايضاً تبشر بحقبة جديدة في فهم المسؤول لطبيعة مسؤوليته ومنصبه، الاّ انها مازالت تحزنني لانها لم تتحول بعد الى ثقافة عامة وفكر متأصل يعتنقه المسؤول كعقيدة من عقائد المجتمع الديمقراطي الحر ومفردة من مفردات نجاحه.

حيث مازال الكثير من وزرائنا ومدرائنا ومسؤولينا لا يطيقون مجرّد سماع كلمة “استقالة” حتى لو غطاهم الفشل من اعلى هاماتهم نزولاً الى اخماص اقدامهم .. فهم لن ولن يستقيلوا ما دام في الجسد روحاً.

وبغض النظر عن الاسباب والمسبّبات التي دعت الوزيرة السامرائي والسيد احمد عباس والاستاذ باسم الربيعي وآخرين لما يلحقوا بهم، الى تقديم استقالتهم من مناصبهم على ما فيها من سلطة وجاه وامتيازات … فالامر يستحق ان يكون نبراساً لكل المسؤولين الآخرين الذين فشلت مؤسساتهم في اداء ما عليها من مسؤوليات .. ولا يفوتني ان اذكّر باحدى اهم تلك المؤسسات التي ما انفك الفشل يحاصرها من كل جانب، ومازالت الاصوات الخيّرة تدعو لاصلاحها، اَلاَ وهي الاتحاد العراقي لكرة القدم، الذي يديره من عمان ايميلياً السيد حسين سعيد رئيس الاتحاد مدى الحياة.

فشتان ما بين عباس والربيعي من جهة، وحسين سعيد من جهة اخرى.

رحم الله جدتي … كانت دائماً تقول بلهجتها العربية (المكسّرة) غير آبهة بتجاعيد وجهها، مازلت شابة صغيرة، واظن ان سعيد يقلدها في ذات التصوّر، ربما لانه مازال يرى بان في العمر بقية لان يقود الاتحاد مؤبداً لحين قيام الساعة او يهلك دونه.