الرئيسية » مقالات » الهــويــّـة الكــورديــّـة

الهــويــّـة الكــورديــّـة

ترجمة عن الكوردية : جان ايزيدخَلو*

على الرغم من وجود العديد من المجموعات والهويات الأثنية والقومية المختلفة ضمن حدود الجمهورية التركية، فإنها ترى كل الذين يعيشون ضمن حدودها من الترك(**)، وفي مقدمة الهويات التي تُنكر وتُعد بأنّها غير موجودة هي الهويّة الكوردية.

يمكن للهويّة أن تكون فردية أو جَمعيَّة، فالهويّة الفرديّة /هويّة الفرد/ هي الهويّة التي تجيب على السؤال الذي يسأل الفرد نفسه: “من أنا؟”. فيمكن للفرد أن يُعرِّف نفسه بالعديد من أنواع الهويّات في الحياة، مثلاً أن يكون تركياً وحلاقاً وعضو نادي رياضي وصيّاداً و …الخ. إنّ هويّة الفرد، ضمن المعنى الفردي /الشخصي/ يُرادف مكانة الفرد. أما الهويّة الجَمعيَّة فتفيد نفسها ضمن الإجابة عن السؤال “من نحن؟”، فالأسئلة التي تُسأل مثل “نحن ننتمي إلى أي لغة؟ وإلى أي ثقافة؟ وإلى أي قومية؟” هي أسئلة تُشير إلى الهويّة الجَمعيّة.

أيّاً كانت الهويّة، فردية أم جَمعيَّة، فمن أجل أن تثبت وجودها تحتاج إلى خصوصيّة وتريد دائما المحافظة على هذه الخصوصيّة بمأمن عن الآخر. يُعتبر بلوغ مرحلة إدراك الأصل بداية هامة في تشكل الهويّة. وإلى جانب إدراك الهويّة، يُعتبر تعريف الهويّة مرحلة هامة جداً. من ناحية أخرى يمكن أن يُقال بأن تعريف الهويّة لسلطة سياسية ما أهم من كل ذلك. إنّ بلوغ مرحلة إدراك الخصائص الجوهرية ومرحلة إدراك الأصل تعتبران مرحلتان هامتان جداً من مراحل تشكل الهويّة، فبلوغ مرحلة إدراك الأصل ينتج عن إنكار الوجود. إنّ إنكار وجود الآخرين مع مرور الزمن يُفضي إلى توليد الشعور المناهض لديهم وإتخاذ التدابير اللازمة من جانبهم للحماية في مواجهة الآخر /المُنكِر/. نجد هذه العملية في جميع الحركات القومية، لكنني لا أعتقد أنّ عملية إنكار وجود الآخرين قد حدثت ضمن مسيرة الحركات القومية الكوردية. نجد عند الكورد بروز واضح لشعور “العالمية” ولأفكار “الأخوّة” أكثر من غيرها. إنّ هذه الأفكار لا نجدها في حركات الشعوب الأخرى. وأيضاً، نعلم بأن الكورد يناضلون من أجل إزالة الحظر عن لغتهم، والعيش بثقافتهم وهم يناضلون من أجل المساواة مع الأمم الأخرى.
إنّ إنكار وجود الهويّة الكوردية يشكل وجهاً هاماً جدا من الثقافة السياسية التركية، وإنكار وجود اللغة الكوردية وكوردستان يشكل عنصراً أساسياً ضمن هذه العملية. يعطي أحمد مسعود في مقدمة كتابه “Ingiliz Belgelerinde Kürdistan, 1918-1958” “كوردستان في الوثائق الإنكليزية، 1918- 1958” (من منشورات دوز، نيسان 1992، استنبول) في ص5-18، معاني مختلفة لمصطلحَيْ الرّفض والإنكار. فهو يساوي بين مصطلح “الرّفض” و”التبرُّؤ” وبين مصطلح “الإنكار” و”الإبادة”. ويقول بأنه منذ 85 عام اُعتُبرَ الإنكار مثل الإبادة والرّفض مثل التبرّؤ في سياسة الجمهورية التركية، ولكن مصطلحَيْ “الرّفض” و”الإنكار” متقاربان جداً. فمن الناحية الفلسفية، من الملفت أن يُعطي أحمد مسعود معنيين مختلفين لهذين المصطلحَيْن.
في هذه المقالة، سنستخدم إلى جانب المصطلحَيْن مصطلح “الإنكار” الذي يحمل جانباً أعمق؛ أي الإبادة.

في الفترات الأولى للجمهورية، كان يُقال بأنه “ليس هناك وجود للكورد وليست هناك لغة كوردية، هناك مقاومة من جانب المؤسسات الإقطاعية مثل العشائرية والشيوخ والأغوات”، وأنّ “القضيّة في شرق تركيا هي قضية عناصر إقطاعيّة”، وأن هذه العناصر الإقطاعيّة تناهض العلاقات العصرية والجمهورية التركية العصريّة. وفي سياق هذا التوضيح، كانت تُستعمل بشكل خاص كلمات مثل “الأصوليّة” و”الأصوليّين” /يُقصد بها التزمّت الديني – م/. أيضاً كان يُقال بأنه “من المشروع أن تقوم الجمهورية التركية التقدمية والعصريّة والعلمانية بإزالة هذه العلاقات الإجتماعية المتخلفة والمؤسسات الرجعيّة التي تواجهها.” ولتجنب هذه العلاقات الإجتماعية “المتخلفة” كانت تُبحث مسائل استخدام مناهج مُعيًّنة، مثل إصلاح الآغا والنفي والتهجير القسري والتوطين القسري والصّهر.

إنّ وجود الكورد واللغة الكوردية يُنكران على مدى تاريخ الجمهورية. كانوا يحاولون دائماً أن يُبرّروا هذه المشكلة، حسب الأزمنة والشروط المستجدّة، على أنّها قضية “الأصوليّة” و”الأصوليّين” وأحياناً على أنها “مقاومة إقطاعية” وأحياناً أخرى على أنّها “فتنة إمبريالية”، أو “حركة شيوعيّة”. ففي الأعوام الأولى للجمهورية، كانت انتفاضات الكورد تُبرز للغرب وكأنها انتفاضة “الأصوليّة” و”الأصوليّين”. كان يُقال للغربيين “إن العلاقات الإجتماعية المتخلفة تقاوم تطوّر الجمهورية التركية العلمانية المعاصرة”، ولكن الحقيقة الظاهرة للعيان تقول بأنه في تلك الفترة كان شكل الحركة السياسية والإجتماعية في المناطق الكوردية تدخل في حقل العلاقات (الأبويّة – المتسلطة). ويُقال بأنّه في نفس الفترة، أُبرزت هذه الإنتفاضات للرأي العام الداخلي بأنها “فتنة الإمبريالية، فتنة الشيوعيّة”. ومن الواضح جداً أنه وفي تلك الفترة، كان يُفهَم من العلمانيّة وكأنها مناهضة للإسلام والعَصْرنة على أنها ضد عادات الأجداد، أيضاً كان يُفهَم في ذاك الوقت بأنّ الأحداث التي تحدث هنا وهناك وكأنها تناهض سلطة المركز. علاوة على ذلك كان يُعتَقَد بأنّه لبناء مفهوم سلطة مركزية قويّة، يبرز أهمية قبولها من قِبَل السلطات ذات الميول المحليّة.

أعتقد أنّ الشعارات التي كانت تُطلق في ذلك الوقت مثل “يجب أن يُقضى على الإقطاعية” و”يجب إقتلاع جذور البكواتية” و”يجب حل مؤسّسات المشيخة والعشائرية والآغواتية والقضاء عليها”، لا يمكن أن يسميه المرء على أنه تصرّف ديمقراطي. وأعتقد أيضاً، لا يمكن للمرء أن ينظر إلى تلك المؤسّسات على أنّها كانت تُشكل عائق أمام إزدهار الإقتصاد. وعندها تعني هذه الشعارات: “يجب القضاء على كل الذين يملكون قررات في الشأن الكوردي والذين لا يقبلون التتريك بشتى الطرق والوسائل. يجب أن يُنفى هؤلاء وأن تُستخدم جميع أنواع ومناهج الظلم لصهر الكورد وتتريكهم، إنّ اولئك الذين لم يُصبحوا تركاً، يجب القضاء عليهم بأي طريقة كانت.”

في الستينات وبعد الإنقلاب العسكري في 27 نيسان عام 1960، أصبحت الأحداث في “الشرق” تُبحث بطريقة أُخرى. كان يُقال “إنّ أحداث الشرق تنبع من إهمال الدولة” و إنّ الدولة لم تقم بما فيه الكفاية من أجل تقدّم المنطقة. كانت هذه الآراء منسوبة في معظمها إلى الديمقراطيين الإشتراكيين. فلم تكن هذه الآراء تُبدي أي إهتمام بالهويّة الأثنية للكورد والهويّة القومية والحقوق القومية للكورد وحريتهم. كانت القضية تُفهم على أنها “قضية تطوير المنطقة” وكانت القضية تُطرح وكأنّ القضايا برزت نتيجة تخلف المنطقة. كان هناك مفهوم يقول بأنه عندما يبدأ العمل بتطوير المنطقة وتفتح المنطقة المتخلفة أبوابها أمام التطوّر، سوف تُحل كافة القضايا. بهذه الطريقة وكأن القضية تُطرح “خارج نفسها” وكأنها “ليست بذاتها”.

في السبعينات والثمانينات وفيما بعد أيضاً، نلاحظ إستخدام مصطلح “عنصرية الأقليّة”. إن مطالب الكورد مثل الحصول على الهويّة الأثنية والهويّة القومية تُساوى بمصطلح “عنصريّة الأقليّة” والكورد يُنتقدون بسبب ذلك. أعتقد أنه من الأصح أن يُفهم هذا الإنتقاد على أنه إتهام. ففي هذه الإنتقادات – أو الإتهامات – يَتهمون الكورد دون أن تُستخدم حتى كلمة الكورد أو اسم الكورد ودون أن يكون قصدهم الهويّة الأثنية والقومية، وكأنّ الكورد قد اقترفوا “عنصرية الأقلية”. هذا ما يثبته طارق زياد آكينجي في مقالته المُعنونة ﺑ “العنصرية الأثنية” (12 شباط 2006 ص12). العنصرية الأثنية هو مصطلح ينتمي إلى العلاقات الرائجة في عهد الامبراطوريات المُستعمِرة. ففي عهد الامبراطوريات المُستعمِرة مثلاً، بالرغم من أنّ البرتغال تمتلك عدد سكان قليل، فإنها كانت تحكم البرازيل وانغولا وموزامبيق وغينيا كقوة مُستعمِرة. كانت البرتغال تريد أن تفرض ثقافتها ولغتها على هذه الدول. كذلك أيضاً بالرغم من قلة عدد سكان هولندا، فهي أيضاً كانت تتبع هكذا سياسة لكي يسود ثقافتها ولغتها في الشرق الأقصى، أي مثلاً أن يسود في اندونيسيا. كان لبلجيكا أيضاً هكذا سياسة في الكونغو/زائير/. أما في موضوع الكورد، فإنهم لا يسعون سوى إلى تحرير لغتهم وثقافتهم من السيطرة. هذا جانب هام من الثقافة السياسية التركية، أي الذهنية التي تنكر الوجود الكوردي والتي تريد أن تفرض اللغة والثقافة التركية عليهم. أما الكورد الذين يريدون أن يعيشوا بلغتهم وثقافتهم ويريدون الحصول على حريتهم، فيُنظر إلى هذه المحاولات على أنها “عنصرية” أو على أنها “عنصرية الأقلية” وبهذه الطريقة يُّتهم الكورد.

إذاً تلك الأحداث التي كانت تحدث في “شرق تركيا” في السبعينات، كانت تُوضَّح على أنها من أعمال “الفوضويّين” و “قطاع الطرق”. وكما هو معلوم، بعد الثمانينات، أصبحت كلمة “الإرهاب” مصطلح هام في تسمية هذه القضيّة. كان يُقال بأنه “لا يوجد في الشرق وجنوب الشرق أي مشكلة أثنية أو قومية، وإنما هناك مشكلة الإرهاب. وللقضاء على منبع الإرهاب ومشكلة الإرهاب اتخذت الدولة كافة التدابير وستتخذ كافة التدابير”. هذا موضوع هام يجب أن يتوقف المرء عنده جيداً، ليسأل على مدار تاريخ الجمهورية، لماذا تحدث هذه الأحداث فقط في “الشرق”. ومن المؤكد أيضاً، يجب أن يُبحث في مسألة إستخدام كل من الإدارة الخاصة، مثل المفتشين العموميين والإدارة العرفية والولايات ذات الصلاحيّات القصوى ووالي حالة الطوارئ فقط في “الشرق”. ويجب أن يُسأل أيضاً لماذا لاتوجد هذه الأحداث التي تُسمى ﺑ “الأصوليّة” و”الأصوليّين” مثلاً في وسط الأناضول وشواطئ البحر الأسود ومَرمَرا؟ هل إمتلاك الممتلكات والأراضي الواسعة موجود فقط في “الشرق”؟

في أيامنا هذه نجد ازدياد السكن في المدن، أي تزداد المدنيّة، وبالتالي نجد أن رد الفعل السياسي الكوردي يزداد أيضاً. فأصبحت المعارضة تتدفق إلى المدن، ونلاحظ أنّ وضع الحركة المعارضة وممثلي المعارضة وأنواع الحركة السياسية والإجتماعية ليست مرتبطة بالمؤسسات الإقطاعية والإرثية. نجد أن الفقراء الذين لا يملكون مأوى أو أملاك، هم الذين يسيطرون على قيادة المعارضة أكثر من غيرهم. إنّ كل هذه المُنجزات أدّت إلى الإعتراف الفعلي بالهويّة الكوردية في بداية القرن الحالي /أي بعد عام 2000/ وأدّى هذا الإعتراف إلى بدء النقاش حول “الهويّة العليا” و”الهويّة الدنيا”. ورغم ذلك فإن تسمية “الإرهاب”، ذلك المفهوم الذي ينظر إلى القضيّة الكوردية على أنها قضية إرهاب، عاد إلى الإستخدام مرة أخرى.

كيف تؤثر مُعاداة الهويّة الكوردية على الهويّة التركيّة؟
إن الثقافة السياسية التركية لا تقبل بتشكّل الهويّة الكوردية وتسد الطريق أمامها لتؤخّر تشكله. لذا فإنهم دائماً يسخرون من الكورد ويحتقرون اللغة الكوردية والهويّة الكوردية ويحتقرونها. إن هذا التحرّك والتعبير بهذه الطريقة يأخذ رويداً رويداً شكلاً فاشياً داخل الثقافة السياسية التركية، ومع الزمن تُصبح هذه الخصوصيّة “القومية التركية” ذاتها.

الهويّة العليا – الدنيا
في السنوات الأخيرة، يقول بعض المسؤولين الترك: نستطيع أن نقبل “الكورد” كهويّة دنيا ولكن بشرط أن يُقبل “الترك” كهويّة عليا. إنّ الثقافة السياسيّة التركيّة والدولة التركيّة تدّعيان بأن كلمة “الترك” لا تحمل فقط معنى الأثنية التركية، وإنما في نفس الوقت تشمل كل الذين يعيشون ضمن حدود الجمهوريّة التركيّة. إنّ هذا الرأي لا يريد أن يتعرف الكورد على ماضيهم وأصولهم، و أيضاً لكي يُسدّ الطريق أمام تشكُّل الهويّة الكورديّة وتأخير تشكُّلها. لنلقي نظرة على هذه الإفادات والبيانات والعلاقات:

1. “إن كان عن قصد أو بدونه، فإنّهم قللوا من شأن دور الأمة التركية في التاريخ. إنّ هذه المعلومات الخاطئة المتعلقة بآباء وأجداد الترك قد أثّر سلباً على وعي الأمة التركية وتطوّرها… نريد في هذا الكتاب أن نشير إلى سر ذكاء التركي وشخصيّته، نريد أن نُريهم خصوصية الترك وقوّتهم ونريد أن نتحدّث عن ازدهار القومية التركية ومدى عمق عروقنا الأثنية”. (Türk Tarihinin Ana Hatlari, Kemalist Yöntemin Tarih Tezi, Kaynak Yayinlari, 2. Basim, Mayis 1996, r. 25)
طُبعَ من هذا الكتاب 100 نسخة في عام 1930 ووُزِّع على الأشخاص ذوي العلاقة في عام 1996، وطُبعَ مرة أخرى من قِبَل مطبعة Kaynak ص474.
“إنّ العنصر التركي الذي شكّل أكبر تدفُّق في التاريخ هو العنصر الذي حافظ على أصله جيّداً. ويعود ذلك إلى استيطانه في مناطق واسعة قبل التاريخ وأثناءه، وأيضاً بسبب إختلاطه مع عناصر قوميّة أخرى قرب حدوده. وعلى الرغم من هذا الإختلاط، نجد أنّ في أكثرها تبرز الثقافة التركية التي تحمل نتاج أصل وجنس الترك، ويرجع ذلك إلى سيطرته الدائمة ، لذا نجد أنّ العنصر التركي لم ينصهر ضمن تلك الإختلاطات” ص50.
“إنّ الترك الذين نشروا المدنية في كل العالم، أسّسوا في موطنهم الأصلي، في آسيا الوسطى، حضارات عدة في عصورٍ مختلفة. ص325… ومن هناك انتشروا في العالم وأسّسوا حضارات عظيمة في الكثير من مناطقها” (ص371 وتتمته).
“مَدخل” الكتاب طُبعَ منه 30 ألف نسخة في عام 1931 باسم ” Türk Tarihinin Ana Hatlari, Methal Kismi” من قبل وزارة التربية الوطنية.
من الواضح أنّ هذا “التركي” الذي تم التحدّث عنه في هذه الإفادات يُقصد به “الأثنية التركيّة”.
2. هناك مؤسسة باسم”Türk işbirliği ve Kalkınma Ajansı” (TİKA) أي “وكالة تعاون ورفعة الترك” تهتم بشأن رفع مكانة المجتمع والإقتصاد في الجمهوريات التركية في آسيا الوسطى مثل قرغيزيا وتركمانستان واوزبكستان، وفي القفقاس مثل اذربيجان. إن مصطلح “الترك” الذي يُستخدم هنا أيضاً يُقصد به “الأثنية التركية”.
3. بين عامي 1993- 1997 أُقيمت “المؤتمرات التركية” والتي حضر فيها مسؤولو الحكومة والدولة التركية. أُقيمت هذه المؤتمرات على التوالي، ففي عام 1993 في انتاليا وفي عام 1994 في ازمير وفي عام 1995 في استنبول وفي عام 1996 في انقرة وفي 1997 أيضاً في استنبول. كان يجتمع في هذه المؤتمرات كل من مسؤولي الدولة والحكومة التركية ومسؤولي الجمهوريات التركية في القفقاس وآسيا الوسطى مع بعضهم ويباركون استقلال الدول التركية وحرية الترك. إن مصطلح “الترك” الذي يُستخدم هنا أيضاً هو بلا شك يعني “الأثنية التركية”. فمثلا لا نرى في واحدة من هذه الإجتماعات أي من جلال الطالباني و مسعود البرزاني.
4. كلما تطفو قضايا كل من كركوك والموصل، عندها دائما يقول مسؤولو الدولة والحكومة التركية: “في أي وقت يكون هناك ظلم على التركمان لن نقف مكتوفي الأيدي، سندافع دائماً عن حرية وحقوق التركمان… يجب أن يتّبع كل من الطالباني والبرزاني سياسة موزونة في هذا الإتجاه. يجب أن لا يُهمِلا مصلحة الترك. إننا نحذّر مرّة أخرى كل من الطالباني والبرزاني تجاه هذا الموضوع …!” في الحقيقة إنّ مصطلحا “الترك” و”التركمان” اللذان ذُكرا هنا يُمثلان “الأثنية التركية”.

في هذه الأمثلة الأربعة أيضاً وكما ظهر بشكل واضح جداً أنّ مصطلح “الترك” يُشير إلى الأثنية التركية. أيضاً ظهر بشكل واضح في هذه الأمثلة أنّ “الكورد” لا يدخلون ضمن محتوى هذا التقييم. إذاً كلما تم التحدّث عن “الترك”، فإنّ “الكورد” لا يُشملون ضمن سياق الموضوع. لكي يتم التحدّث عن الكورد ولكي يُذكر الكورد، يجب أن يُذكر اسم “الكورد”. ففي المادة 66 من الدستور الدائم لعام 1982 هناك قول يقول بأنّ “كل شخص مرتبط بالدولة التركية كمواطن هو تركي” ونجد نفس القول أيضاً في المادة 54 من الدستور الدائم لعام 1961. وهذا موضَّح وكأنّ لهذا الأمر أكثر من معنى إرتباط المواطنة، وأكثر من معنى حقوق المواطنة، بل أكثر من ذلك كله وكأنّه حقيقة إجتماعية. هنا عدّ الكورد وكأنّهم ترك هو قرارٌ بيروقراطي وآيديولوجي. إنّ هذا القرار يدلُّ على أنّه محميٌّ من قِبَل الدولة بتدابير جزائيّة وإداريّة ومُدافع عنه، ولكنّه لا يدل على أنّه يتحدّث عن حقائق إجتماعيّة. وهذا واضح للعيان من خلال السنوات الأخيرة والإعتراف بالهويّة الكورديّة. إنّ الكورد يُقبلون على أنّهم الهويّة الدنيا ومسؤولي الدولة، مثل رئيس الجمهورية، يشترطون قبول الهويّات الدنيا بقبول الهويّة التركية العليا.

من الممكن أن يكون ضمن حدود الدولة القوميّة أكثر من مجموعة أو أقلية أثنية، وأن تستوعب الدولة هذه الهويات كهويات دنيا وتعرّفها بهذه الطريقة، وأنّ الهويات الدنيا مرتبطة بالهويات العليا. ولكن ضمن هذه الشروط أيضاً يجب ألاّ تُذكر الهويّة العليا فقط والتي تتشكّل منها الأمّة.

يقترح كل من البروفسور باسكين اوران والبروفسور إبرهيم كاب اوغلو مصطلح “الإنتماء إلى تركيا” بأنه الهويّة العليا. يُبحث هذا الإقتراح في “تقرير حقوق الاقليات وثقافتهم” من قِبَل اللجنة الإستشاريّة لحقوق الإنسان التابعة لرئاسة الوزراء (Başbakanlik insan Haklari Danişma Kurulu). ولكن وكما لاحظنا ضمن النقاط الاربعة التي تمّ بحثها، إنّ مصطلح “الترك” يشير إلى العرق التركي والقومية التركية. عندها يُصبح التفسير الآيديولوجي بأنّ مصطلح “الترك” لا يدل على اسم اثنية بعينها، بل يشمل كل الذين يعيشون في تركيا. وهذا لا يُشير إلى الحالة الإجتماعية. إنّ كلمة “تركيا” مُشكّلة من كلمة “ترك”، إذاً لكي يتم قبول هويّة عليا في تركيا يجب أن يُقبَل “الترك” أيضاً مثل غيرهم كهويّة دنيا.

ويضيف البروفسور باسكين في هذا الموضوع، إنّ اسم “تركيا” مصوغ من قِبَل الغرب واسم “الترك” اُستُخدِم من قِبَل الصينيين. ويقول بأنّ اسم “تركيا” اُستُخدِم من قِبَل الغرب منذ أيام الهجمات الصليبيّة وإلى يومنا هذا، لذا يجب أن يُستخدَم هذا الاسم. ويقول أيضاً بأن الغرب كان يُسمّي الأناضول والمناطق التي يعيش فيها الكورد والمناطق الناطقة بالعربية ﺑ “تركيا”. إنّ تصريحات البروفسور باسكين اوران يدفع بالمرء إلى التفكير بأنّ الغرب لم يفعل شيئاً لصالح الكورد، فمنذ مئات السنين والأمر على هذا الحال. إذاً ماذا يوجد في أساس معاداة الغرب للكورد؟ فيجب أن يُنسب هذا أيضاً إلى عهد الهجمات الصليبيّة. إنّ القائد الذي الذي واجه الهجمات الصليبيّة والغرب بأسره هو صلاح الدين الأيوبي، وصلاح الدين هذا كان كورديّاً.

يمكن أن تكون هذه الحقيقة هي أساس معادة الغرب للكورد. إذاً هل يحترم العرب الشعب الكوردي نتيجة تصدّيهم للحملة الصليبيّة؟ يجب أن يكون الجواب هنا أيضاً ﺑ “لا”. في عام 1961 قام الكورد بقيادة الملا مصطفى البرزاني بالنضال من أجل الحريّة. إنّ القيادة العربيّة في العراق شكّلت مفرزة من المتواطئين من الكورد (الجحوش) لتقوم بمحاربة الكورد الذين يناضلون من أجل الحرية. في عام 1963 وما بعد سُمّيت تلك المفارز “أسود صلاح الدين” أو “فرسان صلاح الدين”. وكانت المفارز المشكّلة من العرب تُسمّى ﺑ “أسود خالد بن الوليد”. هذه المعلومات موجودة في المجلد الثاني من كتاب مسعود البرزاني ص99 “البارزاني والحركة التحررية الكوردية” مطبوعات دوز، استنبول 2005.

يُمكن فهم معاداة الكورد من قِبَل الدُّول التي تحتلهم، ولكن معاداتهم من قِبَل الغرب موضوع هام يجب دراسته.
27/9/2006
(*)
• النص الأصلي باللغة التركية “Kürt Kimliği” منشور في www.peyamaazadi.org، و ترجمتها الكوردية من قِبل الأخ روشان لازكين منشورة في www.peyamazadi.org .
• النص مُترجُم عن الكوردية ومقارَن مع التركية، وبموافقة واطّلاع الأخ الدكتور اسماعيل بيشيكجي.

(**)
اعتمدتُ التسمية “ترك” دون التسمية “أتراك”، ذلك كما نعتمد أنا والإخوة تسمية “الكورد” وليس “الأكراد” كي نكون عثرة أمام ثقافة إهانة الشعوب. علماً أنّ معظم المتتبّعين في سوريا وغربي الوطن يعلمون أنّ عدم التداول بتسمية “الأكراد” في معظم الكتابات والبيانات جاء نتيجة الإصرار والمتابعة الدؤوبة لـ K.M.Ç والناشطين فيها.