الرئيسية » مقالات » الحوار الفلسطيني – الفلسطيني

الحوار الفلسطيني – الفلسطيني

محال أن يلتئم شمل الفلسطينيين وتتوحد كلمتهم حول قضاياهم، مهما جاءت الجولات والصولات والحوارات، سواء “من تحت الطاولة أو من فوقها” لتسوق لحوار فلسطيني – فلسطيني، لا لأن لعنة الفرقة والشقاق قد لحقت بهم، وإنما لكون “المعضلة” الفلسطينية باتت أسيرة الأجندات الإقليمية وجزءاً من مشاريع، ستبقى تشد الخناق على كل خطوة من شأنها إخراج المواطن الفلسطيني من حالة الإنهاك، والقضية الفلسطينية من حالة الاحتقان، والوصول بها إلى التفاعل مع استحقاقاتها بما تخدم المصلحة الفلسطينية. وعليه فلا المواقف المنددة بجرائم إسرائيل “المتكررة”، ولا قرارات مجلس الأمن والمبادرات السلمية، ولا القمم العربية وغضب الشارع العربي، بشعاراته وهتافاته، ستكون لهما القدرة والقوة على لجم الانقسام الحاد في البيت الفلسطيني، خاصةً وأن معطيات “حرب” غزة، وما خلفتها من خراب وقتل ودمار، وكذلك تفكيك في أوصال القوى الفلسطينية ودخولها – بالنيابة – معركة “تصفية الحسابات” بين الأجندات المتصارعة، أوحت بتعقيدات المعادلة المتحكمة بمفردات الصراع، لاستنادها إلى لعبة سياسية إقليمية، يحاول كل طرف الدخول من خلالها بهدف تسجيل النقاط لخياراته، وتحقيق مكاسب سياسية بغية الاستقواء بها وتعزيز موقعه في مواجهة الترتيبات المستقبلية للمنطقة. بمعنى آخر، لم تكن غزة، كما لبنان والعراق، سوى نقطة العبور لدى تلك الجهات المدعية بتباكيها على القضية الفلسطينية، ومواجهتها للمخططات الإسرائيلية، بل الداعية إلى زوالها، لأن تحتل موقعها ضمن الخارطة السياسية، عبر إمساكها ببعض ملفات الضغط في مسار الصراع العربي – الإسرائيلي، وإن كانت لم تسجل يوماً هدفاً في المرمى الإسرائيلي ..
فبالاستناد إلى ما ذكر نستطيع القول، أن ما جرى ويجري من حوار بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، هو في حقيقته عملية شد الحبل بين تلك الأجندات، قوى “الاعتدال العربي” من جهة، والمحور المسمى بـ “الممانعة” من جهة أخرى، وإن كان يتخذ أشكالاً ومسميات متعددة ومتنوعة، منها العودة إلى المرجيات “التهدئة”، أو الوصول إلى توافق سياسي، تحاول الدول الراعية للحوار – مصر والسعودية – من خلاله إيجاد غطاء عربي للأزمة، عله يسد المنافذ – قدر ما أمكن – في وجه الدور الإيراني وامتداداته، كي لا يمتد أكثر في الساحة العربية، وألا يدير صراعاته مع الجانب الأمريكي ومشاريع التغيير في المنطقة عبر الورقة الفلسطينية وعلى حساب دماء أبنائها .. فالمشهد الفلسطيني وما يلفه من خطاب متناحر ومتباين حول أسس ومقومات الدولة الفلسطينية، وكذلك شكل الصراع وآلياته، يحيلنا إلى الاعتقاد بأن “التهدئة” المزعومة ستكون وقتية لا محالة، وأن عملية “تبويس اللحى” بين طرفي الخلاف – إذا ما حصل – قد لا يكون له أي مفعول أو ترجمة على الأرض، إذا ما أخذنا في الاعتبار عدداً من النقاط الخلافية “الجوهرية”، واعتبارها مدخلاً لأي توافق فلسطيني، ومن تلك النقاط، أن حركة حماس التي شكلت الحكومة نتيجة فوزها في الانتخابات وضمن أجواء التسوية والانسحاب الإسرائيلي من الضفة والقطاع، تتبجح اليوم، بعد أن شقت عصا الطاعة على المؤسسات الشرعية وأقامت لنفسها دويلة في غزة، برفضها لمشاريع التسوية، وعدم اعترافها بإسرائيل، وكذلك بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، أوسلو على سبيل المثال، وتخوينها لكل من يقر ويعترف بتلك الاتفاقيات، دون أن تكون لديها القدرة على مواجهة حقيقتها، وحقيقة أنها جاءت إلى السلطة بنتيجة تلك الاتفاقيات، وليس من خلال المواجهة أو مفهوم الانتزاع، وأن وضعها وطرحها تتطلبان منها التخلي عن السلطة، لكونها نتاج تلك التسويات، وليس الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، التي فيها إقرار ضمني بوجود إسرائيل، وإن كانت تحركاتها تشير إلى هدف بعينه، وهو إضفاء الشرعية على وضعها، وتقديم نفسها كبديل عن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، كما لوحت بذلك عبر تصريحات رئيسها خالد مشعل، حول ضرورة قيام كيان فلسطيني بديل عن منظمة التحرير. فضلاً عن أنها – حماس – تحاول التسويق لخطاب سياسي في الشارع العربي، حين تتحدث عن انتصاراتها في غزة وتخاذل السلطة الشرعية حيال الحقوق الفلسطينية، مع أن تلك الانتصارات قد أخذت مفهوماً مغايراً من لدن المراقبين، نظراً للكم الهائل من الخراب الذي لحق بالقطاع وعدد الضحايا الذين سقطوا، وأيضاً التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني ومسيرات التنديد التي جابت العواصم، العربية منها والدولية، وهي تدعوا إلى وقف العدوان، وتحمل إسرائيل مسؤولية ما جرى وهي تتحدث عن أهدافها المحققة، إلا إذا كانت تلك الانتصارات تصب ضمن مفهوم الحزبية، وما أوردتها بعض الوكالات والمنظمات الحقوقية من إقدام حماس على تصفيات جسدية لبعض الكوادر المتقدمة لحركة فتح ..؟. وهنا نتساءل : هل الحوار الفلسطيني – الفلسطيني هو حوار المنتصرين، أم أنه حوار بين طرف يدعوا إلى التهدئة والخروج من الأزمة، وطرف يدعي الانتصار ويبحث عن عناصر المواجهة، مع أن هذه العناصر تتطلب، بالدرجة الأولى، ترتيب البيت الداخلي، وهذا ما يفتقده الجانب الفلسطيني، ووحدةً في الموقف العربي ونحن نرى فيه انقساماً حاداً، لا بل أصبحت المواجهة الحقيقية بين جهة تحاول التعاطي مع الوقائع، وجهة تحاول أن تفرض خياراتها عبر التمسك بالشعارات والخطابات، لتكون النتيجة أن إسرائيل هي الرابحة، بينما المواطن الفلسطيني هو الخاسر أولاً وأخيراً، حتى لو أراد البعض أن ينسج لنفسه خيوط الأمل ويراهن، إما على الدور التركي أو الخطاب العربي المقاوم أو حتى الانتخابات الإسرائيلية وإدارة باراك أوباما، على غرار المنكسرين في شرقنا وهم يتوهمون بأن الإدارة الأمريكية الجديدة لها كل القدرة في أن تجد بلسماً لكل قضايانا العالقة، سواء ما تعلقت منها بالأنظمة الديكتاتورية أو بالتيارات المتطرفة، وحتى بالجهات التي تسوق للإرهاب أو تمارسها .