الرئيسية » مقالات » الثورة الخمينية ضد مسار التاريخ

الثورة الخمينية ضد مسار التاريخ

تمر هذه الأيام الذكرى الثلاثون للثورة الإسلامية الخمينية في إيران. وفي هذه المناسبة من الضروري مراجعة هذه الفترة وتقييم المرحلة بشكل موضوعي وحيادي على قدر الإمكان، بعيداً عن العواطف لاستخلاص الدروس والعبر من التجربة الإيرانية.

من الحقائق المعروفة أن التطور الطبيعي التدريجي هو سنة الحياة ويشمل كل شيء في الوجود، الطبيعة والمتجمع البشري على حد سواء. ولكن إذا ما حصلت معوقات وعراقيل أمام التطور الطبيعي السلمي التدريجي في مجتمع بشري ما، فيحصل تراكم كمي لمتطلبات التغيير، ومع الزمن يصل هذا التراكم إلى نقطة الانفجار على شكل ثورة دموية مدوية والتي هي استحقاق تاريخي للتعويض عن الزمن الضائع، وعلى ما فات من تطور بسبب المعوقات.

كما وهناك بديهية تفيد أن كل مرحلة تاريخية هي وليدة المرحلة السابقة. لذلك يمكن القول أن مرحلة حكم شاه إيران هي التي هيأت الظروف الموضوعية للثورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك بسبب الظلم وعدم إنصاف الجماهير الواسعة ومشاركتها في ثروات البلاد الهائلة. وكما هو معروف في علم الاجتماع أن الثورات لا يمكن تفجيرها “حسب الطلب” أو بفرمان من أحد، وإنما هي نتيجة تراكمات ومظالم، ومتطلبات سياسية واجتماعية واقتصادية، تلح على التغيير، وعندما تنتفي الوسائل السلمية الديمقراطية لتحقيق هذا التغيير والتحولات المطلوبة، وتتوفر لها الظروف الموضوعية والعوامل الذاتية، عندئذِ يحصل التغيير عن طريق الثورة المسلحة بالعنف الدموي وما يصاحب ذلك من هزات عنيفة وسفك دماء واضطرابات خطيرة تزعزع السلم الاجتماعي.

وتأسيساً على ما تقدم، يمكن القول أن الأوضاع الإيرانية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أواخر عهد الشاه كانت حبلى بثورة، وكانت فقط تنتظر توفر العوامل الذاتية، أي القيادة السياسية الحكيمة لتفجير الثورة وقيادتها وفق المستحقات التاريخية. ولكن مع الأسف الشديد، ولسوء حظ الشعب الإيراني وشعوب المنطقة، لم تتوفر القيادة التاريخية المطلوبة المتفهمة لقوانين حركة التاريخ واحتياجات الشعب، بل جاء رجال الدين بقيادة الخميني واستغلوا الشحنة الثورية المتراكمة والمتنامية في صدور الجماهير، ووجهوها لصالح الإسلام السياسي، وبذلك استطاعت القيادة الدينية اختطاف الثورة وتفجيرها وتحريفها ضد مصالح الجماهير، ولتقودها ليس وفق مسار وقوانين حركة التاريخ لتحقيق حياة أفضل للجماهير الشعبية الجائعة التي كانت تأمل من الثورة توفير الخبز والحرية والحياة الكريمة للشعب، بل هيمن رجال الدين بقيادة الإمام روح الله الخميني، على الثورة وقادوها عكس اتجاه حركة التاريخ، وعلى الضد من مصالح الجماهير، مع رفع شعارات دينية وتصدير الثورة إلى دول المنطقة. وجاء تأكيد ذلك على لسان الخميني عندما قال “أن الشعب الإيراني لم يثر من أجل العلف”، ويقصد بذلك أن الشعب لم يثر من أجل تحسين أحواله المعيشية الاقتصادية، بل من أجل نشر الإسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية، وكأن شاه إيران قد منع الناس من ممارسة العبادات وغيرها من شعائرهم الدينية. وهنا كانت الكارثة حيث أصيب الشعب بخيبة أمل وضياع الفرصة والثورة.

وعليه فالثورة الخمينية، هي ثورة مشوهة ومغشوشة ومنحرفة، وضد قوانين حركة التاريخ ومساره الطبيعي، وضد الطبيعة البشرية، فلا هي ثورة اجتماعية- اقتصادية لتحقيق الرفاه الاقتصادي للشعب، ولا هي بالثورة الإسلامية الحقيقية. فالثورة الإسلامية الحقيقية الوحيدة هي الثورة التي قادها محمد بن عبدالله في الحجاز قبل 14 قرناً، كما أكد ذلك المفكر الجزائري- الفرنسي، الأستاذ محمد أركون، أما الثورات الإسلامية الأخرى مثل ثورة محمد بن عبدالوهاب الوهابية في صحراء الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر، والثورة الخمينية في إيران عام 1979 فهي ليست ثورات أصيلة بل هي تقليد، والتقليد مآله الفشل والزوال. وهكذا فشلت الحركة الوهابية بعد أن جلبت الكوارث على المسلمين حيث صارت أيديولوجية الإرهاب، وكذلك الثورة الإسلامية الخمينية في إيران تحولت إلى كارثة على الشعب الإيراني وشعوب المنطقة وبالأخص الشيعة العرب في الدول العربية حيث راحت الحكومات العربية تشكك في ولاء أبناء شعوبها من الشيعة لبلدانها.

كذلك لا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن ثورة الخميني هي ضد المبادئ الأساسية للإسلام، إذ دشن مبدأ (حكم ولاية الفقيه) ومنحها أهمية تفوق المبادئ الرئيسية للإسلام. ووفق هذا المبدأ ألغى الخميني دور الشعب في حكم نفسه وتقرير مصيره، وعامله كما يعامل الأب أطفاله الذين لا يفهمون ما ينفعهم وما يضرهم. فرغم وجود انتخابات برلمانية ورئاسية في إيران، إلا إن الحكم الحقيقي هو بيد مرشد الثورة الإسلامية ومجلس حماية الدستور غير المنتخبين من الشعب.

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هو: هل الثورة حققت حلم الشعوب الإيرانية ببناء نظام متطور وتحقيق العدالة الاجتماعية والاستفادة من ثرواته الوطنية؟
الجواب: كلا، وإليكم الدليل:

1- فمن أولى الثمار الكارثية للثورة الخمينية أن وضعت الشعب الإيراني في حالة مواجهة غير متكافئة مع الغرب وبالأخص مع أمريكا، حيث تم اختطاف موظفي السفارة الأمريكية في طهران بعملية إرهابية لمدة 444 يوماً، ومنذ ذلك الوقت وإلى الآن، يعيش الشعب الإيراني في حالة عزلة عن العالم المتحضر.

2- ومن نتائج هذه الثورة، الحرب العراقية- الإيرانية التي دامت ثمان سنين عجاف أتت على الحرث والنسل، وأحرقت الأخضر واليابس في البلدين، وبغض النظر عن البادئ لهذه الحرب، إلا إنه من المعروف أن الخميني رفع شعار تصدير الثورة الإسلامية إلى الدول العربية مهدداً أنظمتها بالزوال. كذلك ارتكب الخميني خطأً كبيراً آخر عندما رفض عرض صدام حسين بعد سنتين من بدء الحرب لوقفها وقرار العراق بالانسحاب الكامل من الأراضي الإيرانية التي احتلها، إلا إن الخميني أصر على الاستمرار في الحرب أملاً في إسقاط النظام البعثي وإقامة نظام إسلامي في العراق على غرار نظامه في إيران يدين له بالولاء وفق مبدأ حكم (ولاية الفقيه)، ويتم الانطلاق من العراق إلى الدول العربية الأخرى!!

3- ورغم الثروة النفطية الهائلة التي تتمتع بها إيران، إلا إن حكومة الملالي لم تتخلص من أحلامها الفنطازية في بناء ترسانتها العسكرية وتحقيق برنامج السلاح النووي للهيمنة على شعوب المنطقة، إذ راحت تبدد الثروات في سباق التسلح على حساب معيشة الشعب. وكما حصل للنظام البعثي الصدامي في العراق، فإن مصير هذا التسلح معروف وهو وبال على الشعب.

4- وأما عن معاناة الشعب في ظل حكم الملالي فاقتبس بعض الأرقام من تقرير قدمه رئيس الشؤون الثقافية في بلدية طهران الشيخ محمد علي زام، وكشف عنها خلال مؤتمر صحفي يعد الأول من نوعه من حيث الشفافية والصراحة والنقد الذاتي، وهو بالتأكيد ليس من أعداء النظام، جاء فيه ما يلي: (…. إن 12 مليون مواطن من 60 مليون، أي 20 بالمائة من الشعب الإيراني يعيشون تحت خط الفقر، وربما كان الواقع أكثر من ذلك بكثير قد يتجاوز نسبة الخمسين بالمائة، وإن 35 مليون مواطن هم دون العشرين. وقد ولد هؤلاء في ظل الحرب ووجدوا أمامهم المستقبل غامضا ومغلقا ولا يؤهلهم لإقامة حياة اجتماعية طبيعية، مما يفسر حالة الانحلال الجنسي وتزايد نسبة الزنا خلال السنتين الأخيرتين فقط بنسبة 635% وانخفاض معدل عمر الزناة من 27 سنة الى 20 سنة ، حسبما يقول التقرير. وقديما قيل:” اذا دخل الفقر بلدا قال له الكفر خذني معك” فكيف اذا كان نظام الحكم المسؤول دينيا ويعتبره الفقراء مسؤولا عن فقرهم وتعاستهم؟ وكيف إذا مارس الحكم الديني الديكتاتورية والعنف مع المعارضة؟ (من مقالة أحمد الكاتب، لماذا يتراجع الإيرانيون عن الالتزام الديني؟)

5- كما وفشل النظام الإسلامي في منع الرذيلة وحماية الفضيلة، إذ تفيد التقارير أن في طهران وحدها نحو 30 ألف مومس، وفي عموم إيران نحو 300 ألف مومس يمارسن البغاء بسبب الفقر. أما نسبة تعاطي المخدرات، ففي إيران هي الأعلى من أي بلد آخر في العالم. كما ونحو 80% من الشعب الإيراني لم يمارس الطقوس الدينية.

ومن كل ما تقدم، نعتقد أن الثورة الخمينية قد جلبت الكوارث على الشعب الإيراني وأنها ضد قوانين حركة التاريخ ومآلها الزوال كما أزيل الحكم البعثي الصدامي في العراق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كتب هذا المقال استجابة لدعوة كريمة من الصديق الدكتور رياض الأمير، رئيس تحرير صحيفة (عراق الغد) الإلكترونية لإعداد ملف خاص بمناسبة الذكرى الثلاثين للثورة الإسلامية الخمينية في إيران.