الرئيسية » مقالات » الكورد.. في المعادلة السياسية السورية(الحلقة الثالثة)

الكورد.. في المعادلة السياسية السورية(الحلقة الثالثة)

مواقف الكتل السياسية من القضية الكوردية:

* رؤية الحركة الكوردية لقضيتها: إننا سنحاول أن نقف على مواقف الحركة الكوردية وطرحها لقضيتها وذلك من خلال برامج بعض الأحزاب والكتل السياسية؛ (التحالف والجبهة ولجنة التنسيق) حيث أن تلك البرامج، من جهة، تشكل نوع من التوافق السياسي خاصةً بين الأحزاب المنضوية داخل أطر وجبهات محددة، ومن الجهة الأخرى؛ هي من الصعوبة أن نقف ونلم بكل البرامج السياسية للأحزاب الكوردية وذلك من خلال مقالٍ ما وإن كنا سنخصص مساحة ما للمنهاج السياسي الذي تبناه المؤتمر العاشر للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي). ولكن وقبل أن نقف عند تلك الرؤى وغيرها، يمكن القول بأن الحركة الكوردية في سوريا وخاصةً بعد تجربة السجن في عام 1961 “اتسمت بطابعها السياسي السلمي”، حيث تقول (ويكيبيديا، الموسوعة الحرة) بخصوص هذه المسألة: “نأت (أي الحركة الكوردية والتوضيح من عندنا – كاتب المقال) بنفسها وبالأكراد عن المواجهة الدامية ورد الفعل السوري العنيف”.

وكذلك تضيف الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) وتقول: “ظهرت الحركة الكردية في سورية في الثلاثينيات من هذا القرن على شكل جمعيات ونواد ثقافية واجتماعية ورياضية. وانحصر نشاط الحركة القومية الكردية في المطالبة بحقوق ثقافية وسياسية متواضعة. وتعاونت مع الجمعيات التي نشطت على الساحة التركية مثل جمعية خويبون. وأصدرت مجلة “هاوار” (أي الصرخة) باللغة الكردية. وتأسس في سورية الحزب الديموقراطي الكردستاني، عام 1957، وترأسه الدكتور نور الدين زازا، ودعا في انطلاقته إلى تحرير كردستان وتوحيدها عن طريق الثورة. وطال الاعتقال عام 1960، معظم قياديي الحزب، فانفرط عقده. ولما خرج قادته من السجون، عام 1961، أعادوا النظر في برنامجهم وقصروه على المطالبة بحقوق الأكراد السوريين الثقافية والسياسية”. وتضيف أيضاً “ظهر في الوقت نفسه حزب كردي آخر، هو الحزب الديموقراطي اليساري الكردي، أراد المشي في النهج الثوري الأول للحزب الديموقراطي الكردستاني، لكنه اضطر بدوره إلى انتهاج سياسة معتدلة في أواخر الستينيات”. ويمكن التأكيد بأن تلك البرامج لم تشهد تعديلات جذرية إلا مؤخراً ومن قبل بعض الأحزاب الراديكالية واليسارية كالحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) وكلٍ من حزب آزادي وحزب يكيتي الكردي في سوريا.

ولتوضيح الفكرة للقارئ – أكثر – نقتطع الفقرة التالية من المنهاج السياسي للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) حيث يطالب في المادة الخامسة من المنهاج ما يلي: “ينطلق ((البارتي)) في نضاله من واقع وجود شعب كردى في سوريا يعيش على أرضه التاريخية، وهي بذلك تكون قضية (أرض وشعب) وهو يشكل القومية الثانية في البلاد بنسبة 15% وتتنكر السلطات بشكل تام لوجوده وما يستتبع ذلك من حرمانه من كافة حقوقه القومية المشروعة ويتعرض لسياسة الصهر القومي والتمييز العنصري في العديد من المشاريع الشوفينية كالإحصاء الرجعي الجائر لعام 1962 والحزام العربي العنصري الشوفيني وسياسة التعريب الشاملة للمناطق الكردية وإجراءات اقتصادية شوفينية تهدف إلى إفقار المناطق الكردية رغم مداخيل الإنتاج العام المرتفعة لهذه المناطق وندرة شديدة في الخدمات العامة والتمييز في كل مظاهر الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والخدمية”.

ويطرح الحزب (أي البارتي) رؤيته لحل القضية الكوردية في غرب كوردستان (سوريا) وذلك من خلال تحقيق المطالب التالية:
1ـ إزالة جميع المشاريع الشوفينية من حزام وإحصاء ومعالجة آثارها وتداعياتها، والتعويض عن المتضررين منها.
2_ الكف عن سياسات التعريب وإزالة جميع آثارها وإعادة الأمور إلى ما هي عليه قبل سياسات التعريب.
3ـ الاعتراف بوجود الشعب الكردي في سوريا كشعب يعيش على أرضه التاريخية (قضية أرض وشعب) ويشكل القومية الثانية في البلاد بنسبة 15% وإقرار ذلك في دستور البلاد.
4ـ تأمين الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية للشعب الكردي في سوريا عبر تحقيق ما يلي:
أولاً ـ على الصعيد السياسي:
أ- تحقيق الإدارة الذاتية للمناطق الكردية.
ب- تمثيل الشعب الكردي في المؤسسات المركزية للدولة (البرلمان والحكومة والنقابات المركزية المختلفة من غرف صناعة وتجارة وزراعة ومختلف النقابات المهنية سواء ذات الطابع السياسي أو المهني أو الخدمي بنسبة تماثل نسبة السكان أي بنسبة 15%).
ت- إعادة النظر في الحدود الإدارية للمناطق الكردية وإحداث محافظات ومناطق جديدة في تلك المناطق.
ث- تمكين الشعب الكردي من المساهمة في شؤون إدارة البلاد العامة وعلى قاعدة الشراكة الوطنية.
ثانياً ـ على الصعيد الثقافي:
أ- الاعتراف الدستوري باللغة الكردية كلغة أولى في المناطق الكردية إلى جانب اللغة العربية واللغة الثانية في عموم سوريا وذلك بغية تحقيق التواصل والتفاعل الثقافي بين أبناء البلد الواحد.
ب- إحداث مديريات خاصة في الوزارات ذات الشأن والتي تهم المناطق الكردية خاصة في وزارة الثقافة والتربية والتعليم ا لعالي مثل (إحداث مديرية للثقافة الكردية في وزارة الثقافة ـ تشكيل لجان كردية خاصة في وزارات التربية والتعليم العالي).
ت- العمل على تطوير مختلف أوجه الثقافة الكردية من لغة ـ فولكلور ـ موسيقى ـ فن ـ نشرات ثقافية مختلفة وتأمين مستلزمات وسبل تطويرها.
ث- تدريس اللغة الكردية في الجامعات والمعاهد المركزية كأحد اللغات الوطنية (كمادة إضافية في معظم كليات الأدب والعلوم الإنسانية والاجتماعية وكمادة تخصصية تمنح بموجبها شهادة جامعية أو شهادة معهد في اللغة الكردية تؤهل حاملها لتدريس هذه اللغة).
ج- إعادة النظر في مناهج التدريس في وزارتي التربية والتعليم العالي بحيث تقر فيها بوضوح بواقع الشعب الكردي ولغته وثقافته وفولكلوره… وكل ما يتعلق به.
ح- السماح بإصدار نشرات دورية ثقافية أدبية فنية… وكل أشكال الأنشطة التي تساهم في تعزيز وتطوير اللغة والثقافة الكرديتين ونشرها في عموم البلاد.
خ- تخصيص ساعات محدودة من الإعلام السوري الرسمي (التلفزيون والإذاعة) للغة والثقافة الكرديتين.
ثالثاً ـ على الصعيد الاجتماعي:
أ- السماح للفرق الفولكلورية الفنية بالعرض والاستعراض في مختلف المحافظات والمهرجانات العامة والخاصة.
ب- السماح بإقامة الحفلات الفنية العامة الخاصة باللغة الكردية دون أخذ موافقة الجهات الأمنية.
ت- السماح بالأعياد القومية الكردية (عيد النوروز ـ جارشه مه ره ش الخاص بالأخوة الايزيدية).

يمكن القول بأن الرؤية السابقة لحل القضية الكوردية في غرب كوردستان (سوريا) والتي أقتطعناها من المنهاج السياسي للبارتي تشكل تقاطعاً بين مجموع الأحزاب ذات التوجه اليساري والراديكالي – كما قلنا في البداية – ولكن ولكي لا نقع في التعويم والتعميم سوف نقف عند كل من الرؤية المشتركة للجبهة والتحالف الديمقراطي الكردي من جهة وكذلك الرؤية التي طرحتها لجنة التنسيق الثلاثية وأخيراً سنقف عند الرؤية التي خرجت بها مؤتمر باريس والذي ضم أغلب الأحزاب الكوردية، إن لم نقل جميعها، وذلك في الأول من كانون الثاني لعام 2005م.

تقوم الرؤية المشتركة للتحالف والجبهة على معالجة القضية من خلال ثلاث محاور محددة؛ حيث المحور الأول يتناول الإجراءات الاستثنائية والتي تعرض لها الكورد دون سواهم وبالتالي فيجب إلغاءها ومعالجة آثارها ويتم تحديدها في الرؤية بالنقاط التالية: “إلغاء السياسة الشوفينية وسياسة التعريب والقوانين الاستثنائية والمشاريع العنصرية المطبقة بحق الشعب الكردي في سوريا وإزالة آثارها، وفي المقدمة منها قانون الإحصاء الاستثنائي الخاص بمحافظة الحسكة عام 1962، والحزام العربي، والتعويض على المتضررين وإعارة المناطق الكردية اهتماماً خاصاً في فترة انتقالية تكفي لإزالة آثار الإهمال المتعمد لها. إعادة الجنسية للمجردين منها، وفتح باب التسجيل للمكتومين وإنصافهم أسوة بغيرهم من المواطنين. إعادة الأسماء الكردية إلى القرى والمناطق والمحال التجارية ..الخ”. وهكذا يتم تلخيص الإجراءات الاستثنائية بالنقاط السابقة الذكر.

والمحور الثاني يتعلق بالمجال الثقافي والاجتماعي؛ حيث يطرح فيه مجموعة النقاط التالية: “تأسيس هيئات خاصة بالشأن الثقافي والتربوي والتعليمي الكردي في الوزارات المعنية للإشراف والعمل على تطوير اللغة والثقافة الكرديتين، وإحياء التراث القومي الكردي والاهتمام بأدبه وفولكلوره. السماح بإصدار صحف ومجلات باللغة الكردية ( سياسية، ثقافية، أدبية..الخ). السماح بتأسيس جمعيات وأندية ثقافية، وفرق فنية وفولكلورية.. إجازة البث الإذاعي والتلفزيوني باللغة الكردية، وتخصيص أوقات للبث بهذه اللغة في المحطات الرسمية. تدريس اللغة الكردية في المدارس والجامعات واعتبارها اللغة الثانية بعد العربية في البلاد. الترخيص بافتتاح مدارس خاصة للكرد تحت إشراف الوزارات المعنية. فتح باب العمل والتوظيف أمام الكرد، وفق الشروط المطبقة مع سائر المواطنين. إجراء بحث اجتماعي دقيق في محافظة الحسكة وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين، كل في منطقته على قدم المساواة وفق معايير اجتماعية معاشية عادلة”.

والمحور أو الجانب الأخير يتناول المجال السياسي؛ حيث يطالب بـ”الإقرار الدستوري بالوجود القومي الكردي كثاني قومية في البلاد، وتأمين ما يترتب على ذلك من حقوق (سياسية وثقافية واجتماعية)، وحل القضية الكردية حلاً ديمقراطياً عادلاً على قاعدة وحدة الوطن. إشراك الكرد وتمثيلهم في المؤسسات الدستورية المركزية والمحلية تبعاً لواقعهم السكاني. إعادة النظر في التقسيمات الإدارية في المناطق الكردية، وتطوير الإدارة المحلية فيها بما يتلاءم مع خصوصيتها القومية. إحداث وزارة خاصة لها مديرياتها في المحافظات المعنية تهتم بشؤون القوميات والأقليات القومية”. هذه هي – باختصار – رؤية الكتل والأحزاب السياسية الكوردية المنضوية تحت راية كل من الجبهة والتحالف الكورديين معاً. ونلاحظ بأنها تتقاطع في العديد من النقاط – إن لم نقل أغلبها – مع رؤية (البارتي) في منهاجها السياسي ولكن يجب لا تغيب عن بالنا نقطة أساسية تم نسفها في الرؤية المشتركة؛ ألا وهي غياب إعتبار أن “القضية الكوردية في سوريا هي قضية أرض وشعب”؛ أي الجغرافية الكوردستانية والتي على أساسها بنى (البارتي) وغيره من بعض القوى، التي ذكرناهم قبل قليل، رؤيتهم لحل المسألة الكوردية في غرب كوردستان.

وإذا عدنا إلى الرؤية التي اقترحتها (لجنة التنسيق) والمؤتلفة من كل: حزب آزادي وحزب يكيتي وتيار المستقبل الكردي فإننا سوف نلاحظ حجم وكبر مساحات التقاطع بين الرؤيتين؛ رؤية لجنة التنسيق من جهة ومن الجهة الأخرى الرؤية المشتركة لكل من الجبهة والتحالف. ولكن يمكن القول بأن هناك نقاط تفصيلية أكثر في (رؤية لجنة التنسيق) حيث تقف عند بعض المسائل برؤية أكثر وضوحاً وشفافيةً وأيضاً تطرح بعض النقاط التي لم تطرحها (رؤية الجبهة والتحالف)؛ فمثلاً في الجانب الوطني وبالإضافة إلى ما ورد في الرؤية المشتركة لهذا الأخير تطالب رؤية لجنة التنسيق بـ”اعتماد مبدأ الحوار.. (و)التوافق الوطني أساساً في إقرار وصياغة القضايا والمسائل كافة” وكذلك مسألة “تحقيق مبدأ المساواة بين المرأة بالرجل وضمان حقوقها كافة بما ينسجم مع مبادئ الدولة العلمانية.. (و) الاهتمام بالشباب.. (و) المؤسسات الثقافية والتربوية.. (وهكذا) فصل الدين عن الدولة وتأكيد علمانية الدولة” وكذلك الوقوف عند مسألة الاهتمام “بشؤون القوميات والأقليات القومية” مع أن هذا الأمر يرد مرة أخرى في الرؤية نفسها للجنة التنسيق وكذلك عند كل من الجبهة والتحالف وذلك عند الوقوف على القضية الكوردية وفي الجانب السياسي منها وبالتالي فيمكن اعتبار ورودها هنا نوع من التوضيح والزيادة وليس التباين والاختلاف.

أما مؤتمر باريس والذي أنعقد بتاريخ (1122005) بحضور وتمثيل الكتل السياسية الكردية الأساسية والفاعلة في ساحة إقليم كوردستان (سوريا) وإلى جانبهم مجموعة من الشخصيات الثقافية والسياسية الكردية منها والعربية وأيضاً الأجنبية (أوربية وأمريكية) فقد خرجوا؛ (أي المؤتمرون) بمجموعة توصيات حول الوضع السوري بشكلٍ عام وعلى الأخص ما يتعلق منها بالقضية الكوردية والعمل المشترك وتوحيد طاقات الشعب الكوردي ضمن ميثاق وطني جامع وصولاً لحل عادل لقضية شعبنا والتي يمكن تلخيصها في البنود التالية: بـ”أن القضية الكردية في سوريا قضية شعب على أرضه التاريخية، وأنه لا بد من الاعتراف بالقومية الكردية كثاني قومية في سوريا وإيجاد حل عادل لهذه القضية، هذا الحل الذي يتطلب بالضرورة إزالة كافة المشاريع العنصرية والقوانين الاستثنائية بحق الشعب الكردي، والاعتراف الدستوري بلغته والدعوة إلى إطلاق الحريات العامة وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي وإنهاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية والتأكيد على قاعدة التكافؤ والشراكة الفعلية وضرورة إيلاء الاهتمام بتفعيل حوار عربي كردي خدمةً للنضال الموحد من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان”.

وهكذا يمكن القول في الختام بأن الرؤى السابق تتقاطع وبشكلٍ جد واسع وبالتالي يمكن جعل توصيات مؤتمر باريس الأساس في الرؤية الكوردية المشتركة؛ حيث أجتمعت عندها الغالبية المطلقة من الأحزاب الكوردية وبالتالي تجميع الطاقات حولها للعمل على توحيد الصفوف وتقديم ورقة كوردية واحدة كبرنامج سياسي عصري وشفاف وينسجم مع متطلبات المرحلة ومستحقاتها من جهة ومن الجهة الأخرى يلبي طموحات ورغبات شعبنا لنيل كافة حقوقه القومية المشروعة. وبالتأكيد يجب أن لا يستبعد أي طرف أو كتلة سياسية من هذا الحراك السياسي الكوردي وأيضاً أن يكون للمستقلين؛ من شخصيات اجتماعية وطنية وثقافية و(رموز) دينية معتدلة، مكان في ذاك المحفل (المرجعية الكوردية أو المجلس السياسي) وأن تكون لها دورها في هذا المشروع القومي الكوردي وهكذا تجميع كل طاقات وإمكانيات شعبنا حول تلك الجبهة العريضة لتكون بحق المرجعية الكوردية في اتخاذ القرارات ورسم سياسات المرحلة الحالية والمقبلة للحركة الوطنية الكوردية في سوريا في علاقتها بالداخل مع قوى المعارضة أو السلطة نفسها وأيضاً في علاقتها بالأقاليم الكوردستانية الأخرى وقواها السياسية وكذلك في علاقتها مع العالم الخارجي عموماً.

هولير: 16/2/2009