الرئيسية » مقالات » سعيد ره ش … بيشمركة شجاع من البصرة الفيحاء ! ـ 2 ـ

سعيد ره ش … بيشمركة شجاع من البصرة الفيحاء ! ـ 2 ـ

ومن الجدير ذكره ان احد ابطال معركة ” جبل بنه باوي” كان النصير سعيد ره ش الذي لعب دورا بطوليا في الدفاع عن المنطقة حيث ذاع صيته وعرف بين ابناء المنطقة بصقر الحزب … واصبح مع النصير ” سه ركه وته ره ش” (1) ثنائيا محبوبا بين جماهير المنطقة وطبعا لأدوارهما البطولية وشجاعتهما في كسر شوكة العدو وغروره , حتى وصل الامر بهما الى انجاز عمليات عسكرية ناجحة وسط النهار داخل مدينة كويسنجاق وعلى الشارع الرئيسي الذي يربط بين اربيل وكويسنجاق وفي مناطق كثيرة اخرى ……….

كان الهدوء مخيفاً ….
انها صورة من صور الحرب …..رائحة البارود المثيرة للأشمئزاز تعم المنطقة ……. سيارات واليات محروقة ومتروكة في ارض المعركة … ادخنة متنوعة تتصاعد بلا هوادة من اكثر من مكان ….. خوذ عسكرية وبساطيل ونياشين مرمية على الارض …. وسط هذا الجو الخانق فجاة اسمع صوت النصير” ده ريا ” (2) يغني باعلى صوته بالأغنية الشعبية التي ذاعت في مناطق كوي :
جاوره شي ليو به خنده ….
ويدبك مع رفاقه الذين تشابكت ايديهم معاً في صف نصف دائري وهم يدبكون معه على انغام الاغنية الكوردية معبرين عن التلاحم والتكاتف والاخاء بشموخ يفوق الوصف , محتفلين ومبتهجين بالنصر …
” ده ريا ” يغني باعلى صوته :
و جاوبه جمعنا بكل حماس و على ذات اللحن :
اي به له نجه وبه له نجه …..
ويستمر :
جاو ره شي ليو به خه نده ……
ونجيبه :
اي به له نجه و به له نجه … (3)
وعلى ذلك يستمر الجميع على التبادل :
سه ركولمي ده ليي قه نده ……….اي به له نجه وبه له نجه
دنيــــــــــــا به بي بالاى تو ….واى بالاي تو
زيندانه و كوت به نده ………….. اي به له نجه و به له نجه ….


وسط هذه اللوحة الممزوجة بالبارود وشظايا القنابل والراجمات , حيث تتحرك الاجساد المتعبة المتلاصقة الاكتاف مع بعضها في دبكة كوردية وبحركات سحرية كانها كتلة واحدة من البشر ذات اكتاف متلاصقة . . كانت اكتافهم تهتز بحركات سريعة مع رفع قدم الايسر وثني الركبتين وثم ضرب القدم الايمن على الارض بقوة وبايقاع سريع حيث يمتزج مع هتافات وصيحات البيشمركة الذين كانت اصواتهم وضحكاتهم تتردد عالياً في فضاء النهار ,
التي كانت مبعثا للبهجة والتفاؤل والامل في نفوس انصار الحرية الذين كانوا يقارعون الدكتاتورية من اجل وطن حر وشعب بلا قيود وهم يرقصون بالقرب من نبع الماء الذي نجى باعجوبة من حمم الراجمات والمدافع ومن حمم الطائرات في هذا الوادي الضيق ……..
وحسب طقوس الانصار فان الانتصار لا يكتمل الا بالدبكة…نعم دبكة التحدي والمواصلة و التي اصبحت تقليدا انصاريا خالدا ….بهذه الطريقة كان الانصار يحولون الالام الى فرح ..والتعب الى راحة ….لمواصلة المشوار والسير للوصول الى الهدف المنشود ……..
……………………….
………………………
هاهو سعيد ره ش وسط المحتفلين يرقص الهيوة ويدور حول النصير ده ريا …. ويردد باعلى صوته الاغنية الكوردية وبلهجته الجنوبية العذبة مازجا الهيوة البصرية بالدبكة الكوردية …. اه …اه .. كم رائع ذلك البصري الجميل الذي ترتسم على ملامحه السعادة وعلى جبينه تلوح نشوة الانتصار والفخر والشموخ وفي عينيه اللؤلؤتين اللتين تشعان الاحلام باصلاح خراب العراق كله ………
اه …لهذا العرس الانصاري …
اه لهذا التحدي الجميل …
سعيد ره ش …. ذلك الصقر الشيوعي العربي الذي حطّ على “جبل باواجي” (4) والذي دخل قلوب اهالي المنطقة واحبوه حبا صادقا .. كانوا يسألون عنه باستمرار …وعندما كنا نبلغه بتحيات اهالي المنطقة عند رجوعنا للموقع كان يضحك ضحكة طفولية تدوي بين جدران الغرفة الطينية التي كانت تشبه عش الصقور ويقول : طبعا ..طبعا ….لاني احبهم ولأني مشتاق لرؤيتهم ايضا …..
ختاما اقول ….
اطمئن ايها البطل سعيد ره ش فهناك كثيرون يتذكروك ويسألون عنك ويقولون لا بد ان نلتقيه …. وسنلتقيه على شارع اربيل ـ كويسنجاق ….او في ” سه رباغ او به فري قه ندي او الجمعية .. ” (5) …او في ” ارموطة ” (6) او عند احد الينابيع في سماقولي …او …او ربما تعود مرة اخرى لتسكن بوابة مدينة كويسنجاق وتستنشق ملء رئتيك هواء المدينة وتضحك بوجوه اهلها الطيبين الذين اعطيتهم اعز واغلى ما تملك ………
سعيد ره ش ….ماتزال ذاكرة الناس طرية ولا يمكن ان يمّحي ما نقش على جدرانها …
سعيد ره ش لايمكن لاحد ان يحجب ضوء قنديل قلبك الذي لايزال يشع نورا وضياء …
سعيد ره ش …تركت بصماتك, ملامحك البصراوية , معاناتك , افكارك في صفحات التاريخ الانصاري المشرف و الذي كتب بالدم والدموع والذي يبقى و سيبقى الى الابد …….
طوبى لهذا البطل العراقي ولكل رفيقاته و رفاقه الابطال الذين حفروا اسمائهم على جبال ووديان وسهول كوردستان واصبحوا رمزا للنضال والتاخي وجسدوا بتضحياتهم , بدمائهم الزكية معنى الاخوة الحقيقية بين العرب والاكراد والانتماءات القومية الاخرى ….. من اجل عراق اسعد للجميع .

انتهى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. سه ركه وت ره ش ” سه ركه وت الاسود ” نصير كوردي من كويسنجاق واحد ابرز ابطال سريتها آنذاك, جرح في راسه في احدى العمليات العسكرية على طريق اربيل ـ كويسنجاق وعلى اثره فقد القدرة على الكلام والان يعيش في احدى الدول الاسكندنافية … شقيق الملازم الشهيد شيرزاد الذي استشهد في عملية تحرير مدينة كركوك ايام انتفاضة اذار المجيدة
2. خسرو ستار المعروف ﺒ( ده ريا ) , نصير كوردي من اهالي كويسنجاق مواليد 1986 استشهد في 12 11 1995 ……….
3. هناك قصة لكل اغنية شعبية كردية كالقصص الشعبية للشعوب الأخرى ، و كل اغنية دارت ماهي الاّ نتيجة حادثة وقعت,وهذه الاغنية الشعبية تحكي عن بنت جاو ره ش : اي عيونها سود , ليو به خه نده : اي البسمة على شفتيها ، اي بلنجه وبله نجه : اي انها تمشي بكبرياء وتتبختروتتبختر …سه ركولمي ده لي قه نده : أي خدها مثل قند السكّر ـ دنيا به بي بالاي تو زيندانه وكوت وبه نده : بدونها وبدون قامتها و بطولها ، ليست الدنيا الاّ سجناً وقيود ….
4. جبل باواجي يشرف على مدينة كويسنجاق .
5. احياء في مدينة كويسنجاق .
6. ارموطة او ارموته , قرية مسيحية تبعد عن مركز قضاء كويسنجاق 3 كم الى الغرب.