الرئيسية » مقالات » في المفاضلة بين القتلة و الحرامية

في المفاضلة بين القتلة و الحرامية

تتوالى النكات السمجة , و يستطيع المنظرون الفكاهيون أن يستمروا باتحافنا بالمزيد منها , و الظروف تخدمهم للأسف , فهي تستمر بإمدادهم بالكثير من مصادر التهريج الضرورية لخلق المزيد من الفكاهة , الحذاء الذي ودع بوش , انتخابات تجري و تجري , و ينتظر أن تجري , وسط صراخ مرتفع صم آذاننا عن احتمالات فوز أحد الخصوم أو مخاطر هذا الربح أو الخسارة , استبدال كاوبوي بأسود يرتدي بزة الرجل الأبيض , اجتماعات قمة و تصريحات و حروب تخاض في المؤتمرات الصحفية و منازل الفقراء , و فقر و سجون تتطاول و تقتحم كل مكان في حياتنا..يحتدم الصراع كعادته و تحتدم معه سوق التحليلات السياسية , هذا التهريج الذي يمارس بكل جدية لصالح هذا السيد أو ذلك , للتعويض غالبا عن العجز الفكري و التخلف السياسي و حتى التأتأة اللغوية التي يعاني منها سادتنا من بشار الأسد إلى “العاهل” السعودي , مع ضرورة الإشادة بالملك الأردني و بسعد الحريري للمجهود الذي بذلاه و للتطور الملحوظ في قدرتهما على الكلام بطلاقة أكثر و التخلص جزئيا من مظهر الغبي الذي يردد فقط ما كتب له…لمن لا يصدق أن رجال الدين يملكون حس فكاهة لا يقل عن خصومهم العلمانيين , يمكنه أن يستمع لإعلام نظام الملالي في إيران و هو يتحدث عن المستضعفين و الاستكبار , بعد أن فرض هذا النظام نفسه المستكبر الوحيد في إيران على حساب المستضعفين الإيرانيين أولا , يفكر بالانضمام للدائرة الأوسع من المستكبرين في الخليج و ربما ما أبعد من ذلك , “كممثل عن المستضعفين” , في الحقيقة يؤكد منظرو كل طرف أن توليه الحكم و التحكم بنا و بعالمنا و خاصة بخيرات بلادنا هو المخرج الفعلي لكل الأزمات التي تداهمنا من كل صوب , تماما كما يعتبر النظام الإيراني نفسه أفضل ممثل عن المستضعفين الذين يقمعهم يعتبر كل زعيم في الطبقة السياسية المتنافسة في لبنان و العراق أنه أفضل من يحكم و يتحكم بنا , و هناك مثقفون و منظرون لا تنقصهم الفكاهة للقسم على ذلك بأغلظ الأيمان أو “بشرفهم” عند اللزوم , و عالميا يتجدد النقاش الذي دار لعقود طويلة عن الحاكم الأفضل للعالم : ستالين أم هتلر , الذي سماه بعض العرب يومها بالشيخ تيمنا و رجاء التخلص من مستعمريهم الانكليز و الفرنسيين , أم تشرشل أم كليمنصو , خروتشوف أم كينيدي , اليوم يتقدم كل طرف بمرشح جديد , أمريكا التي تحاول الهرب من أزمة وول ستريت التي يدفع ثمنها , تماما كما في أفريقيا السوداء أو كوريا الشمالية مثلا , الناس العاديين الذين يفقدون بيوتهم و وظائفهم و عمليا حياتهم للإبقاء على أرباح و قصور الأغنياء , الذين يأخذون شكل لوردات الحرب أو بزنس المقاومة حينا كما في دارفور أو بزنس القرصنة حينا آخرا كما في الصومال , أو شكل البيروقراطية الحزبية و العسكرية في كوريا الشمالية , أمريكا اليوم تقدم واحدا من عبيدها السابقين كمظهر ضروري لإعطاء الحديث عن التغيير شيئا من الجدية و المصداقية , أما روسيا فهي وفاء لتقاليدها العريقة من الشرطة السرية القيصرية إلى التشيكا فالكي جي بي تقدم رئيس جهاز مخابراتها الأسبق , من سيحكمنا , من هو أفضل المرشحين لحكمنا , ليس هذا فقط ما يشغل هؤلاء المهرجين في هذا السيرك , بل إنهم كالعادة أيضا يفصلون و يشرحون بالتفصيل مخاطر انتصار الطرف الآخر , كاديما أو الليكود , 14 آذار أم 8 آذار , الإصلاحيون أم المتشددون في إيران , فتح أم حماس , لكن القضية هي في الحقيقة على الشكل التالي : أيهما أفضل للهنود الحمر : أن ينتخب رئيس جمهوري أم ديمقراطي للبيت الأبيض ؟ أيهما أفضل للعمال : رأسمالي تقليدي أم مدير بيروقراطي ستاليني ؟ أيهما أفضل للباحثين عن الحرية : مستبد أصولي أم علماني ؟ لا يجيب المحللون الكوميديون على السؤال الأهم هنا لسبب واضح جدا : ما الفرق بين أن تنتهي عوائد النفط الخليجية في جيوب ملالي طهران أو شيوخ و أمراء آل ثاني أو ثالث أو رابع على الضفة الأخرى من الخليج ؟ ما الفرق بين أن يموت الفلسطينيون على أيدي باراك أو نتنياهو أو ليفني ؟ ما الفرق بين أن يقوم نبيه بري أو سعد الحريري بنهب ميزانية الدولة اللبنانية , الوظيفة الأساسية لها بنظر الطبقة السياسية , ما الفرق بين أن يمثل الموارنة جعجع أو العماد عون أو السيد فرنجية , أبعد من عداء هذه الطائفة أو تلك أي أبعد من الجدل عن الطائفة العدو و الطائفة الصديق , و أبعد من الجدل عن أفضل ممثل أو شريك من بين لوردات الحرب و أمراء الإقطاع السياسي الموارنة في الطبقة السياسية العليا التي نهبت و ستنهب البلد , يملك المحللون و المنظرون ما يكفي من الوسائل و الحماسة للاستمرار في عروضهم الكوميدية , و يملك البشر في شرقنا و في العالم ما يكفي من القهر و البؤس ليس فقط للضحك على هذا السيرك المستمر دون توقف , بل لتحويله إلى عالم خاص بهم , يشارك فيه الجميع كبشر متساوين و فقط كبشر متساوين..