الرئيسية » مقالات » براءة اختراع عربية بامتياز:حافظوا عليها واعملوا على تسويقها

براءة اختراع عربية بامتياز:حافظوا عليها واعملوا على تسويقها

نقلت وكالة الصحافة الفرنسية يوم الاثنين الثاني من فبراير الحالي الخبر التالي:”ألقى متظاهر اليوم الاثنين حذاءه باتجاه رئيس الوزراء الصيني وين جياباو أثناء إلقاء الأخير كلمة في جامعة كا مبريدج شمال لندن في اليوم الأخير من زيارته لبريطانيا…وقال المتظاهر وهو شاب ذو ملامح غربية: كيف يمكن الاستماع إلى هذه الأكاذيب التي يرويها هنا هذا الديكتاتور؟. وتوجه إلى الحضور أثناء اقتياده خارج القاعة: انهضوا واحتجوا . فردوا عليه: عار عليك عار عليك “. انتهى الخبر حرفيا

http://www.elaph.com/Web/Politics/2009/2/405764.htm

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية أيضا يوم الخميس الخامس من فبراير : ” تعرض سفير إسرائيل لدى السويد بيني داجان لإلقاء حذاء وكتب عليه، بينما كان يحاضر في جامعة ستوكهولم. وكان السفير يلقي محاضرة عن الانتخابات القادمة في إسرائيل عندما ألقيت عليه تلك الأشياء. وأوضحت الوكالة أن الشرطة السويدية قامت بعد ذلك بإلقاء القبض على شخصين.

http://www.elaph.com/Web/Politics/2009/2/406672.htm

وقد نقل موقع حزب الحل الديمقراطي الكوردستاني خبرا مفاده: ” أقدم مواطن كردي هو جتين إيشك من ولاية وان بشمالي كردستان، على رمي حذائه على وزير التربية التركي حسين جليك ورئيس البلدية عن حزب العدالة والتنمية دورهان ينيغون “. وقد قامت الاستخبارات التركية باعتقال قاذف الحذاء.

http://www.pcdk.org/pcdk/index.php?sid=1853

وتفيد أغلب استطلاعات السوق أن براءة الاختراع العربية هذه مرشحة لمزيد من الانتشار والتسويق خاصة في ظل الإستنفار العربي للدعاية لها وترويجها في مختلف مجتمعات العالم.

أصل براءة الاختراع هذه

والأصل في براءة الاختراع العربية هذه ، يعود للمواطن العراقي ( منتظر الزيدي ) الذي قام يوم الرابع عشر من ديسمبر لعام 2008 برمي حذائه باتجاه الرئيس الأمريكي جورج بوش في بغداد أثناء مؤتمر صحفي . ولم يتفاعل العرب مع حدث طوال القرن العشرين كما تفاعلوا مع هذا الحذاء ، وكأنه خلاصة الانتصارات العربية بعد هزائم مريرة ، بدليل أنه و بعد مرور أقل من شهر على براءة اختراع (منتظر الزيدي )، وقف النائب عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر ( علي أبو لبن ) رافعا حذاءه في البرلمان المصري ملوحا به في الهواء أثناء استعراضه للاستجواب المقدم منه ، معلنا بثقة وعزيمة إيمانية ( أن جلاء إسرائيل لا يكون إلا بالحذاء ). وللحذاء سطوة ومكانة كبيرة في أدبيات الإخوان المسلمين المصريين، فهو شقيق مسلسل ( الطزطزة ) المشهور لمرشدهم ( محمد علي عاكف ) – طز في مصر – وفي أكثر من برلمان عربي وغالبية الطوشات العربية الفردية أو الجماعية، غالبا وبشكل لا إرادي أول ما يقدم عليه من يريد ضرب أو إهانة خصمه هو اللجوء لحذائه كسلاح يحافظ على الكرامة ويردّ المعتدين عليها ،وهو بذلك يصبح سلاحا فعالا لا يقل تأثيرا عن الأسلحة الكيماوية والفوسفورية والصاروخية ، بدليل إعلان أبو لبن أن الحذاء قادر على إجلاء إسرائيل من فلسطين المحتلة، وهذا يتطلب نزع كافة الأسلحة من الجيوش العربية ومنظمات المقاومة المسلحة ، وتزويد عناصرها بما يمكن من الأحذية خاصة ماركة ( زلط ) المشهورة بصلابتها في مصر ، أو ماركة ( باتا ) المشهورة في بلاد الشام إن كان هذا لا يخل بمبدأ المقاطعة كون هذه الماركة صناعة أوربية.

سلاح الحذاء في الثقافة العربية

مفردة ( حذاء ) و ( نعال ) هي الأكثر انتشارا و رواجا واستعمالا في الحروب العربية اليومية ، وبعد صدور براءة اختراع منتظر الزيدي ، كتب الشاعر الفلسطيني لطفي الياسين قصيدة ورد فيها:


ما نال مالا ..مركزا ووظيفة إلا عميل…حيّة رقطاء


كل المراكز و الوظائف إنها دون الحذاء جميعها لهواء


شعري هو الشعر الذي سجدت له كل الورى والغيد والشعراء


الجن تعجز أن تجيء بمثله والإنس والفصحاء والبلغاء


فمدارس الشعر العديدة كلها تحت النعال وأنها خرقاء


أدونيس والدرويش ..كل مجددي شعر الغموض مصيره الإخلاء



وكتب صحفي عربي:

( اليوم حان لكل عراقي أن يرفع رأسه بين شعوب الأرض. اليوم نرفع رؤوسنا عاليا بين كل الأمم. اليوم يوم النصر يا شعب العراق وفلسطين وكل مظلوم وجريح ). المدهش أن حذاءا فقط يحقق كل هذه الكبرياء والانتصارات ، أي لا ذكر عند هذا الصحفي للانتصار الإلهي في لبنان عام 2006 وفي قطاع غزة عام 2009 .

وكتب صحفي آخر:

( والله منتظر الزيدي أرجل عربي بعد الشهيد صدام ). أي أنه عند هذا الصحفي أرجل ( أي أكثر رجولة ) من قوافل الشهداء في لبنان وقطاع غزة والعراق .

وفي التراث العربي فهذا الحذاء الذي رفع رأس الأمة العربية وأعاد لها كرامتها المسلوبة، هو في بعض السياقات دليل على الخسارة والهوان والمذلة ، و أشهر الحكايات في هذا الميدان المثل الرائج ( عاد بخفي حنين ) . وأصل هذا المثل أن صانع أحذية مشهور في بلاد الحيرة اسمه ( حنين ). دخل عليه أعرابي لشراء حذاء ( خف ) بضم الخاء – أحد تسميات الحذاء الخفيف – ، جادل الأعرابي حنين على السعر ، ولما اختلفا شتم الأعرابي حنين وخرج مسرعا على ناقته. صمّم حنين على رد الصاع صاعين للأعرابي، فخرج مسرعا من دكانه، وسبق الأعرابي راميا أحد الخفين على طريقه، ثم مشى مسافة ورمى الخف الثاني. وصل الأعرابي للخف الأول ، أمسكه ودقق فيه وقال: يا إلهي إنه هو يشبه خف حنين ولكن ما فائدة قطعة واحدة منه فرماها وتابع طريقه. وبعد مسافة وجد القطعة الثانية ، فترك راحلته وعاد مسرعا لجلب القطعة الأولى، فظهر حنين من مكمنه وأخذ الراحلة هاربا بها. عاد الأعرابي فلم يجد الناقة فعاد لأهله خائبا مكسور الجناح، فسألوه : بماذا عدت؟ قال: عدت بخفي حنين. ومن ذلك الوقت وهذا الحذاء (الخفين ) مثال على الخيبة والانكسار والهزيمة. وتخيلوا كم هذا الحذاء بكافة مسمياته يثير الحيرة والخلاف ، فهو عند البعض مثال للكرامة والعزة وعند آخرين مثال للخيبة والانكسار والهزيمة .


الكندرة ( قندرة )

من أسماء الحذاء خاصة في العراق ( الكندرة ) أو ( القندرة ) ، وهي مثار التناقض والخلاف أيضا، فعند البعض رمز للكرامة والعزة كما في الأغنية التي اشتهرت بعد حذاء الزيدي ، وكتبها رائد الشطناوي وغناها المطرب الأردني متعب الصقار بعنوان ( كندرة الملايين ) ومما جاء فيها :


هاي كندرة الملايين

اليساري واليمين

تسلم ايدك ياالزيدي

حر وما ترضى الكيدي

ودعت الظالم بعز وشجاعة

صار العالم يتمنى يلبس كندرتك ساعة


وقد تمّ تلحين الأغنية بطريقة أقرب للفولكلور الشعبي الأردني الذي يعتمد على الدبكة الشعبية واليرغول، بأنغام راقصة تستثير فيك الرقص مهما كنت معارضا للكندرة وصاحبها وربما تتمنى أن تلبسها دقيقة ، خاصة إذا شاهدتها مصورة مع الدبيكة الشعبيين.

والكندرة مثال للحقارة أيضا

بينما في الغالب تستعمل مفردة الكندرة للشتم والتحقير، وتستعملها الأغلبية الصامته والأقلية المتحدثة ، ففي شريط فيديو منشور على مواقع الانترنت بكثافة ، يرد الشيخ كمال الخطيب المحسوب على حركة حماس على الفتحاوي الطيب عبد الرحيم بعنف وكندرة. الطيب عبد الرحيم يسخر من رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية قائلا: يتحدثون عن رئيس وزراء في غزة..هل يعقل أن يكون رئيس وزراء خطيب مسجد؟. وهو يقصد قيام اسماعيل هنية بإلقاء خطب الجمعة في مساجد غزة. يرد عليه الشيخ كمال الخطيب في شريط الفيديو المثير حرفيا: عندما تتحدث عن اسماعيل هنية حط ايدك على راسك…حط كندرة على راسك ..حط كندرتين على راسك .

و في تقرير كتبه الكاتب والصحفي الأردني شاكر الجوهري عن مشاجرة عنيفة حدثت بين مسؤولين فلسطينيين في منزل الرئيس محمود عباس في عمان وفي حضوره ، بصق واحد على الآخر وتبادلا شتائم قذرة للغاية، فرد واحد على الآخر: الغبرة اللي على كندرتي بتشرفك . وللتسلية وربما رفع الضغط يمكن قراءة تفاصيل المشاجرة على الرابط التالي :

http://www.alqudsinfo.com/vb/showthread.php?p=27878

أما عن النعال شقيق الحذاء،

فحدّث ولا حرج ، فهو في التراث العربي سابق بمئات السنين لنعال ( أبو تحسين ) الذي ضرب به رأس تمثال صدام حسين عند دخول القوات الأمريكية إلى بغداد وهدم نصب صدام .فهناك أبيات شعرية ذائعة الصيت ينسبها البعض للإمام الحسين بن علي ( على مسؤولية من يقول ذلك فأنا لست متأكدا )، ورد فيها في وصف وتصنيف الأصحاب :

لا تأسفنّ على خل تفارقه إن لم يكن طبع الوفا فيه
فبعضهم مثل التاج تلبسه وبعضهم كقديم النعل ترميه

وحديثا نشر موقع حركة حماس على الانترنت ( المركز الفلسطيني للإعلام ) رثاء للشهيد القسامي بلال الدروبي ، جاء فيه :


قم يا بلال فأمتي ميزان عزتها انقلب
النعل في قدميك يعلو فوق هامات العرب

وهناك كتاب من كتب التراث الإسلامي عنوانه ( فتح المتعال في وصف النعال ) لأحمد بن محمد بن أحمد أبو العباس المقري ، مطبوع بدار القاضي عياض للتراث في القاهرة عام 1417 هجري ، وصدر في طبعة ثانية عام 2006 عن دار الكتب العلمية في بيروت المتخصصة في الكتب الإسلامية، وتحت العنوان المذكور أعلاه وضع عنوان تعريفي يقول ( في وصف نعال الرسول ) ، ويقول الناشر عن الكتاب : (ينصرف موضوع هذا المؤلف إلى الإحاطة بكل ما ورد من أخبار نعال الرسول صلى الله عليه وسلم، في الكتب والمراجع نثرا وشعرا ، وقد ذكر أوصافها وقدّم رسما مصورا لهذه النعال الشريفة ).

وضمن نفس السياق ، كتب محمد الهادي الحسني في ديسمبر من عام 2008 في موقع الشروق اليومي : (لو أوتيت مثل ما أوتي أحمد بن محمد المقري التلمساني – 1631 م – من قلم سيال، وفكر جوّال ، وخصب خيال لألفت كتابا عن حذاء الشاب العراقي منتظر الزيدي كما ألف المقري كتابا عن نعل سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام ، سمّاه فتح المتعال في مدح النعال ). وهناك تفاصيل كثيرة عن نعال الرسول بما فيها تفاصيل التفاصيل إلى حد التداوي والتبرك به ، وهي تفاصيل لا داعي للخوض فيها لأنها ستعيدنا لنفس الجدل حول التداوي ببول الرسول ص .

و في الأدب العربي المعاصر أيضا،
هناك ربط غير مباشر للحب والعشق بالنعال ، ففي رواية ( عابر سرير ) لأحلام مستغانمي ( الطبعة الثانية 2003 ) ، ورد في صفحة 11 قولها : ” أكانت تعي وقع انحنائها الجميل على خساراتي ، وغواية قدميها عندما تخلعان أو تنتعلان قلب رجل ؟ ” وفي صفحة 12 تقول: ” اشتقتها ! كم اشتقتها هذه المرأة التي لم أعد أعرف قرابتي بها، فأصبحت أنتسب إلى قدميها ” . وهذا يذكر بقول الشاعر العربي الذي لا أتذكر اسمه:

وما حبّ النعال شغفن قلبي ولكن حب من لبس النعالا

لا أعتقد أن هناك ثقافة أخرى لأي شعب من الشعوب اهتمت بالحذاء والكندرة والنعال وأخواتهما مثل الثقافة العربية ، وهذه ملاحظة تحتاج إلى تحليل آخر ….والله المستعان.

http://www.3almani.org/spip.php?article4500