الرئيسية » مقالات » بديع الزمان … في معركة الفرقان

بديع الزمان … في معركة الفرقان

طالعت على الموقع الديمقراطي بامتياز “الحوار المتمدن”؛ مقالاً بعنوان: “اليسار الفلسطيني المحتار بين المقاومة والدولار”، وموقع باسم أحمد الفلو، ولمتعة العنوان القروسطي لبديع الزمان، قرأت المقال، وتبادر إلى ذهني فوراً ذلك القول الثريا: “أفضل الطرق إلى الكرامة وأقصرها، أن يكون ما نبطن مطابقاً لما نظهر”، وأقول إني متأكد تماماً؛ عندما يقرأ بديع الزمان “الفلو” سيعتقد بحكم وعيه الشعوبي، بأن هذا القول الثريا هو لإحدى الفرق المذهبية الإسلامية ـ بحكم الذهنية الإخونجية المذهبية وكلمة (الباطنية) ـ، وسيصل الأمر إلى اغتباط داخلي، وقبل أن يكمل مقالتي فإن هذا هو قول أرسطو، وهو ينطبق تماماً على أدعياء معركة “الفرقان” كما سماها بالمقال، فهي معركة صمود الشعب الفلسطيني في وجه المحرقة والاقتلاع، لقد انتصر الشعب بصموده ولم تنتصر حماس، أما مَنْ يتهمون بـ “الباطنية” فهم أولياء نعمته الإخونجية، الذين لم يبخلوا وبكل ما استطاعوا على أمثاله، ببذخ كاريكاتيري لأكداس الذهب والدولار من السودان إلى إيران … الخ، لدرجة أن القائد مشعل طبع صورته على النايلون اللاصق وبعدد 2 مليون نسخة، على الطريقة السلطانية وتحتها شعار: “مِشعل الأمة”، وهذا لوحده وذاته، دولارات لا يدري كيف يتصرف بها، وبالتأكيد كما بعلم جميع الفلسطينيين في الداخل والخارج، هي لا تذهب للشعب الفلسطيني، بذخ ما بعده بذخ، و “ويلٌ لكل همزة لُمزة، الذي جمع مالاً وعدده، يحسب أن ماله أخلده”، لدرجة أنهم رفعوا أسعار العقار حيثما حلوا في بلاد العرب أوطاني، رغم انهيار بورصته المعولمة في وول ستريت، وكي لا يطول الموضوع ونعود إلى التراث أقول: “رمتني بدائها وانسلت”.
أما بعد؛ فقد جاء في صحيح الواقع قول ميشيل فوكو: “ما نراه لا يقيم في دواخلنا”، بل لا يستقيم، لأن العقل القروسطي في محنته العربية في عالم القرن الحادي والعشرين، وأن “إسلامويو” الصراع، المتصارعون في التراث المعاصر، قد أدخلوا الدين كأداة صراع، ومن ثم أدخلوا “التخوين”، بالقفز عن تاريخهم القمعي مع قوات البادية لمدن الضفة الفلسطينية، إبان التحركات الجماهيرية العاصفة في مسار قضيتنا في الستينيات من القرن الماضي، حينها مثقفو السلطة، المثقفون الإخونجية يسلطون على الدين ذاته آليات تأويلية لم تزل قائمة في هذه المدرسة؛ تأويلية تفسيرية تخدم هدف التناحر، وبحسب اختلاف الأهداف والغايات، فاختلفت التأويلات والتفسيرات، واختلف تاريخهم على بعضه بعضاً، وهذا هو بالذات ديدن الإخونجية “أخوة يوسف” وديدنهم. لنقول بعدها: انتصرت غزة بصمودها، وصمدت غزة صمود الشجعان، الذين تنحني لهم الجباه، ونتساءل عن الدروس المستنبطة من العدوان على غزة، وعدم تمكن القوات الصهيونية المجرمة من استثمار تفوقها ؟
وكي نحقق انتصاراً بعد الصمود الأسطوري؛ لماذا بعد توقف العدوان الدموي ولم نحقق الوحدة الوطنية، قانونية حركات التحرر البديهية المعروفة. ونحن ندرك جيداً ومن خلال خبرات شعبنا على امتداد تاريخه المعاصر، أن نقاط ضعف “إسرائيل” هي في مواجهتها حرب عصابات منظمة، وحرب الشوارع المأهولة والمكتظة بشعب يتعرض لعدوان فاشي، رغم ضيق مساحة قطاع غزة، ودون أن ننكر أن هذه المعركة، قد كلفت شعبنا زهاء ثمانية آلاف شهيد وجريح، جُلهم من المدنيين وقرابة نصفهم من الأطفال والنساء، لنستخلص هذا هو الشعب الذي انتصر بصموده ولا أحد سواه، آلاف مؤلفة من الأبنية والمنازل والبنية التحتية التي سويت بالأرض، وآلاف مؤلفة من العائلات بلا مأوى تفترش الأرض وتلتحف السماء، سبقها لعام ونيف جوع وحصار هالك، ومسغبة ما بعدها مسغبة، بفعل حصار جائر طال، وضياع وأمراض في حرب داحس والغبراء، فكيف يا بديع الزمان يمكن أن تقرأ هذا الواقع ؟! …
على طريقة خالد مشعل التي تأبى إلا وأن تهزم هذا الصمود البطولي الأسطوري العظيم، فالقراءة على الطريقة “المشعلانية” و ـ بعظمة لسانه ـ وبعد يومين فقط من توقف العدوان الصهيوني صرَّح رافعاً عقيرته بالقول: “كنا نظن أن العدوان لن يتجاوز ثلاثة أيام فقط”، وطالما أنه “يظن” فالخطب عظيم، ما كان ينقص التحليل وقراءة الواقع الإسرائيلي، العربي، الإقليمي، إلا “الظن المبارك”، نسألك ربي صرف الشياطين بعونك وتوفيقك كي نصل إلى رضوانك، فمشعل يعتقد أن تسيبي ليفني هي الأم تيريزا، لقد ظن: “ثلاثة أيام من قصف الطيران ويا دار ما دخلك شرّ”، اكتشاف جديد في الباراسيكولوجي، حين لم تكن مذبحة دير ياسين وحدها عنوان المذابح في عام 1948، وفقط لأن الفلسطينيين تمسكوا بحقوقهم وأرضهم، كما أن مذبحة صبرا وشاتيلا 1982 بيروت، لأنهم يتمسكون بحق عودتهم إلى ديارهم ووطنهم. كما لم تحدث محرقة مخيم جنين إلا لذات سبب الإصرار على العودة إلى أرض الإباء والأجداد، أليس لهذا يا بديع الزمان قصف الصهاينة أهل غزة بالمنجانيق الفوسفوري الذي دكَّ غرف نوم أطفالهم، لكن هؤلاء الذين صمدوا وضحوا لم يشكون لأحد، وهم يلتفون ويلتحفون بالنيران والحمم والدماء، ونعجب من جدل كاريكاتيري بيزنطي؛ بين الجوهري والثانوي.
“إن بعض الظن إثم” فجلاوزة الصهيونية وعتاة مجرميها، فرقة موسيقية بأحاسيس رومانتيكية (!) أيُّ ذهن قيادي يستطيع أن يخلق مثل هذا الأفق الحاشد بالظنون والتأويل، إحساس هائل بأن قطاع غزة الصغير وفي ليله الحالك، ستمر فوقه غيمة (فوسفورية) لتمطر نجوماً لظلامه، إحساس هائل بالاستنساخ لحرب عدوان إسرائيل صيف 2006 على لبنان وهزيمتها، ولرموز وأدوار كبيرة مع الفارق الجوهري، فالسيد حسن نصر الله كان يطلُّ على الناس بالمهمات الوطنية، والمقاومة اللبنانية هي التي اندفعت قبل المعركة وبعدها نحو الوحدة الوطنية، ولا مجال للمقارنة بأية وجه من الوجوه الذاتية والموضوعية، ولكنه هنا مرةً يقول: هي “معركة بدر” لا “الخندق” وأخرى “ستالينغراد” و “ليننغراد” وتارةً لندن تحت القصف النازي، والقول: “السوفييت خسروا 25 مليوناً” رجاءً “تصلي على النبي”. فالظن يتبعه التأويل والتحريف، كما فعل الإخونجية مع الدين المتسامح الذي جاء “رحمة للعالمين” بالتجزئة والتقطيع والتفكيك بدءاً من “الشهادتين”، لتصبح أربع شهادات ـ راجع أدبيات الفقه لديهم ـ عبر الشحن التأويلي والتعبئة التفسيرية.
لكن المغيب يترك آثاره الفاعلة على المشهد، باعتباره المعتمد والمثبت. فهو مغيب في خطاب حماس السياسي، لكنه المشاهد على مجمل شاشات التلفزة، الشهداء والضحايا. وطالما أن “معركة الفرقان هي مع حماس” وليس العدوان الهمجي متواصلاً على مجموع الشعب الفلسطيني ! مأساة وأي مأساة، حينها تكون الكارثة فالحزب (الحركة) أهم من الشعب، وعليه ينبغي سرقة الصمود الأسطوري للشعب في قطاع غزة كما سرقة المال و”البقشيش” السياسي، والسدنة وحراس غير المألوف يقومون بالمهمة، مثقفو السلطة يقومون بالمهمة، حملة الأكاذيب والمباخر وتوزيع التهم المجانية يقومون بها، لكنها أشبه بنكتة “جحا والعرس”، كاريكاتيرية مضحكة مبكية، بإتقان مدرسة غوبلز: “أكذب، ثم أكذب وحتى يصدقك الناس”. وهكذا ووفق الأرقام الرسمية للشهداء والجرحى والضحايا، فالصمود الأسطوري هو لفقراء وبسطاء الناس، هؤلاء الذين لم تنشر أسمائهم وعناوينهم، ومنهم المدفونون ما زالوا تحت الأنقاض، دماؤهم لم تجف بعد، أما كان من الأجدى أن يتفيأ بظلال مجد الشعب وصموده، لا سرقة أوسمته والتفيؤ بها، لماذا الانتصار له ألف أب، والهزيمة يتيمة ؟ لماذا الصمود الأسطوري لا يسجل لمستحقيه، وله دوماً لدى الأعراب والعربان نائب فاعل ؟! …
بين ثلاثة أيام أو أكثر قليلاً، وثلاثة أسابيع ويزيد، غاب الشهداء، الناس عن المشهد الأسطوري، والذي كان يتردد من كوة حماس المغطاة برماد احتراقات الوعي، في هذه الصورة المرفقة بخطب (الجمعة) كناية عن تقارير عسكرية، وقد كان الأجدى على حماس أن تلتقط “موجة التردد” للصمود الشعبي لتتوحد معها بدلاً من شعبوية سرعان ما تبترد على أرض الواقع، وأن تغلف حدود وعيها بحداثة البلاغات الوطنية، لا أن تقيم تناسخاً بلاغياً مع التاريخ والتراث، يخلو من المشهد المعرفي والمهمات والتقارير العسكرية الوطنية للمطلوب والمواجهة، يرفع مستوى الوحدة الوطنية على نحوٍ متطابق مع شواء اللحم الفلسطيني في تنور حصاره الفاشي، ونحن شعب مظلوم أعزل.
أقول هذا وبشق النفس لمعرفتي بالحال، فالمعرفة والوعي لدى هؤلاء ليست هي التي لدى الحسن البصري والمعتزلة، و”إخوان الصفا وخلان الوفا” حتى في زمنهم ذاك، لذا لن يتاح لهم اصطيادها وسوى المزيد من الحيرة والظنون، التي لا تنفك تطرق بابهم ونقضُّ مضاجع التأويل والانتحال وعلى رغم منهم.
أمام هذا سيكون على حاملي راية فلسطين والوحدة الوطنية، وشعلة التغيير والتطوير، أن يتحملوا الكثير مما هو مفترىً عليهم، المغيبين قسراً عن الإعلام العربي وفضائياته وأمواله من الماء إلى الماء، طالما يرفضون “البقشيش” السياسي، معادلة المال مقابل السياسة، وهم من ذكرهم بديع الزمان من القوى الديمقراطية، الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية وحزب الشعب وجبهة النضال … الخ.
يتكلم بديع الزمان عن المال والدولار لدى اليسار، بينما مئات ملايين الدولارات لحماس سنوياً من ايران، قطر(القاعدة العسكرية الامريكية لغزو العراق والهيمنة على الخليج)، الدولية الاخوانية، ماذا يعني هذا المال السياسي المنفوط(؟) لا يتساءل كيف يعود أحد قيادات حماس بجيوب مملوءة من القاهرة ناهزت عشر مليون دولار+ مليون يورو (!) وكيف تسنى له جمع المبلغ (؟) أَهو هدية عن روح حسن البنا من مهدي عاكف، وكيف يتجنى على قوى الحداثة، الرافضون تحويل الدين بكل قداسته إلى مجرد ترسانة أسلحة في خدمة بيت المال السياسي وعلى حساب القضية ودم الشعوب والأقوام، ألأَن منطقهم يعيد للأوطان والأديان رونقها، ويمنح الواقع وعيه وتنميته، والإنسان مصالحاته، “وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى الصراط الحميد”. أليس لأنهم نأوا بأنفسهم عن حرب البسوس الأهلية، وقصف المنابر والشاشات، والذي تواصل في ظهيرة سفك الدم الفلسطيني بالعدوان الصهيوني الهمجي، كم هو العدد المطلوب من الشهداء والضحايا ليتوقف هذا القصف الداخلي المترافق مع حمامات الدم الصهيونية ؟ هل إل أف 16 (F16) ميّزت بين فلسطيني وفلسطيني أو عربي، فلم يتساءل أحد منهم عن كلمة سواء نخرج هذه الأمة من الهوة السحيقة التي دفعت لها.
لكل من قاب قوسين أو أدنى، أو بالقرب منه يحذوه أمل إشراقة فلسطين، لكل من ابتعد عن سدنة القديم القروسطي، وعن حراس السائد لأنه يكسر سيوفهم المسلطة على رقاب العباد، ليعيد إشراقات الرضوان المخضبة بملحمة العشق والاستقلال، والموقعة بمناسك النضال وزمزم الوفاء، عليه بتحقيق الوحدة الوطنية وآلية تفعيل وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، الكيانية المستهدفة بالصميم.
وأخيراً نقول ليقرأ بديع الزمان … ليقرأ عن الشهيد عبد الرحمن أحمد بوادي من كتائب شهداء الأقصى، الذي فجَّر نفسه مستشهداً في منزل مفخخ في بيت لاهيا بتاريخ 13/1/2009، لحظة دخول جنود وضباط صهاينة إليه بعد أن استدرجهم، فقتل منهم (13) وجرح ستة آخرين، العملية التي غيرت مسار الاجتياح البري، لماذا تغيب البطولات الوطنية الفلسطينية، ولماذا يتم جمع سلاح هؤلاء الأبطال “كتائب شهداء الأقصى بعد توقف العدوان (!)، لماذا لم يقرأ عن استشهاد القادة الميدانيين الاربعة من قادة كتائب المقاومة الوطنية – الجناح العسكري للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين؛ الشهداء الابطال محمد الآلوسي، محمد عبد بربخ، عطية حسن المدهون، وحمودة زايد ثابت في مقدمة كوكبة من شهداء لا يتسع المقال لذكر دورهم وموقع استشهادهم. ونسأل لماذا غابت عمليات حماس الاستشهادية داخل الخط الأخضر، على النحو الذي شهدناه قبل أن تصبح غزة في قبضتها، وقد كانت في هذا العدوان الدموي مطلوبة، ليقرأ أيضاً عن كتائب المقاومة الوطنية وتعداد شهدائها ودورها، وكتائب أبو علي مصطفى، ليتحقق بنفسه، ليس من بلاغاتهم فحسب، بل من الوثائق المحققة على الأرض ليوميات الحرب، أن يقرأ للباحثين الجادين خدمةً للحقيقة والمعرفة، للنقد والنقد الذاتي وللتاريخ والشعب، لا لخدمات مثقفي السلطة والبقشيش السياسي، ليقرأ للباحث الجاد مهدي جرادات تحت عنوان: “قراءة في الخارطة العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية خلال هولوكوست غزة”، وقد نشره على موقع “الحوار المتمدن”.
وليس لي بدٌ من أردد مع خليل مطران:

لا سقاك الغيث يا جهل فكم سقيت في كأسك الأقوام مُرّا

كاتب فلسطيني