الرئيسية » مقالات » بغداد من مدينة للظلام إلى مدينة للسلام الجديد

بغداد من مدينة للظلام إلى مدينة للسلام الجديد

-1-

كانت بغداد في العهد العباسي وفي عصر هارون الرشيد وأولاده خاصةً، مدينة للسلام؛ السلام الاجتماعي، والسلام الثقافي. وسُميت بـ “دار السلام” بمعنى الجنة في الأرض. وهو اسم مقتبس من القرآن الكريم عن الجنة، في قوله تعالى، في سورة الأنعام ﴿لَهُمْ دارُ السلام عند ربهم ، وهو وليّهم بما كانوا يعملون﴾ (الأنعام:127 ).

وكان المؤرخ العراقي، أحمد بن علي بن ثابت، المعروف بالخطيب البغدادي (1002-1069م)، من أكثر المؤرخين الذين أحبوا بغداد، وكتبوا عنها في سلامها العباسي. ففي عهد العباسيين، كانت بغداد دُرة الشرق، ومنارته. وكانت بمثابة باريس اليوم بالنسبة للأوروبيين. وذكر الخطيب البغدادي في كتابه “تاريخ بغداد”، أن يونس بن عبد الأعلى سأل أحدهم:

– هل دخلت بغداد ؟

فقال:

– لا.

فقال له يونس:

– إذن، ما رأيت الدنيا، ولا رأيت الناس.

وقال أحمد بن أبي طاهر: الأرض كلها بادية، وبغداد حاضرتها.

-2-

هكذا كانت بغداد في الماضي. وبعد عام 2003 ، كان حزب البعث وعهد صدام حسين قد ترك بغداد سجناً كبيراً للعراقيين. وكانت كلمة بغداد في عهد البعث وصدام حسين، تعني البطش، والطغيان، والمقابر الجماعية، والموت على الشُبهة. وكانت بغداد تشير إلى مدينة تعيش في الظلام. واستمر هذا الوضع بعد عام 2003 وإلى نهاية عام 2008، نتيجة لما فعله جيران العراق ببغداد، وهم الذين حولوها من مدينة يٌفترض أن تكون مدينة للسلام إلى مدينة للظلام. وقد قرأنا وصفاً لهذا الظلام من قبل الصحافي الأمريكي أنتوني شديد، الذي كتب في صحيفة “الواشنطن بوست” يقول:

“على امتداد تاريخ بغداد، الذي يتجاوز 1250 عاماً، أطلق عليها سكانها ألقاباً عديدة، وكان مؤسسها أبو جعفر المنصور يُلقبها ‘مدينة السلام’، مدينة كانت أسوارها دائرية، على نحو بارع، ومتقن، إلى درجة أن أحد المعاصرين، قال إنها صُنعت في قوالب قبل أن تُنصب. وكانت بغداد، في عهد صدام حسين، شاهداً على جنون العظمة، الذي كان مصاباً به ذلك الطاغية: مدينة مترامية الأطراف، ذات حسٍّ من الفخامة. لكنها بعد سقوطه عُريّت لتكشف عن وجه من الطوب والطين، وتتحول إلى مدينة هشَّة كحال سكانها، وتصبح (مدينة الفوانيس) بسبب انعدام الكهرباء. مدينة أشباح يحيطُ بها الخوف من كل جانب. مدينة مهجورة. ثم سرعان ما جاءت هندسة الاحتلال التي حجبت الأشياء، كما يحجب الستار ما وراءه، عبر نصب حواجز إسمنتيّه، ذات لون رمادي قاتم، كلون سماء مُكفهرّة غائمة.

فبغداد اليوم هي مدينة هذه الأسوار، والحواجز الإسمنتية.”



-3-

ولكن عام 2008 ، كان نهاية الكوارث والأحزان والمدن المُغبرّة، التي تحولت إلى رماد، أو إلى ما يشبه الرماد. وكانت نهاية عام 2008 هي بداية انتصار الحرية والديمقراطية في العراق الجديد، حيث اعتاد المتلقي العربي والأجنبي طوال السنوات الخمس الماضية يومياً على سماع أعداد القتلى والجرحى كل يوم في العراق. وعلى سماع أصوات السيارات المفخخة، والأحزمة الناسفة. وكان اليوم الذي يمرُّ من هذه السنوات الخمس دون حادث قتل مروّع من قبل الإرهابيين، يوماً شاذاً غير مُعتاد.

ففي تقرير صدر عن واشنطن، أن الإرهاب في 2008 في العراق، قد قلَّ بنسبة 70% عما كان عليه منذ تموز/يوليو 2007. وأن معدل قتل المدنيين في 2008 قد قلَّ بنسبة 75% عما كان عليه في 2007. وأن الهجمات الطائفية المتعصبة على بغداد وما يحيط بها، قد خفَّ بنسبة 90%. وفي عام 2008 أصبحت قوى الأمن الوطنية العراقية تدير وتسيطر على 18 محافظة في العراق، نتيجة لضخامة عددها الذي وصل إلى مائة ألف عنصر في 2007، ووصل في 2008 إلى أكثر نصف مليون عنصر.

ومن هنا، كانت هجمات الإرهابيين على طوابير الشباب، الذي كان يتقدم للانضمام إلى أجهزة الأمن الوطنية بأعداد كبيرة.

ولكننا لو قلّبنا صفحات العراق الجديد اليوم، لوجدنا أن أنباءً عن البناء والتعمير والتنمية، أصبحت تأخذ طريقها إلى العراق، وإلى مدينة السلام العراقي الجديد، لكي تعود بغداد من جديد، دُرة الشرق، ومنارته.

-4-

فقد تمَّ افتتاح مطار الموصل الدولي، بعد ترميمه وتوسعته، كواحد من أضخم مطارات الشرق الأوسط، بعد أن كان هذا المطار معطلاً منذ 14 عاماً. وجاري ترميم مطار بغداد وتوسعته استعداداً لافتتاحه قريباً.

وعلى المستوى الاقتصادي، فقد حقق العراق دخلاً يساوي ثلاثين مليار دولار شهرياً في عام 2008، من عائدات البترول مما سوف يمكّنه من إعادة تعمير وبناء العراق الجديد ، بأقصى سرعة ممكنة وبخبرة البيوتات العالمية المتخصصة.

وبدأ المواطن العراقي يشعر بالفرق الهائل بين عهد الطغيان وعهد الحرية. ومن جوانب هذا الشعور، أن التضخم الذي بلغ قبل 2003 حوالي 20% أصبح اليوم بأقل بـ 77% مما كان عليه. وخلال عام 2008 ، تمّت مضاعفة فِرَق إعادة تعمير مدن العراق من كافة النواحي من مدارس ومستشفيات ومرافق حكومية، وطرق برية ومائية وجوية.

إن الهواتف المحمولة Cell Phones مثلاً ، كانت ممنوعة ومُحرّمة على الشعب العراقي قبل 2003 . وكانت كلمة “آلو” تعني الموت لقائلها في بعض الأحيان. فكافة الهواتف، كانت مراقبة مراقبةً شديدة، من قبل أجهزة الأمن. واليوم ينتشر في العراق 8 ملايين تليفون محمول، بدون رقابة.



-5-

وشهد إقليم كردستان العراق منذ سنوات وإلى الآن، مراحل تطوير وإعمار وإنماء كثيرة أكثر مما شهدته مناطق أخرى من العراق، وذلك نتيجة للوضع الأمني المستقر الذي شهده هذا الإقليم على مدار الخمس سنوات الماضية من الإرهاب. ففي الوقت الذي كان فيه باقي سكان العراق يشعرون طوال السنوات الخمس الماضية بعدم الاستقرار وبالخوف اليومي والليلي، كان سكان إقليم كردستان يمارسون حياتهم العادية تماماً. فازدهر الاقتصاد وازدهرت التجارة، وتحوّل الإقليم إلى ما يشبه الورشة العمرانية الضخمة. وعندما زرت إقليم كردستان العراق عام 2006 دهشتُ مما رأيت، من استقرار، وعمران، وتنمية، في كافة الحقول والمناحي سواء في مجال الصحة، أو التعليم، أو الطرق، أو الخدمات المختلفة. مما دفعتني هذه الدهشة إلى دعوة العراقيين في الشتات، وخاصة في الأردن وسوريا، وفي الشتات “الحريري” الأوروبي إلى الإقامة في إقليم كردستان العراق، ليكونوا في وطنهم، وبين أهلهم، بدلاً من حياة الذل والهوان التي كانوا يعيشونها في بلاد الشتات المختلفة، العربية والأوروبية. وكان إقليم كردستان العراق منذ سنوات، يبشر بانتصار إرادة الحرية والديمقراطية قبل أن يتم النصر في بغداد رسمياً، عندما أعلن المالكي قبل أيام عن تسلم المنطقة الخضراء من القوات الأمريكية، معتبراً هذا اليوم عيداً وطنياً عراقياً.