الرئيسية » مقالات » مطلوبٌ شيءٌ من العشق لإنسانٍ يُعاني..!

مطلوبٌ شيءٌ من العشق لإنسانٍ يُعاني..!

كان العنوان هذا، إعلاناً صغيراً في جريدةٍ بعثها في يومٍ ما، الكاتب المجري ميلان فوشت..
بدأت الإنسانية ـ حسب التراث الديني ـ بجريمة اغتيال أخوية. قابيل يقتل أخاه هابيل، لأن الله رفض هديته أو “ضحيته” وقبل هدية أخاه هابيل.
وكأن الأسطورة تريد أن تحذرنا، من أن رفض الهدية هو جرحٌ كبيرٌ، أو الرفض بشكل عام يعتبر إهانة ويسبب ألماً. لأن كل رفض يحمل حكماً وإدانة. : أنت لا تستحقه، أنت لا تستحقني، لا أحتاجك، لا أريدك، لا تناسبني، يوجد أفضل منك إلخ. وإذا كان هذا الرفض لشخص مُتيّم، عاشق، مغرم، صديق مُعجب، فإن ألم الرفض يكون مضاعف أكثر، ويصعب تحمُله، ويُشكّل قوة من المشاعر الجيّاشة المضطربة. لهذا أعتقد أن من يرفض الحب يُسببُ جرحاً كبيراً للآخر، ويكون كمن يلعب بالنار…
الحكمة التي عمرها آلاف السنين تقول، أن الطريق الذي طوله ألف ميل يبدأ بخطوة. البناية ذات الطوابق الكثيرة، يبدؤوا تشييدها بطوبة واحدة. أي أنه يجب عدم اللعب على مشاعر الآخر، لا يجب الانطلاق ولا خطوة واحدة، الصف الأول من قطع الطوب لا يجوز وضعه، وعندها قد يكون الجرح صغيراً، وبثمنٍ قليلٍ من الألم والحسرة يمكن تجاوز الموضوع وتداركه، لكن إذا لم نتحمل هذه المسؤولية لأننا لا نملك الشجاعة، لأننا لا نريد جرح مشاعر الآخر، أو لأننا كسالى ونعتقد أن الزمن كفيل بحل كل شيء، وبنفس الوقت نترك التيار يدفعنا في مياهه ومجراه، إذا فعلنا ذلك سنجد أن الزمن لم يقم بحلّ شيء مكاننا بل يدفعنا باتجاه “مأساة” أو ما يشبه المأساة، قد لا ندركها في البداية..
أعتقد أن الإنسان كائن حيّ يقوم باجترار نفسه وإعادة “إنتاج” نفسه. نادر جداً أن يقع شخصٌ بالحب(العشق) من أول لحظة(نظرة)، ـ فكيف إذا كان “سماعي” كما قال الشاعر: الأذن تعشق قبل العين أحياناً ـ، ويمكن تشبيه ذلك بالبرق الذي يخترق الاثنين معاً وبنفس اللحظة، طبعاً هذا شيء جميل، لكن الأرجح أن ذلك لا يحدث. و”الحقيقة” أن الإنسان يكون عنده شوق للحب أو العشق، “وبحرفية” الكلمة يفتح صدره أمام الأمل بمعاناة(بحب). ولهذا السبب ربما أعطى ميلان فوشت الكاتب المجري إعلانه الصغير في الجريدة وكأنه يقول “مطلوبٌ شيءٌ(حاجةٌ) من العشق لإنسانٍ يُعاني” أو لمعاناة إنسان، وبهذا فتح صدره أمام العالم كلّه بحثاً عن الحب لمعاناته.. ـ قد يكون تعبير العشق في اللغة العربية مظلوماً أو نحن ظلمناه، فهو ليس أقل قدراً وقيمة من تعبير الحب، العشق ليس عارٌ ـ..!
قد لا يكون نادراً، أن كثيرا من العشاق المحبين لا يعرفون من يحبون. فهم في البداية كانوا متشوقين للحب، وعندما يظهر “المُنتظر” يُسقط عليه كل ما يملك من الفانتازيا “الإروتيكية”، من الصورة المثالية لديه، أحلامه بأنه هو الحقيقي، وعلى أساس اللوحة الفنية الجميلة التي رسمها(رسمتها) عنه يقع في الحب. وما يوجد خلف الصورة الفانتازية هي الصورة الحقيقية. لكن عندما تأتي دقائق “الخيبة” المأساوية، لا نقوم بالزعل (تأنيب) على أنفسنا، بل على الشريك الذي كان “الحلم”..! لأنك لست كما تصورتك؟. خيّبت أملي!.. وعندها لا حاجة للحديث عن زمن الحب الملتهب المنقضي والذي ـ في أحسن الحالات ـ يصبح شيء من التمثيل، وكل واحدٍ يقدم أجمل وجهٍ وأفضله للآخر. وخلفها يبقى يرافقه حياً الوجه الحقيقي للشخص، وليس بالتأكيد أنه يمكن تحمُل كل “تشوّهات” الإنسان وعاداته.
وأعتقد ـ ومن ملاحظتي ـ أن الصداقة المتبادلة، وحتى علاقات المنفعة المتبادلة، هي أكثر واقعية من الناحية الإنسانية من غالبية علاقات الحب الزوجي…
الريف المحيط بالحب مليءٌ غالباً بخيبة الأمل الذاتية. قبل حوالي 500 سنة كتب مبدعٌ إنكليزي قصة حبٍّ حقيقية، والناس يذهبون اليوم أيضاً إلى المسرح لمشاهدة روميو وجولييت ومتابعة محطات مصيرهما..
الحب لا شك موجود، لكنه ظاهرة نادرة، لقد اكتشف في يوم من الأيام شخصٌ أن الرجل المستقيم والمرأة الشريفة لا ينامان (يضاجعان) مع بعضهما إلاّ على أساس الحب. لكن ما هو الحب؟ وماذا يمكن تسمية الحب(عشق): كل رغبة وشعور ودّ ، إذا اشتهى شخصٌ آخر، الجاذبية، الإغراء، الإشعاع الداخلي، الإثارة الجنسية.. وما النفع من هذا أو ذلك التوصيف والتحديد؟.
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
قاتل الحب المخفي”المختبئ” هو الكسل. عندما تبدأ الأيام العادية وروتينها تخرّب “جهاز أمان”السعادة المُكتسبة والذي نظن أنها في مأمن، عندما يسيطر الكسل على الغزل، وعلى الإغراء، وعلى الجاذبية، بما فيها اللباس أو تسريحة الشعر أو البيجاما… لكن لماذا؟ الحبيب(الزوجة) صار “ملكنا”. والحقيقة أن ذلك هو الذي يبدأ بتحريك موت العلاقة بين الرجل والمرأة، لأنه يجب الكتابة في قلوبنا أن “الإنسان ليس ملكية أحد”..
الحب الحقيقي معاناة، سعادة، نشوة. لكن ذلك لا يمكن تسميته حالة أو وضع وإنما هو فترة قصيرة تلمع كالبرق وفوق العادة.. وإذا خمدت أو ذهبت؟ يعني علينا أن نقوم بالتمثيل أمام بعضنا؟ أم نبحث عنها بصور وأشكالٍ أخرى؟ لكننا قد اعتدنا على نمط ما، وهذا يعني أنه أمرٌ “مشروع” أن نبحث عن حالات متطرفة للعلاقات العاطفية. أو كما يقال أن الحب يتحول إلى محبة. لكن غالباً ما تكون النتيجة عدم الاهتمام، وحتى القرف، الكراهية..
وما الحل؟ يقول الأخصائيون أن أهم شيء هو عدم سماع نصائح خارجية، بما فيها نصائح الأقرباء المقربين، عندما يريد الشخص التحليق عالياً باتجاه الشمس كي يلحقه طائر السعادة الأزرق، تكون المعاناة دائماً أقوى من الكلمة الذكية ـ إن وُجدت ـ، وبنفس الوقت هذا الطائر الأزرق لا يمكن تقدير فعله وردة فعله، أحياناً يسمح بأن يمسكوه، وأحياناً يحطّ على كتف الحبيب المُختار، والحقيقة حتى هذا الطائر غير موجود.!
والواقع أن فارس الأحلام، الحقيقي، المثالي، الذي نتخيله ويجب البحث عنه وإيجاده لا يوجد، ولم يوجد سواء كان رجل أم امرأة. لكن الإنسان المحظوظ يمكن أن يلتقي خلال حياته بشخصين أو ثلاثة والذي يمكن أن يكون بينهم الحقيقي الذي يبحث عنه، لكن ذلك يحتاج إلى صبرٍ طويل، يحتاج إلى تفهُمٍ، وإلى التخلي عن أمورٍ عديدة، وفي النهاية تتشكل علاقة تُبين أنه لا يمكن الاستغناء عن الآخر بعد عملية طويلة من الاحتكاك والتأثير المتبادل، أو ما يمكن تسميته المنتظر الحقيقي..
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
ربما لم يكن الإنسان بحاجة إلى المحبة مثل اليوم، يقوم الإنسان بـ “شحاذة” المحبة في هذا العصر الفقير بالقيم..
اخترعوا في بعض الدول “خلف البحار” جهازاً يقوم بالترحيب والتحية وبصوت عالي بالشخص الداخل إلى البيت مع لحظة وضع المفتاح بالباب، وفي نفس الوقت هناك نقوم بطلب المساعدة لطرد الأرواح الشريرة، ومن جديد نحقن أنفسنا بالمورفين و…: يا ترى أين الخطأ الذي نرتكبه في علاقاتنا؟
إلى أي درجة نعرف ممارسة أو الحديث عن الحب، عن الفشل، عن تقديم التنازلات في علاقاتنا الشخصية..؟ أعتقد ـ بل أكاد أجزم ـ أنه هناك مشكلة كبيرة في علاقاتنا كبشر.
خلال حياتنا يتوجب علينا تقديم تنازلات وعقد مساومات كثيرة، وكثيرة الحالات التي علينا التأقلم معها، وفي البيت لا تقوم العلاقات والحياة المشتركة من تلقاء نفسها.
تحدث حالات الطلاق ـ الفراق ـ ، والمشكلة ليست هنا، بل أن الإنسان يحب أن يبدأ من جديد، أن يجّرب من جديد، أن يعتقد ويأمل من جديد. وتبدأ الحياة من جديد، ولكن وكأنها دائرة مغلقة، ونرجع في كل شيء من حيث بدأنا!، لأننا لا نريد تقديم تنازلات، والواقع أن العلاقة الاجتماعية تحتاج إلى تنازلات كثيرة.
ومرة أخرى ما هو الحب أو المحبة؟.. وقد يكون الجواب: أن نخلق للشخص الآخر شعوراً مريحاً وجيداً، سعادته مهمة لنا وقد تكون مهمة أكثر من سعادتنا نحن، أو أن سعادته هي سعادة لنا.. هذا جوهرها أعتقد.. لكن الحب سهل الخدش والجرح، حساسٌ جداً..
نعيش ونتربى على أساس النجاح، لكنه لا نتربى على أساس أنه تمرّ في الحياة مراحل خيبة وفشل أيضاً.. وهذا ما يسبب الضجر والقلق.. لا يمكن دائماً أن يكون الإنسان ناجحاً أو موفقاً، يجب النظر إلى أنه توجد في الحياة فترات أو لحظات من الفشل والخسارة والتي لا يراها الإنسان إلاّ عندما يكون قد سقط على الأرض من الصدمات، ومن على مستوى سطح الأرض يرى جيداً ما لم يراه وهو قائماً..
“لست متدين، لكن الفضول يدفعني أحياناً للتعرف على الدين ونصوصه”، وفي ابتهال نقرأ “إلهي أنت تعرف أنه ليس المهم أن يحبوني، بل المهم أن أحبهم، أن أحب، أن أستطيع الحب، ليس مهماً أن يفهموني، بل المهم أن أتفهمهم”. لا شك أنه شيء مهمٌ أيضاً أن يأخذ(يحصل) الإنسان وليس فقط أن يعطي، لكن المهم أن يعرف الإنسان العطاء وأن يعرف تقبل الطرف الآخر..
ليس التملك، لكن الإصرار على البقاء، ليس التطلب والطلب، ورغم ذلك أن نحب؟ يا ترى هذا هو سر السعادة في الحياة..
نعم، لو كنت في مكان قريب من الله ـ ملاك مثلاً ـ وأملك من الصلاحيات للتأثير في قراره، لقمت وكتبت في قلوب الناس لحظة ولادتهم “الإنسان ليس ملكية أحد”، وفي المقدمة الطفل. قيمة الطفل ليست أن يقوم بإكمال حياة أهله، وإذا لم تنجح قضية للأم أو للأب فستكون مهمة الطفل أن يعمل من أجلها.. ولهذا يصبح طبيب أو فنان.. الطفل كائن حي مستقل، مستقلٌ في مصيره ومستقبله، ودور الأهل ليس أكثر من مساعدته كي يجد نفسه في هذه الحياة.. أعتقد أنه قبل حوالي نصف قرن أو أكثر كان الأطفال يريدون بسرعة أن يصبحوا كباراً، بينما اليوم يبدو أن الأطفال يريدون أن تزداد فترة طفولتهم ومراهقتهم، وهم غير مستعجلين على حياة الكبار..
أعتقد أن تعبير الحب وما يعنيه ومنذ آلاف السنين لم يستطيعوا تعريفه بشكل دقيق، وهو كلمة ساحرة ويحمل السحر.. المعاناة، غير عقلاني، وإذا أحب شخصٌ آخر، لا يعرف لماذا أحب؟ ليس لأن شعرها أسود، أو أجعد، أو عيونها زرقاء، أو…، لأنه يوجد لأخريات (آخرين) تقريباً نفس المواصفات أيضاً.. قرأت مرة عن فتاة أن صديقها ضربها، وكان رد فعل أصدقاءها أنها لابدّ أن تكون قد تركته، لكنها قالت، لا لم أتركه، إنني أحبه!!.. لكنها تحبه، والحب بين اثنين لا يرتبط بشروط والتزامات، لهذا السبب يقولون أن الحب معاناة غير عقلانية أو “الحب أعمى”.. ، والعلاقة (الزوجية) أو ما يشبهها من علاقة طويلة لا يحددها الحب إلاّ نادراً..
أعتقد أن الأساس لكل شيء تقريباً أن نقبل أنفسنا ـ هذا ليس عشقٌ ذاتي ـ ، لكن إذا قبل الإنسان شخصه وحياته، يستطيع قبول الآخرين أيضاً، كثيرون ليسوا سعداء مع أنفسهم، ورغم ذلك يعتقدون أنه يمكن إسعاد شخص آخر، لكن هذا غير ممكن ومحاولة لا أمل فيها، لأن العالم ومحيطنا يتجاوب معنا أو يعكس لنا ما يصدر عنّا ومنّا للخارج، مخلّصٌ (منقذٌ) خارجي لن يأتي!…
الرشيتة في الحياة ليست سوى أنه لا توجد رشيتة للحياة.. عند الحكم على العلاقة مع شخصٍ ما، يجب الحذر كثيراً، لأننا لا نعرف ما يدور في خلده، لا نعرف لماذا تصرف هكذا…
قد لا يكون مكابرة إن قلنا أن مشاكل الحياة ـ الشخصية ـ لا يمكن حلّها، وهذا قد لا يكون هزيمة. يعتقد الإنسان أنه هو “الأخوث”، الفاشل الذي لا يستطيع حلّ مشاكله بنفسه، مع نفسه، مع صديقته، مع أمه، وهذا ما يزيد مشاكله تعقيداً أيضاً.. ليس كلام إنشاء إن قلنا أن الحياة مشاكلها لا تحلّ، بل يمكن تحمّلها.. ويمكن القول أيضاً أن الحياة مليئة بالمآسي وتحتاج إلى الرحمة.. نعم يمكن استخدام نفس ماء النهر مرتين، بل عدة مرات أيضاً..

سماء بلا نجوم…!

(يسأل أبناء الله،
“لماذا لا توجد نجومٌ في السماء؟”

وإذا لم تكن النجوم موجودة في السماء،
“لماذا لا يضيئون في الظلام المصابيح؟”

يسأل من جديد أبناء الله.
“سماء بلا نجوم، وبلا مصابيح مضيئة،
يا ترى، هل يرانا الله في هذا السواد؟
هل يرانا الله في الحمّام؟”.

وردّت الملائكة،
“الله لا يرى في الظلمة”.)

ملاحظة:
حرصاً على الوقت، يرجى عدم قراءة هذا الموضوع أكثر من مرة واحدة،
حرصاً على الغابات الشتوية، تمنع طباعته ولو لمرة واحدة،
حرصاً على الكلمات، أعلن تعليق مراسلتي للصديقة التي لم ألتق معها ولا مرة واحدة،
وحرصاً على ما تبقى في ذاكرتي من الوطن، أعلّق تعليقي، بانتظار “سعدون جابر” أن يكمل موّاله جملة واحدة:
“اللّي مضيّع ذهب .. بسوق الذهب يلقاه…. اللّي مفارق حبيب .. يمكن سنة وينساه…. لكن اللّي مضيّع وطن .. وين الوطن يلقاه…”
أنا لم أضيّع في عمري ولا قطعة ذهب واحدة، ومن سنة إلى 27 سنة قد يَنسى أو يُنسى الحبيب، لكن خريطة الوطن التي صارت كدفتر التليفونات أكتب وأشطب عليها، وحرصاً على ملامحها العامة لم يعد فيها من مكان سوى للشطب…..

14 / 2 / 2009.