الرئيسية » مقالات » على هامش انتخابات مجالس المحافظات

على هامش انتخابات مجالس المحافظات

أنهى العراقيون بنجاح ممارستهم الرابعة لانتخابات حرة ديمقراطية منذ انهيار النظام الديكتاتوري. وتعد هذه الممارسة الأخيرة أبلغ وأعمق مغزى ودلالة وأكثر أهمية من الممارسات الانتخابية الثلاث السابقة. إن هذه الممارسة هي حلقة مهمة من حلقات تضع العراق تدريجياً على سكة البناء الديمقراطي الحديث، حيث كرست إلى حدود غير قليلة الثقافة الديمقراطية والوعي الديمقراطي ومرجعية صندوق الانتخابات، وألحقت الهزيمة بثقافة العنف والسلاح. وفي الحقيقة إنها تجربة فريدة من نوعها في منطقة جميع دولها أنظمة استبدادية أو غير منتخبة ومعادية للديمقراطية من مختلف الألوان. ومن هنا فإن التجربة العراقية الديمقراطية ستتخطى حدود العراق لتلقي بشعاعها حتماً على ما يحيطها من دول وشعوب كي تسعى إلى بناء النظام السياسي بما يتناسب مع المعايير العصرية والديمقراطية.

ممارسة ديمقراطية حقيقية لأول مرة في العراق
وتعد هذه الانتخابات الأكثر شفافية بين الانتخابات التي تجري في العالم الديمقراطي. فقد أعلن المبعوث الخاص للسكرتير العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا أن هناك 60 ألف مراقب عراقي يراقبون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، إضافة إلى ما يزيد على 805 مراقب من الاتحاد الأوربي والجامعة العربية ودول أجنبية كثيرة، والمئات من مراسلي الصحف والإذاعات ومحطات التلفزة العربية والأجنبية. إنها أول إنتخابات في العراق منذ انهيار النظام السابق عام 2003 لم يعلن أي من الكيانات الإثنية والمذهبية والسياسية مقاطعته لها. وهذا ما وفر الفرصة لمشاركة واسعة من ممثلي مختلف الكتل والأحزاب والكيانات السياسية في جميع المحافظات (عدا كركوك ومحافظات إقليم كردستان)، بحيث زاد عدد المرشحين على أكثر من 14400 مرشح من 401 كياناً سياسياً يتنافسون على إشغال مقاعد يبلغ عددها 440 مقعداً. وشارك في الاقتراع في هذه الانتخابات حتى من حمل السلاح ومن المطلوبين أمنياً كما حدث في محافظة ديالى. ولقيت عملية الانتخابات ونتائجها والأجواء السلمية والخالية من العنف ترحيباً واستقبالاً واسعاً من قبل العالم الديمقراطي الذي استقبل بارتياح انضمام العراق الديمقراطي الجديد إلى مجموعة الدول الديمقراطية في العالم.
ولنتوقف عند أبرز ما أفرزته هذه الممارسة الديمقراطية العراقية الأخيرة من معطيات.
أولاً: شارك في الاقتراع ما يزيد بقليل عن النصف من الناخبين ممن يحق لهم التصويت. وهذه النسبة تعد مقبولة في المعيار الدولي. ولكن تشكل هذه النسبة أقل من نسبة من شاركوا في الانتخابات الثلاثة السابقة. وكانت أيضاً أقل من ما كان يتوقعه المراقبون، لما لهذه الانتخابات من أهمية في تركيبة الحكومات المحلية القادمة، إضافة إلى أهميتها في تحديد مصير انتخابات مجلس النواب القادم. ومن الملاحظ أن نسبة المشاركين في المحافظات التي قاطعت الانتخابات السابقة كانت أكثر من 60%، وبذلك فاقت نسبة المشاركين في المحافظات التي لم تقاطع الانتخابات السابقة حيث بلغت النسبة أكثر بقليل من 40%.
هذه النسبة المتدنية نسبياً في المحافظات التي لم تقاطع الانتخابات السابقة، تطرح عدداً من التساؤلات حول الكثير من الأمور التي كان يجري الترويج لها منذ سقوط النظام، ثم تصاعدت عشية الانتخابات الأخيرة وخاصة حول دور كل من المؤسسة العشائرية والمؤسسات الدينية ومدى تأثيرهما على الرأي العام في العراق. فلقد قيل الكثير عن دور العشيرة ومكانتها ودور رؤساء العشائر الذين كثر عددهم في السنوات الأخيرة للنظام الصدامي وازدادوا بعد سقوطه، وتأثيرهم على مجرى الأحداث إلى حد المبالغات. فإذا كان للعشيرة هذه المكانة وكان لمنتسبيها هذا الانضباط والتقيد بإرشادات شيوخها كما كان يشاع، لكان عدد من شارك في الانتخابات الأخيرة يزيد بكثير عن من شارك في الانتخابات السابقة بعد أن قدمت الحكومة كل دعمها للعشائر في الشهور الأخيرة. علماً أن نسبة غير قليلة من 51% ممن شاركوا في الانتخابات الأخيرة هم من سكان المدن، والذين لا يتأثر غالبيتهم بمواقف رؤساء العشائر ولا يعرفونهم. ولعل أبلغ دليل على ذلك هو تقدم قائمة المشروع الوطني العراقي على قائمة صحوة العراق في انتخابات محافظة الأنبار المعروفة بقوة النزعات العشائرية فيها.
ونفس الأمر ينطبق على المؤسسة الدينية بكل تلاوينها والتي أصدرت الفتاوى ودعى خطباء الجمعة منها بلزوم مشاركة العراقيين في الانتخابات. وتبين بعد أن شارك 51% ممن يحق لهم التصويت في الانتخابات، أن 49% من الجانب الآخر لم يلتزم بهذه الفتاوى الدينية ولم يعتبر المشاركة في الانتخابات واجباً شرعياً يفتح أمام المشارك أبواب الجنة، وفضّل ممارسة حقه الدستوري والديمقراطي المتمثل في عدم المشاركة في الانتخابات. هذه النتيجة الدامغة للانتخابات تدحض ما كان يروّج لدور المؤسسة العشائرية والدينية ويبالغ في تأثيرهما على القرار السياسي للفرد العراقي إلى حد الوصاية. فالمواطن العراقي راح هو يقرر موقفه، في المشاركة أو عدمها أو في اختيار المرشحين، آخذاً بنظر الاعتبار مصالحه وقناعته وثقته بالقوائم والمرشحين دون الخضوع لوصاية أية جهة دينية أو لمؤسسات لا يعرف مدى تأثيرها الفعلي في المجتمع. إنه لدليل على تنامي الوعي الانتخابي والسياسي الديمقراطي للعراقيين جميعهم وبمن فيهم ممن لم يشارك في الانتخابات.
ثانياً: لو رجعنا إلى الوراء قليلاً للاحظنا إن العراقيين في الأشهر الأخيرة أخذوا يدينون بشدة الطائفية المذهبية، ويتذمرون من الواجهات الدينية في العمل السياسي، إلى حد المطالبة ومن على شاشات التلفزة العراقية بلزوم الفصل بين الدين والعمل السياسي. ولعل أبرز دليل على ذلك هو مصادقة مجلس النواب ذي الأكثرية من ممثلي الأحزاب الدينية على قانون انتخابات مجالس المحافظات الذي يحظر فيه التشبث بالرموز الدينية واستخدام أسمائها واستغلال المراكز والطقوس الدينية في الحملة الانتخابية لمجالس المحافظات والأقضية والنواحي. وهو مؤشر على ما مارسه الشارع العراقي من ضغط نتيجة لتلمسه مخاطر وضرر التشبث بالواجهات الدينية على مستقبل البلاد ونسيج الشعب العراقي وعلى الحريات الفردية. ونتيجة لذلك تخلت عدة أحزاب دينية عن مسمياتها الدينية عند إعلان قوائمها الانتخابية، ورفعت لافتات لا تعبر عن أي مغزى ديني. بالطبع لا يعني ذلك، كما عبر عنه توبي دودج الخبير في الشؤون العراقية في جامعة لندن بكونه رد فعل عنيف ضد الدين، بل هو رد فعل على العهود التي قطعت على أسس طائفية دينية مذهبية. وهكذا التقط حزب الدعوة وأحزاب وتيارات وشخصيات دينية أخرى هذا النزوع عند المواطن العراقي ليغيروا أسماء قوائمهم، إلى قائمة ائتلاف دولة القانون وقائمة أحرار العراق…..الخ. ورفعوا شعارات مطلبية لا يشم منها رائحة الدين والمذهب والطائفية، بقدر ما تصب في مواجهة مصاعب حياة الناس اليومية الذين سئموا وضاقوا ذرعاً من تردّي الأوضاع الخدمية في البلاد.
ولكن لم تلتقط بعض الأحزاب الدينية ما جرى من تحول في وعي العراقيين، وأصرت على تمسكها بالواجهات الدينية والطائفية والدين السياسي الذي أضحى مرفوضاً من غالبية العراقيين. فالمجلس الأعلى الإسلامي بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم مثلاً، ظل متمسكاً بالواجهة الدينية وتشبث لدوافع سياسية بالمرجعية الدينية التي نأت بنفسها عن كل القوائم، ورفع أنصار له حتى صور المرجع الديني خلافاً لما نص عليه قانون انتخابات المحافظات. ولم يتراجع المجلس الإسلامي الأعلى كلياً عن سعيه لإقامة فدرالية “طائفية” في الوسط والجنوب والتي رفضها العراقيون خوفاً من تقسيم العراق واندلاع لهيب النزاع الطائفي. كما ظل خطابه الديني قائماً على وعظ ديني والدعوة لمسيرات “مليونية مذهبية” وليس خطاب سياسي يضع الحلول للمشاكل العويصة التي يعاني الفرد العراقي الأمرين منها يومياً. ونفس الأمر ينطبق على الحزب الإسلامي العراقي، ولكن بدرجة أقل، حيث خاض الانتخابات في بعض المحافظات بأسم الحزب وليس باسم آخر وتراجعت مواقعه في محافظتين مهمتين هي البصرة والموصل.
ومقابل ذلك اتبع السيد نوري المالكي منهجاً أخراً، فاختار قائمة ائتلاف دولة القانون. ولم يتطرق أثناء الانتخابات إلى الدين والمذهب والطائفة كواجهة له، بل روّج للهوية الوطنية العراقية التي أضحت الواجهة الرئيسية المحببة عند العراقيين بعد محن السنوات الخمس الماضية المريرة. وكانت النتيجة حصول قائمة السيد نوري المالكي في العاصمة بغداد على قرابة 38% من الأصوات في حين لم تحصل قائمة المجلس الاسلامي الأعلى إلا على 5,4% من الأصوات. وفي البصرة حصلت قائمة ائتلاف دولة القانون على 37% في حين لم تحصل قائمة المجلس الإسلامي الأعلى (شهيد المحراب) إلاّ على 6 ,11% من الأصوات. وخسر الحزب الاسلامي العراقي مواقعه السابقة في الانبار والموصل وديالى وصلاح الدين، ولم يحصل إلاّ على نسب محدودة لنفس السبب الذي ذكرناه آنفاً.
إن كل هذه النتائج تمثل مؤشرات واضحة على تنامى رأي عام جديد في المجتمع العراقي يسعى إلى حماية الدين والمذهب والإيمان الديني والمراكز والمراجع الدينية من دروب ومعترك التنافس السياسي و تعقيداته ، ولما في ذلك من وسيلة لدرء مخاطر جمة دفع العراقيون الدماء خلال السنوات الخمس الماضية بسبب استخدام الدين في المواجهات والصراعات السياسية والتضييق على حرية المواطنين وخاصة النساء العراقيات. ولذا يجب على المؤسسات الدينية التركيز على رعاية شؤونها ووظيفتها الخاصة، وترك الأمور للسياسي المنتخب كي يتولى معالجة المشاكل السياسية وتهذيب العملية السياسية وتقديم الخدمات للمواطنين ودفع عجلة الاقتصاد والتعامل مع التحديات الداخلية والخارجية، ويتحمل تبعات سلبيات وإيجابيات ذلك. فالوظيفة الدينية والوظيفة السياسية هما بالطبع وظيفتان مختلفتان.
ثالثاً: إن هذه الانتخابات تعطي مؤشراً أضافياً على المأزق الذي يواجه أدلجة السياسة سواء بغطاء أيديولوجي ديني أو غير ديني. فالتخلي عن نهج أدلجة السياسة هو نهج تسير عليه غالبية ساحقة من الأحزاب في المجتمعات الديمقراطية بعد أن جربت هذه المجتمعات خلال مراحل مسيرتها نحو البناء الديمقراطي ربط السياسة بأيديولوجيات دينية وقومية ويسارية، ولكن كل هذه المجتمعات واجهت مآزق ونزاعات دموية وفشلت حتى في تحقيق برامجها. ولذا ليس من قبيل الصدفة أن نرى عزوف واضح لدى الناخب العراقي عن أدلجة السياسة ونحو العلمانية، هذا الناخب الذي رأى في الربط المباشر بين الدين (الايديولوجيا) وبين السياسة هو نفق لا مخرج منه ويهدد بعدم استقرار دائم في المجتمع، كما يهدد الحريات الفردية والمشروع الديمقراطي في العراق. إن مقارنة بين ما كان عليها الوعي السياسي العراقي بُعيد إسقاط النظام وبين نتائج الانتخابات هو دليل على التطور الذي حصل في رفض العراقيين لأدلجة السياسة وتسييس الدين.
وللأسف لم يستفد المجلس الاسلامي الأعلى ويأخذ العبر من نتائج الانتخابات، فقد عاد حتى في البيان الذي أصدره بعد إعلان نتائج الانتخابات ليكرر نفس الأسلوب الذي اتبعه في السابق ويقول:”لقد جرت الانتخابات وجموع شعبنا تعيش أجواء محرم الحرام وشهر صفر والاستعداد لزيارة أربعينة سيد الشهداء الحسين عليه السلام وهو ما أعطى لأجواء الانتخابات روحاً إضافية مستلهمة الملحمة الحسينية وعبرها التاريخية الخالدة”!!.
إن نتائج الانتخابات تشير إلى تقدم واضح للتيارات العلمانية والخطاب المدني على حساب الخطاب الديني الطائفي في غالبية المحافظات. ففي كربلاء مثلاً، وهي المدينة التي تحتضن مرقد الأمام الحسين، أعطى الناخبون الكربلائيون جل أصواتهم للسيد يوسف الحبوبي الذي لا يمثل تياراً من تيارات الدين السياسي. وتجاوزت نسبة التصويت لصالحه النسبة التي حصلت عليها قائمة ائتلاف دولة القانون التي يتزعمها السيد نوري المالكي لضعف كفاءة إدارة المحافظة السابقة. وينطبق نفس الأمر على محافظة نينوى التي حصلت قائمة غير دينية فيها على نسبة 45% من الأصوات من الناخبين، ويضاف إليها القائمة المتآخية العلمانية في محافظة نينوى.
رابعاً: لعل أبرز ما حملته نتائج هذه الانتخابات هو التفوق الذي حصلت عليه قائم ائتلاف دولة القانون التي يتزعمها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. بالطبع إن النسبة المتقدمة لهذه القائمة ظلت متمركزة في محافظات الوسط والجنوب وبغداد على وجه التحديد، في حين لم تحصل هذه القائمة على أصوات تذكر في محافظات الموصل والأنبار وديالى وصلاح الدين. أنها دليل على التركة الضارة التي خلفتها ظاهرة الطائفية ومحاصصتها ونزاعاتها في الخمس سنوات الماضية وما قبلها. ومع ذلك فإن نجاح قائمة ائتلاف دولة القانون يعود إلى عدة أمور جوهرية أهمها أن رئيس الوزراء استلم المسؤولية والعراق على شفى هاوية حقيقية. فلا أمن ولا قوات أمنية قادرة على ردع المتطاولين على أمن العراق وشعبه. ولذا كان الشعار الأول لدى العراقيين هو تأمين الأمن والسلام للعراقيين وأصبح محك ثقتهم بكل من يستطيع تأمين الأمن لهم. وهكذا عمل رئيس الوزراء على تحقيق هذا المطلب تدريجياً وبدعم فعال من قبل القوات المتعددة الجنسيات التي استفادت من أخطائها السابقة وأوكلت تنفيذ الأمور الميدانية تدريجياً إلى القوات العراقية، إلى أن وصلت الأمور إلى الحالة التي نحياها الآن. وكانت ضرورة تأمين الأمن والسلام تحتاج إلى قلب الطاولة على المنحى الطائفي الذي استشرى في البلاد والذي هدد العراق بحرب طائفية يصعب التنبؤ بنتائجها. ولذا وجه المالكي القوات الأمنية نحو كل قوى التطرف من كل الألوان، ومن يدعمها من عصابات الجريمة. ولهذا السبب استقبلت صولة الفرسان في البصرة والعمليات العسكرية في مدينة الصدر وبعض المدن الأخرى ضد جيش المهدي والعصابات المسلحة الأخرى بتغيير في الموقف لدى الرأي العام العراقي. فحظيت إجراءات الحكومة بالترحيب والثقة بها من قبل كل العراقيين، إلى جانب تغيير في موقف الدول العربية إزاء هذه الحكومة، وما يعني ذلك من الحد من دعم فلول النظام والحركات الإرهابية من القيام بشرورهم ضد العراق. وقد عزز ذلك طبيعة الخطاب الوطني العراقي وجملة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في إطار المصالحة الوطنية والشروع بإجراءات للحد من الضائقة المالية لجمهرة العراقيين. وكان لتشديد المالكي على أهمية وحدة العراق وعدم التجاوز على الفدرالية أو صلاحيات مجالس المحافظات والتخلي عن كل ما يلحق الضرر بالوحدة العراقية ويسىء إلى الهوية العراقي أثر كبير في الارتفاع بالوعي الوطني العراقي ورص الصفوف وتوجيه الأنظار نحو الاخطار المحدقة جراء بعض المواقف الانعزالية التي تطرحها بعض الأوساط القومية المتشددة في إقليم كردستان العراق.
ولابد من الاشارة هنا إلى ان إجراءات حكومة المالكي ضد العصابات المسلحة والخارجين على القانون كانت موجهة أيضاً وفي الصميم نحو التخريب الذي تقوم به الهيئة الحاكمة الدينية المتطرفة في إيران، وجاءت استجابة لمطلب شعبي عراقي واسع بضرورة الحد من تدخل هؤلاء الحكام في الشؤون الداخلية العراقية ودعمها لبعض العصابات المسلحة أو تمويل بعض الحركات الدينية في العراق. وهذا ما أكسب الحكومة دعماً معنوياً وسياسياً واسعاً من قبل الناخبين العراقيين، بل وحتى من قبل الناخب العراقي الذي لم يعط صوته إلى ائتلاف دولة القانون في الانتخابات الأخيرة.
وأخيراً هو ما حققته الحكومة العراقية من توقيع الاتفاقية بين العراق والولايات المتحدة والتي تتمركز بالأساس حول المدة التي تنهي الوجود العسكري الأمريكي في العراق واستعادة السيادة الكاملة له، بدون “مقاومة مزعومة” ولا “تهدديدات لفظية” لا معنى لها ولا تحريض لا يقدم ولا يؤخر ولا تنفيذ أجندات إقليمية، بل عبر نشاط سياسي ونقاش دؤوب مدعومة بدعم دولي كي يؤمن العراق الأمن بمساعدة خارجية ضرورية أولاً، ثم تأمين السيادة له. إن مجمل هذا الأسباب هي التي أدت إلى أن تعطي أغلبية ملحوظة من المشاركين في الانتخابات أصواتهم إلى القائمة التي يتزعمها السيد رئيس الوزراء. بالطبع لابد من الإشارة إلى أن الإعلام الرسمي العراقي الذي يفترض أن يكون على مسافة واحدة من كل الكيانات، لعب دوراً لصالح قائمة رئيس الوزراء لأنه انحاز إلى هذه القائمة وقام بنشر شرائط إخبارية يومية لخطب رئيس الوزراء، إضافة إلى إنحيازه للمجلس الاسلامي الأعلى بنشره خطب طويلة للسيد عبد العزيز الحكيم ولنائب الرئيس السيد عادل عبد المهدي دون غيرهما، وهو ما يمثل تجاوزاً على حقوق القوائم الأخرى ووانتهاكاً لمبدأ منح فرص متساوية للجميع حسب قواعد الديمقراطية.
إن هذا التقدم لقائمة السيد رئيس الوزراء ستلقي عليه عبئاً ومسؤولية كبيرة وإضافية وتضعه على المحك في تصحيح مسار العملية الديمقراطية ودفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام بالاستناد إلى خبراء ومستشارين مرموقين وكفوئين من خارج حزبه، ومكافحة الفساد والمحسوبية المدمرة بجدية والاستمرار بتعزيز القوة العسكرية والأمنية وازالة التهميش والاذلال الذي فرض على المرأة من قبل قوى التطرف الديني بعد انهيار الديكتاتورية وتحرير المجتمع من موجة “الأكراه في الدين” بدلاً من مبدأ القناعة والتسامح وعلى قاعدة لا إكراه في الدين. كما سيلزم الحكومة بالمبادرة في تقديم مسودات القوانين الضرورية لدفع عجلة إعادة البناء في العراق في كل جوانبه، وتقديم مسودة لقانون الأحزاب قبل إجراء انتخابات مجلس النواب المقبلة. وبذلك سوف يبرر الثقة به من قبل الناخب العراقي ولا يدفعه للإحباط في حالة فشل قائمة رئيس الوزراء في تحقيق وعودها.
خامساً: ورغم ماحصلت عليه بعض القوى العلمانية والديمقراطية على بعض الأصوات، إلا أنها لا تشكل نجاحاَ بارزاً في هذه الانتخابات. والسبب يعود إلى أن الفئات الوسطى والمرتبطة بالانتاج الحديث والفئات المثقفة بقيت بعيدة عن هذه الانتخابات، جراء التشويه والتهميش الذي طال هذه الفئات الاجتماعية خاصة في ظل سنوات الحصار المدمرة. كما إن وسطاً واسعاً من الفئات التي يفترض أن تعطي صوتها لهذه القوى قد غادرت العراق قبل سقوط النظام وازدادت هجرتها بالملايين بعد سقوط النظام بسبب الأوضاع الأمنية المتردية التي سادت البلاد. كما أن تشتت هذه القوى وعدم توجهها نحو قدر من التنسيق بينها من أجل تشذيب العملية السياسية من التأثيرات الدينية المتطرفة والطائفية، وعدم قدرتها على التغلغل في الوسط الجماهيري الأوسع، كانا لهما دور إضافي في محدودية الأصوات التي حصلت عليها.
وربما نقدم في هذا السياق مثلاً صارخاً على ما حصل الحزب الشيوعي العريق في العراق، والمعروف بجملة من الإيجابيات في تاريخه، على هذا العدد المحدود من الأصوات مما يستحق الدراسة المتأنية والدقيقة لهذه النتائج، بما يؤدي بالتأكيد إلى تقدمه في انتخابات لاحقة. فالعراق تحوّل إلى بلد ديمقراطي، وأية انتخابات هي ليست نهاية المطاف، وإذا ما ضعف أداء أي حزب في الانتخابات في مرحلة ما فما عليه إلاّ أن يدرس الاسباب ويتصفح أوراقه كي يستطيع أن يصل إلى نتائج إيجابية في انتخابات لاحقة. وفي هذا الإطار من الممكن أن يشار إلى بعض الأسباب التي أدت إلى هذه النتائج. إن جانب من هذه النسبة القليلة التي حصل عليها الحزب يرجع إلى أسباب موضوعية خارجة عن إرادته. فالحزب الشيوعي يتجه في خطابه بالأساس إلى الفئات الكادحة في المدينة والريف وإلى الشريحة المثقفة التي كانت خلال تاريخ الحزب عوناً في إيصال صوته إلى الرأي العام. ولكن الفئات الكادحة في المدينة والريف تحوّلت إلى فئات هامشية جراء الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي عانت منها خلال حروب النظام السابق وفترة الحصار المدمر. وأصاب الطبقة الوسطى، التي كانت هي الأخرى رافداً للحزب، الانهيار الكامل في ظروف الحصار الاقتصادي. وانتقلت أوساط واسعة من المثقفين إلى خارج العراق وراحوا يبحثون عن مورد لرزقهم، أو مكان لإبداعهم بعد أن سدّت السبل بوجوههم، وتزايدت التهديدات ضدهم بعد انهيار النظام السابق. ويضاف إلى ذلك ضعف العلاقة بين الحزب وبين الشباب والنساء الذين يشكلون الأغلبية الكبيرة من سكان العراق.
وعلى الرغم من التجديد المهم الذي طرأ على الحزب الشيوعي العراقي منذ المؤتمر الخامس، إلاّ أنه ظل أسيراً لمبدأ “أدلجة السياسة” في وقت انهار هذا المبدأ عالمياً وعراقياً عندما انهارت “الأدلجة السياسية القومية” لحكام العراق السابقين. بالطبع لا يعني ذلك إلغاء الايديولوجيا، دينية كانت أم غير دينية، من على وجه الكرة الأرضية، فهو أمر مستحيل، بقدر ما هو فك ذلك الارتباط الوثيق بين السياسة والايديولوجيا المقيدة لأي فعل سياسي. إن الحزب اتخذ قراراً جريئاً في المشاركة في العملية السياسية التي جرت برعاية الغزاة. فساهم في مجلس الحكم وفي الوزارات المتعاقبة وخاض كل الانتخابات التي جرت في العراق بعد 2003. وتعد هذه الانعطافة مهمة في حياة الحزب رغم سوء فهم البعض في خارج العراق من الأحزاب الشيوعية أزاء هذه الخطوة وهجوم بعض من شاكس الحزب أيضاً. ولكن الحزب كان يراوح بين موقفين هو أيجابية التحوّل الذي حصل والذي أزاح الكابوس وفتح الطريق لبناء عراق نقيض لعراق صدام رغم أنه جرى بفعل الغزو الأمريكي، وبين الموقف الأيديولوجي في الموقف السلبي إزاء الولايات المتحدة وما رافق ذلك من سلبيات تمثلت في انهيار الدولة ومؤسساتها وانفلات أمني يتحمل بعض منه الجانب الأمريكي بالطبع. ولكن لنتخيل أن هذا التحوّل قد تم على أيدي عراقية، فما هو حجم الدمار والضحايا؟ بالطبع أكثر بكثير من الذي حصل، ولربما كان النظام سيستخدم كل اسلحة الدمار الشامل وغير الشامل للقضاء على العراقيين جراء فعلتهم. وكان للتشجيع والدعم الذي قدم للنخب العراقية في التركيز على العملية الديمقراطية والحوار بدلاً من الصراع اللامجدي ودعم التيارات التي تصدت للقاعدة في مناطق العراق والتصدي للتغلغل الإيراني في بلادنا، الأثر الإيجابي في النجاح الذي تحقق أخيراً في الانتخابات وسيادة الأمن في العراق. ولنكن واقعيين ونشير إلى أنه لو ترك الأمر للنخب العراقية وحدها دون هذا الدعم، لقادت هذه النخب، التي لم تستطع لحد الآن الاتفاق على تعيين رئيس جديد لمجلس النواب، العراق إلى متاهات لا تعرف عواقبها. ومن هذا المنطلق الأيديولوجي وجّه الحزب كل نقده للطرف الأمريكي، وحمّله كل تبعات الفوضى واستشراء الطائفية وانهيار دولة صدام التي انهارت مع مغادرته بغداد و دخول أول دبابة أمريكية إلى العراق. نعم هناك أخطاء كبير أرتكبت من قبل الإدارة الأمريكية ويتطلب النقد والإدانة، ولكن لم نر من الحزب أي انتقاد أو تنديد مثلاً لحكام إيران ولا لحكام سوريا ولا للتيار الصدري وعبثه ولا لجميع الفئات الخارجة على القانون بمسمياتها، في وقت يوجد لدى الحزب كل المعلومات عن الفئات التي تزهق ارواح العراقيين، ومنهم كوادر عزيزة في الحزب الشيوعي، وتدمّر البلاد يوميا بمساعدة حكام من دول مجاورة لا تخفي تدخلها في الشأن العراقي. ولم يصدر من الحزب أي تعليق عن موقفه تجاه ممارسات قوى قومية متطرفة في إقليم كردستان تدفع بإتجاه عرقلة البناء الديمقراطي وتغذي النزعات الشوفينية عند الطرف المقابل وتقوم بانشاء منظومات عسكرية ودبلوماسية وتعقد اتفاقيات خارجية دون الرجوع إلى الحكومة الاتحادية المركزية وتقوم برحلات إلى دول مجاورة لا تهضم وجود أي حق للأكراد في بلادهم في وقت تنطلق لغة التهديد وتسد السبل أمام الحوار الهادئ والجاد مع الحكومة المركزية التي يشغل ممثلو الإقليم مواقع مهمة من رئيس الجمهورية ونائب رئيس الوزراء ونائب مجلس النواب ووزير الخارجية وغيرهم، في لا تستطيع الحكومة الاتحادية أن تبدي وجهة نظرها في شؤون الإقليم وما عليه سوى دفع الحصة السنوية من الواردات العراقية. كان على الحزب أن يبصر المتشددين في إقليم كوردستان العراق علانية ومن ومنطلق الحرص على القضية القومية الكردية وعموم العراق بخطر هذا النهج وإعلام الشعب العراقي صاحب الشأن بذلك وعدم الاكتفاء بطرح آرائه وراء الأبواب المغلقة. وكان عليه التذكير بما حل بالعراق والقضية نفسها من عواقب جسيمة بسبب الموقف الخاطئ الذي اتخذته القيادة القومية بعد ثورة تموز والذي أشار إليه السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان الذي ذكر في الفصل المكرس لثورة 14 تموز 1958من كتاب “البارزاني والحركة التحررية الكردية” ما يلي: “كان خطأً كبيراً السماح للسلبيات بالتغلب على الإيجابيات في العلاقة مع عبد الكريم قاسم، مما ساعد على تمرير مؤامرة حلف السنتو وعملائه في الداخل والشوفينيين وإحداث الفجوة الهائلة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وعبد الكريم قاسم . فمهما يقال عن هذا الرجل فإنه كان قائداً فذاً له فضل كبير يجب أن لا ننساه نحن الكرد أبداً… وكان التعامل معه ممكناً لو أحسن التقدير”. ولابد لقيادة الإقليم الآن أن تحسن التقدير كي تتفادى أية كارثة تحل بالعراقيين من كل القوميات والأعراق، وهذا ما نأمله من الأخوة في الإقليم كي لا تعطي الفرصة لفلول الشوفينية أن تجهز على المكاسب التي حققها أكراد العراق. لقد أضحى الانطباع السائد لدى جمهرة من العراقيين هو التطابق بين مواقف الحزب وقيادة الإقليم في مواقفه مما ترك انطباعاً سلبياً لدى الناخب العراقي.
والآن فهناك مهمة ملحة وجادة تطرح على الحزب بدراسة الواقع الإجتماعي والتوجه أيضاً نحو 49% من الناخببين ممن لم يشاركوا في الانتخابات والتوجه نحو الشباب والنساء وإعادة النظر بالأداء الإعلامي للحزب ليتحول إلى منبر حر لا يعكس فقط الرأي الرسمي للحزب، بل مختلف الآراء بما يخدم الثقافة الديمقراطية وثقافة الحوار التي يدعو لها الحزب، وهي ذات لأهميتها في المرحلة الفعلية الحساسة من تاريخ العراق. كما ينبغي على الحزب النهوض بعلاقة الحزب وتوسيعها بالرأي العام العراقي ولم صفوفه والغستفادة من الخبر الكثيرة لأصدقاء الحزب وأنصاره كي يستطيع إيصال صوته إلى العراقيين، الذين كما بينت تجربة الانتخابات الأخيرة بحاجة إلى تيار عقلاني يساهم بفعالية وحكمة بدفع البلاد إلى بر السلام والإزدهار.
إذن انتهت الانتخابات بنجاح، وكان الفائز فيها الخيار الديمقراطي للعراقيين. ولكن بقدر ما أنجز من نجاح فإن قوى الشر المعادية لمرجعية الشعب في تحديد مستقبله و لصندوق الانتخاب في حسم التنافس والتباين بين القوى السياسية ، سوف لا تستكين سواء أكانت الداخلية منها أو الخارجية تريد أن تظل المنطقة بعيدة عن الشبح الذي يجول في سمائها الآن وهو شبح الديمقراطية.
12 شباط 2009