الرئيسية » مقالات » المصالحة الوطنية تسير في الطريق الخطا

المصالحة الوطنية تسير في الطريق الخطا

الى اين تسير المصالحة الوطنية التي وضعتها الادارة الامريكية ضمن الشروط الثمانية عشرة التي تقيس يها نجاح الحكومة العراقية الحالية.

منذ اربع سنوات تطرح مسالة المصالحة الوطنية على الاوساط السياسية والاجتماعية باعتبارها الجزء الغائب عن اكتمال العملية السياسية واستقرارها.ولسوء الحظ فشلت مؤتمرات واجتماعات ولجان المصالحة وعبرت عن خيبة امل كبيرة , وعن يأس من امكانية تحقيقها. ويعود ذلك لسبب رئيس هو عدم وجود رؤية واضحة عن المصالحة, وهل هي سياسية ام حقوقية؟ وهل هي ثقافية ام اجتماعية؟ .كما لاتوجد رؤية واضحة عن اطرافها واسبابها. فهي مرة مصالحة عشائرية بين مجموعة عشائر تتبادل القبلات وتعلن عن تصالحها ثم تذهب ليتجدد الحديث عن ضرورة المصالحة الوطنية وتحقيقها, حتى اصبحت واحدا من اهم مقاييس نجاح او فشل الحكومة العراقية. ومرة اخرى هي اجتماعات بين اطراف سياسية مشاركة في العملية السياسية, بعضها في الحكم وبعضها الاخر خارج الحكم نتيجة للانتخابات التي اخرجتها من الحياة السياسية التقليدية القائمة على التوافقات غير الديمقراطية والعلاقات الضيقة الاحتكارية. ومرة ثالثة يدور حديث المصالحة حول السنة والشيعة ورجال الدين وضرورة تحقيق المصالحة الوطنية بينهم.
مشكلة المصالحة الوطنية انها ماتزال سياسية. ومشكلتها الاكبر انها لاتحدد الاطراف ولا المشكلة التي تدور حولها المصالحة وتعقد بسببها. فمرة تبدو انها مصالحة بين العشائر, ومرة اخرى مصالحة بين المذاهب, ومرة ثالثة بين اطراف مختلطة لايعرف طرف ذنب الطرف الأخر ولماذا يوجد هنا, حتى بدت المصالحة الوطنية لعبة لاشغال جميع الاطراف ووضعها في مأزق لاتعرف بدايته فكيف تتعرف على نهايته.
المشكلة الحقيقية هي: ان هناك حزبا حكم العراق على مدى خمسة وثلاثين سنة. هذا الحزب امتلك اجهزة امنية وعسكرية وحزبية لقمع العراقيين ونشأ عن هذا القمع جرائم تمثلت في انتهاكات حقوق الانسان وفي ابادات جماعية نشأت عنها مقابر جماعية , واعدامات وتعذيب واغتصابات وتمييز قومي وديني ومذهبي وسياسي, استبدل فيها القانون بالرغبة الفردية والحزبية في تصفية مئات الالاف من المواطنين العراقيين, وهناك وثائق فلمية وصوتية وكتابية وشهود وضحايا وجرائم موثقة وغيرها من ادلة عن ارتكاب النظام السابق لجرائم ضد الانسانية وضد الشعب العراقي, وقد سقط ذلك النظام مخلفا ارثا من الانتهاكات والدمار والضحايا والمفقودين والقتلى والمعدومين والمعذبين والمنفيين ونحن امام قانون اسمه قانون اجتثاث البعث وامام قانون معدل عن هذا القانون هو قانون المساءلة والعدالة, وشكل القانونان رفضا واسعا من قبل اوساط سياسية بعضها يشارك في البرلمان والحكومة, ومصدر هذا الرفض سياسي بحت بعيد عن المفاهيم الحقوقية والقانونية, وماتزال مسالة تسييس المصالحة الوطنية تعرقل تحقيقها وتبعدها عن اية اسس حقوقية وقانونية.
وهناك انتهاكات في المجال الثقافي كلف قتلى ومبعدين ومنفيين وحوّل الثقافة العراقية من ثقافة ذات طابع انساني الى ثقافة متعسكرة في خدمة الحروب وعبادة الفرد والتمييز القومي والديني والاجتماعي , وهذا ساهم في تكريس ايديولوجيا العنف كاسلوب وحيد في ادارة الصراعات السياسية وادارة الازمات والخلافات , كما ان هناك انتهاكات في المجال الاقتصادي الخاص باموال العراق والاموال العامة والتهجير والاستيلاء على اموال المهجرين.
ولاينكر النظام السابق ذلك ولكنه يعتبرها اجراءات مشروعة للدفاع عن نفسه واسلوبا مستمدا من الشرعية الثورية التي خلعها على نفسه وعلى جميع اجراءاته المخالفة للقانون.

تبدو الدولة العراقية بلا افكار رغم انها دولة مبادرات. لكن مبادراتها ليست افكارا ومشاريع متكاملة ومدروسة وانما مبادرات سياسية لاضهار القدرة على ادارة الازمات. لكن الطابع السياسي الحزبي سرعان مايقود الى الوقوع في ازمة اخرى. ولهذا السببب تسير محاولات تحقيق المصالحة الوطنية في طريق خطأ وتنتهي وكأنها فشل للحكومة في تحقيقها. ان التجاذبات الكثيرة في قضية المصالحة هي تجاذبات سياسية لن تنتهي الا اذا درست مسالة المصالحة على اساس ثقافي حقوقي يقدم معالجات فكرية تاخذ بنظر الاعتبار طبيعة الماساة العراقية وتحديد الاطراف بدقة , كما تدرس لا كقضية عابرة وانما قضية مزمنة تتعلق بالايديولوجيا السياسية وقدرة هذه الايديولوجيا على تغييب القانون وكذلك قدرتها المستمدة من التنظيم الثوري على عزل المجتمع واعتباره ملكا للسلطة تنفذ فيه الاحكام وفق القوانين السياسية للحزب الحاكم وليس وفق القانون والدستور.
ان ماحدث هو انهيار نظام حزب البعث من خلال انهيار قيادة صدام حسين له في السطة. وهذا يعني ان المصالحة والصراع في نفس الوقت سيكونان بين نظامين: دكتاتوري منهار وديمقراطي يتكون. لكن النظام المنهار يملك دعما اقليميا يسعى لاعادة نفوذه كونه حلقة من حلقات النظام العربي التقليدية ولذلك نسي النظام الاقليمي جرائم النظام المنهار وصور محاكمة تلك الجرائم باعتبارها محاكمة لعروبة العراق ولجزء اساسي من مواطنيه, واعطوا صورة مقلوبة تصور الصراع على انه صراع بين قوى دينية شيعية وبين نظام مثل العراق كله.
ان المصالحة الوطنية تسير في الطريق الخطأ. فمنذ اربع سنوات تطرح مسالة المصالحة الوطنية على الاوساط السياسية والاجتماعية باعتبارها الجزء الغائب عن اكتمال العملية السياسية واستقرارها.ولسوء الحظ فشلت مؤتمرات واجتماعات ولجان المصالحة وعبرت عن خيبة امل كبيرة , وعن يأس من امكانية المصالحة. ويعود ذلك لسبب رئيس هو عدم وجود رؤية واضحة عن المصالحة, وهل هي سياسية ام حقوقية؟ وهل هي ثقافية ام اجتماعية؟ .كما لاتوجد رؤية واضحة عن اطرافها واسبابها. فهي مرة مصالحة عشائرية بين مجموعة عشائر تتبادل القبلات وتعلن عن تصالحها ثم تذهب ليتجدد الحديث عن ضرورة المصالحة الوطنية وتحقيقها حتى اصبحت واحدا من اهم مقاييس نجاح او فشل الحكومة العراقية. ومرة اخرى هي اجتماعات بين اطراف سياسية مشاركة في العملية السياسية بعضها في الحكم وبعضها الاخر خارج الحكم نتيجة للانتخابات التي اخرجتها من الحياة السياسية التقليدية القائمة على التوافقات غير الديمقراطية والعلاقات الضيقة الاحتكارية. ومرة ثالثة يدور حديث المصالحة حول السنة والشيعة ورجال الدين وضرورة تحقيق المصالحة الوطنية بينهم.
مشكلة المصالحة الوطنية انها ماتزال سياسية. ومشكلتها الاكبر انها لاتحدد الاطراف ولا المشكلة التي تدور حولها المصالحة وتعقد بسببها.
المشكلة الحقيقية هي: ان هناك حزبا حكم العراق على مدى خمسة وثلاثين سنة. هذا الحزب امتلك اجهزة امنية وعسكرية وحزبية لقمع العراقيين ونشأ عن هذا القمع جرائم تمثلت في انتهاكات حقوق الانسان وفي ابادات جماعية نشأت عنها مقابر جماعية , واعدامات وتعذيب واغتصابات وتمييز قومي وديني ومذهبي وسياسي, استبدل فيها القانون بالرغبة الفردية والحزبية في تصفية مئات الالاف من المواطنين العراقيين, وهناك وثائق فلمية وصوتية وكتابية وشهود وضحايا وجرائم موثقة وغيرها من ادلة عن ارتكاب النظام السابق لجرائم ضد الانسانية وضد الشعب العراقي, وقد سقط ذلك النظام مخلفا ارثا من الانتهاكات والدمار والضحايا والمفقودين والقتلى والمعدومين والمعذبين والمنفيين ونحن امام قانون اسمه قانون اجتثاث البعث وامام قانون معدل عن هذا القانون هو قانون المساءلة والعدالة, وشكل القانونان رفضا واسعا من قبل اوساط سياسية بعضها يشارك في البرلمان والحكومة, ومصدر هذا الرفض سياسي بحت بعيد عن المفاهيم الحقوقية والقانونية, وماتزال مسألة تسييس المصالحة الوطنية تعرقل تحقيقها وتبعدها عن اية اسس حقوقية وقانونية وثقافية.
وهناك انتهاكات في المجال الثقافي والاجتماعي كلف قتلى ومبعدين ومنفيين وحوّل الثقافة العراقية من ثقافة ذات طابع انساني الى ثقافة متعسكرة ومجتمع متعسكر في خدمة الحروب وعبادة الفرد والتمييز القومي والديني والاجتماعي , وهذا ساهم في تكريس ايديولوجيا العنف كاسلوب وحيد في ادارة الصراعات السياسية وادارة الازمات والخلافات , كما ان هناك انتهاكات في المجال الاقتصادي الخاص باموال العراق والاموال العامة والتهجير والاستيلاء على اموال المهجرين, اضافة الى الخراب والتدمير والتصحر المتعمد
ولاينكر النظام السابق ذلك ولكنه يعتبرها اجراءات مشروعة للدفاع عن نفسه واسلوبا مستمدا من الشرعية الثورية التي خلعها على نفسه وعلى جميع اجراءاته المخالفة للقانون.
*الطرف الاول:
نحن اذن امام طرف اساسي في الصراع هو حزب البعث وارثه البشري والسياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي وتاثيرات هذا الارث في المجتمع العراقي وفي حياة ملايين المواطنين العراقيين.كما اننا امام خلاف سياسي حول قانونية هذا الارث وشرعيته من وجهة نظر هذا الطرف. وهو استنادا على هذا الاعتقاد الاحادي يواصل محاولاته لوقف النظام السياسي والحقوقي والدستوري الجديد
وقد اضيف الى هذا الطرف ايضا طابع ديني تمثل في هيئات ومنظمات علماء المسلمين وفي مجموعات سلفية تريد الغاء العملية السياسية برمتها ويطالبون بترحيل السياسيين الحاليين الى خارج العراق, وفي اطراف اقليمية دخلت في هذا الشأن بحيث اصبحت المصالحة مطلبا خارجيا اكثر منه عراقيا واصبح العامل الخارجي حاسما في تقرير هذه القضية مما يجعلها قضية مستديمة للتاثير على اية جهود للاستقرار وفرض القانون والدستور, في وقت يبدو التحرك العراقي الوطني العام مشلولا للتاثير على هذا العامل بسبب المجال الضيق الذي حصرت فيه المصالحة واقتصارها على النشاط الرسمي المعزول عن التاثير الشعبي وتاثير الاوساط الاجتماعية والثقافية والفكرية والقانونية والاكاديمية صاحبة الشأن في تقرير هذه المسالة الى جانب الحكومة ومؤسساتها.

*الطرف الثاني
اقتصر الطرف الثاني, سياسيا, مع الاسف على الشيعة كضحايا للنظام السابق. لذلك بدت مساعي المصالحة وكانها قبول السنة بالشيعة على اسس مذهبية تتيح لهم القبول السياسي. وتبدو الحكومة وكانها الطرف الذي يمثل مصالح الشيعة في المعادلة ولذا صور الاعلام العربي وجزء من الاعلام العالمي اعدام صدام حسين على انه حكم من قبل الشيعة وليس من قبل القانون العراقي.
وتم دمج البعث بالسنة على اعتبار ان السنة هم ضحايا سقوط حزب البعث,ولذلك تجمع كل هذا لينتج صورة ضحايا للنظام الجديد غطت على ضحايا النظام المنهار وبدت المصالحة مستحيلة, اذ اصبحت بعض اطراف البعث المتسترة تحت غطاء سياسي وطني تدعيه وتحت ستار طائفي وستار قومي تطالب النظام الجديد بالاعتذار واعتباره مذنبا والسبب هو انفراد طرف واحد وبرؤية ضيقة ابعدت بقية ضحايا النظام المنهار من موضوع الادانة والمصالحة معا, مما اضعف هذا الطرف وجعله وحيدا متهما بروح الانتقام وغير قادر على ادانة الطرف الذي ارتكب جرائم موثقة ومعترف بها.

*الطرف الثالث:
ان اهمية الطرف الثالث تلعب دورا في تحقيق المصالحة, خاصة اذا كان وطنيا عادلا وقادرا على صياغة فكر المصالحة والتركيز على طابعها الحقوقي والثقافي. وهذا الطرف ينبغي ان يكون مقبولا من الطرفين ويتمتع بثقتهما به وبعدالته ومصداقيته, وهذا يتطلب ان يكون من ضحايا النظام السابق ومن غيرهم ومن جزء من النظام السابق ممن يؤمنون باهمية سيادة القانون بعد سيادة القانون الثوري الذي طالهم هم ايضا حتى ولو ظلوا احياء , متسامحا وقادرا على تقديم نفسه كقوة عفو ولكن كقوة ادانة في نفس الوقت للجرائم المرتكبة , ومعروفا من كلا الطرفين وله سمعة لاغبار عليها ليمثل الاساس الثقافي والاجتماعي و الحقوقي للحوار والمصالحة . لامصالحة بين طرفين بدون طرف ثالث, وهذا الطرف ينبغي ان يكون عراقيا مقبولا معروفا عراقيا وعربيا ايضا وقادرا على حسم الخلافات والتمسك بمعايير وقيم المصالحة لتقريب الطرفين من الاعتراف بها, اذ بدون ذلك لن تتحقق اية مصالحة وستظل تثار لعرقلة اي استقرار سياسي في العراق.

ويخطئ من يفصر المصالحة على الجانب السياسي. والحقيقة انها لم تنجح لانها اقتصرت على الجانب السياسي. ان المصالحة موضوع ثقافي بما يشمله المفهوم الثقافي من حقوق ودستور واطر اجتماعية وطرق تفكير وموقع عدد من المفاهيم الاخرى مثل السلم الاهلي والتنمية والتجانس الاجتماعي والعدالة والعفو والضمير في خارطة المصالحة الوطنية. ولا اعتقد ان الاطراف الحكومية العراقية قد اخذت ذلك بنظر الاعتبار , ولدي شعور بانها اذا اقدمت على اخذه بنظر الاعتبار فانها ستقوم به هي وتستحوذ عليه لسببين اصبحا ظاهرة سياسية لدى الاطراف الحكومية , الاول محاولاتها لاحتكار الفكر استنادا على الاحتكار السياسي, وهذا جزء من الفردية وعدم التثقف بالثقافة التعددية, والثاني محاولاتها لاظهار قدراتها على اجتراح الحلول وتحقيق النجاح بدون مشاركة الاخرين, وهذا السببان بدورهما يعيقان تحقق المصالحة كما اعاقا تحقيق كثير من الاهداففي عدد من المجالات ومنها:

في مجال الثقافة

يعاني العراق من ارث ثقافي مظلم يهيمن على الحياة السياسية والاجتماعية ويزودها بعناصر العنف والايدلوجيا المضللة التي تمتلأ بالخرافات السياسية بعيدا عن العقلانية, وقد عبرت هذه الخرافات عن نفسها طوال خمس سنوات وتصاعدت في حملة فرض القانون في البصرة فقد طغت على الشارع العراقي وعلى الخطاب الاعلامي للفضائيات والصحف ومواقع الانترنيت مواقف لامنطقية كانت تطالب بالقضاء على الميليشيات فلما بدأت الحملة ضد الميليشيات توجه الخطاب الاعلامي ضد الدولة والقانون والصلاحيات الدستورية.
ان الثقافة السائدة في العراق اليوم, سواء في الدولة او في المجتمع, هي ثقافة النظام السابق وهي ماتزال قوية وتغطي على الامكانيات المستقبلية لانبثاق ثقافة قانونية ودستورية ديمقراطية قادرة على ان تدفع الى الوسط الثقافي المثقفين الذين ناضلوا وعانوا من التمييز والتغييب في النظام السابق سواء داخل العراق او خارجه.وحتى الان لم تعالج وزارة الثقافة ولا اية مؤسسة او منظمة ثقافية آثار ثقافة الحرب وعبادة الفرد والدكتاتورية , ولم ترسم معالم سياسة ثقافية بديلة وقادرة على حماية المنجز السياسي والدستوري الحقوقي الذي قام على انقاض النظام المنهار.وبدون تحقيق رؤية ثقافية عبر سياسة واضحة ومخططة ستبقى ثقافة النظام المنهار تعيق اي تطور ثقافي يسهم في التطور السياسي باتجاه ثقافة الحقوق والقانون والمواطنة والدستور والعدالة.
ان العراق بلد ثقافي , ويملك من الاسس التاريخية للثقافة مايجعله قادرا على الانتاج الثقافي والتاثير الثقافي, ولكن لم يتم فهم دور الثقافة الا من خلال كونها نشريات وطباعة ومهرجانات ادبية, الامر الذي يجعل من تصفية الارث الثقافي الدكتاتوري والاستبدادي موضوعا غائبا يسمح غيابه بتكريس قيم متخلفة لثقافة العنف والتمييز وتغييب العقلانية والموضوعية ورؤية الواقع والوقائع ويحل محلها الاوهام الايديولوجية والشعارات.
ليس بالضرورة ان تكون جميع جرائم البعث المنهار قابلة للمحاكمة القضائية, لكن المحاكمة الاخلاقية والثقافية ضرورية لتصفية الحساب مع الاف الجرائم مثل اجبار العراقيين على التبعيث ومنعهم من العمل والحياة ومصادر الرزق تحت التهديد والتعذيب للتخلي عن قناعاتهم السياسية والفكرية , ومثل سياسة الحرب التي قادها النظام وكانت نتائجها المأساوية قتل مئات الالاف الذين خلفوا مئات الالف من الثواكل والارامل واليتامى مما دمر المجتمع العراقي وعرضه لمعاناة يومية قاسية, والتحريض الثقافي والايديولوجي على ابادة الخصوم السياسيين وهذه كلها تتطلب محاكمة اخلاقية وثقافية للنظام المنهار لادانته فهي الادانة الاساية لاعتباره عارا وعيبا يجب الاعتذار منه لتحقيق السلم الاهلي والاستقرار الاجتماعي والسياسي.




في مجال الاعلام

ان غياب الاعلام الحرفي المستقل يفقد الدولة امكانيات التاسيس والتطور. هذا لايعني ان يكون الاعلام حكوميا ولكنه يعني ان الاعلام في اية دولة هو جزء من الدولة حتى لو كان مستقلا لانه يتوجه الى مجتمع تلك الدولة اولا. ان اغلب القطاعات الاعلامية تدار بشكل هاو غير محترف بالمعنى المهني ,وليس بالمعنى السياسي والحزبي الذي يقود النشاط الاعلامي ويجعله عاجزا عن حماية الدولة و المجتمع.ان اغلب وسائل الاعلام ومنها كثير من وسائل الاعلام التي تمولها الدولة العراقية تخدم مصالح النظام المنهار سياسيا وثقافيا واعلاميا سواء عن قصد او عن جهل بالسياسات الاعلامية وعناصرها.

تشير هذه الحالات الى فجوة كبيرة والى تعارض بين مصالح فردية واخرى وطنية. والى محاولات فردية وعصبوية واضحة الى تشديد عزلة الحكومة واعتبار السلطة منظمة مغلقة بحاجة الى تضامن اعضائها لكي تبقى وتستمر لذلك تحول دون استفادة الدولة والحكومة من الخبرات والشخصيات الفكرية والثقافية والسياسية الوطنية المستقلة كما تحول دون تاسيس وسط واسع سياسي وفكري يدعم العملية الدستورية ويحميها فكريا وحقوقيا وثقافيا ويفتح امام الفطاعات المهنية والتكنوقراطية ابواب المساهمة مختلفة الميادين في بناء الدولة ورفد الحكومة بخبرات وتجارب تخفف غلواء الصراع الحزبي الذي يريد ان يحتكر الدولة والحكومة ويعزل المجتمع باعتباره كما تابعا لادور له الا في اعطاء الاصوات , الامر الذي اصبح متداولا بين قطاعات المواطنين الذين بدأوا ينتظرون بديلا جديدا عما الفوه وخبروه من قطيعة واسعة بينهم وبين الدولة والحكومة.



في مجال العلاقات الوطنية

ان خارطة العلاقات الوطنية هي من الدلائل المهم لادارة الازمات السياسية واقامة تحالفات وبناء مؤسسات الدولة وجعلها حيوية وفاعلة. ومع الاسف لم يقدم اي حزب من احزاب الحكومة او البرلمان اية رؤية واضحة وموضوعية ووطنية للعلاقات الوطنية تحدد طريقة التعامل واشكال التعاون ووسائل ادارة الازمات او المشاركة في حكم تعددي تداولي دخلت فيه قوى سياسية جديدة الى العملية السياسية وينتظر ان تدخل قوى من اجيال جديدة وشخصيات ماتزال خارج العملية السياسية رغم دعمها لها من خارجها.
لقد كانت تجربة المعارضة العراقية تفتقر الى تاسيس للعلاقات الوطنية وهو الامر الذي اطال عمر النظام السابق. وكان شبح التناحر والالغاء والتهميش والتغييب يخيم فوق الحياة السياسية للمعارضة ويهدد امكانيات الوحدة والتعاون, وتغلبت المصالح الحزبية على المصالح الوطنية ولذا كان الشعور بالضعف شعورا واقعيا سببه عدجم وجود خارطة معترف بها للعلاقات الوطنية تقوم على برنامج ودستور
ومايزال غياب الرؤية الواضحة للعلاقات الوطنية يؤثر على الدولة والحكومة والعملية السياسية فماتزال العلاقات شخصية وانتقائية تقوم على المجاملات والتعارفات القديمة وهي تنتمي الى نصف قرن وتجعل العملية السياسية بيد قوى ليس لها سوى الاسم بدون حتى عشرة اشخاص كاعضاء في تلك القوى, وقد حكمت الانتخابات على كثير منهم حكمها العادل باعتبارها جزء من التاريح وليس جزء من الحاضر والواقع ومع هذا فان العلاقات الشخصية ماتزال تحدد خارطة العلاقات الوطنية.
ومنذ سقوط النظام السابق عاد الالاف من العراقيين ولكنهم لم يجدوا مكانا لهم في العراق الجديد كما لم يكن لهم مكان في العراق القديم , وقد اصبحوا في حالة ياس من العودة, وهو امر يدعو للقلق, لانه يشير الى تحولهم الى وسائل ضغط اجتماعي واعلامي باعتبارهم رايا عاما ايضا يضعف مصداقية التحول الذي حدث في العراق وينقص من مبررات شرعيته واستقراره وتحوله الى نظام لللعراقيين وليس الى من يحكمهم.
من الواضح ان مصالحة وطنية تقتصر على تهميش جميع الاطراف وحصر تحقيقها بين الحكومة وبعض البعثيين لن تتحقق ولن يكون هناك تحول ثقافي نحو الديمقراطية والاستقرار.

2008-07-15

http://www.aqlany.com/