الرئيسية » مقالات » الشاعرالغائب ذياب كزار ابو سرحان

الشاعرالغائب ذياب كزار ابو سرحان

ابا سرحان هل لازال الدرب طويل كما تنبأت منذ زمن بعيد ، هل حقاً سنصل الى تلك القنطرة البنفسجية الغافية على نهر الاحزان السرمدي ، ام كانت احلامنا محض سراب رسمته قسوة الايام فكانت مثل زورق ملون يهرب بنا من واقعنا المرير ، اي حاجز كتائبي لئيم استوقفك ايها الشاعر الجميل ، لاشك انك تذكرت الشاعر لوركا حين اوقفته الكتائب الاسبانية السوداء فكلها كتائب ارتدت سواد الليل وكشرت انيابها بوجه الصباح الفيروزي ، وبوجه الغرباء حملوا اعظم الاحقاد ، مالنا هل اصبحنا نحن الغرباء دودة الارض المخيفة ام صرنا شذاذ الافاق ، الم يكن الحسين غريباً في كربلاء اما كان جيفاراً غريباً في جبال بوليفيا ، لم تكن أشراً يا ابا سرحان فلقد رحلت بعيداً تحمل دفاتر اشعارك وجسدك المنهك من سنوات السجن في نقرة السلمان ، لقد ناصرنا وناصرتنا الثورة الفلسطينية وكيف لا يتعاون المظلومون ويتعاضدوا ، اتذكر ان فرقتنا الغنائية التي اسسها الملحن كمال السيد في دمشق اوائل الثمانينات كانت تتدرب في مقر الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في اليرموك وكنا اخوة حقيقيون وصدق ابو فراس الحمداني الذي ذاق مرارة الغربة في الأسر حين قال
نسيبكَ منْ ناسبتَ بالودِّ قلبهُ وجاركَ منْ صافيتهُ لا المصاقبُ
بالامس استمعت الى اغنية شوك الحمام التي كتبتها يا ابا سرحان في اواخر الستينات ولحنها الملحن المبدع كوكب حمزة وغناها المطرب الدكتور فاضل عواد ، انسكبت الكلمات على قلبي مثل شلال من الاحزان فبكيت ثم بكيت تمنيت ان ابحث عنك في كل ربوع لبنان انبش كل حجارة واسأل كل الاشجار هل تعرف اين تنام ؟ ثم سالت دموعي حين وصلت الاغنية الى المقطع التالي :
خليني حدر الزلف …
ترجيه
أرد أغفه !
حسنج كَمر …
لو شمس …
لو فرحه لو زفه
يلماي وين النبع … ؟
مدفون بالشفه
وشوق الحمام ابهيد …
والونه ترفه
اين غفوت يا ابا سرحان تحت اية ارزة او سندنيانة وضعوك ستنطق كل اشجار لبنان شعراً ستسقيها من روح شعرك عذوبة الكلمات ، شجرات الارز حزينة حين ارادوا اخفائك تحت جذورها فتشربت منك سحراً وبيانا ًوموسيقاً لابد انك أفقت في احدى الليالي لتغني شوك الحمام فخرج الحمام ليلاً ليستمع الى صوتك الحزين ايها الشهيد الغريب بكت كل الحمامات حين سمعن كلماتك وانت تردد يلماي وين الندى فانت عطشان ايها الشاعر الغريب عطشان الى نبع يسقيك ثم بَقِيتَ تغني قصيدتك الخالدة :
ذبلن وعود العشق بشفافك ..
وماتن
وطيور حبنه ارحلن ..
وي طيفك وتاهن
وكل المهاجر اجه ، وكَلبك بعد ما حن
وشوق الحمام ابهيد ..
والونه ترفه
يلرمشه بستة فرح …
وعيونه تجليبه
يلطوله نايل عشق …
والشعر مدري به
مجتول من صيد أمس
من كثر تعذيبه !
ابا سرحان لقائنا حتماً تحت جسر الاحلام فهناك قنطرتنا البعيدة وهناك غفت احلامنا ونامت ، فالليل موحش وطويل وضباع الليل قتلت الفرحة في قلوبنا ، ارجوك لا ترحل ! سنصل اليك سنتسامر طوال الليل ونغني اغنيتك الرائعة
حـــدر التراچي بـــرد والگنطره اِبعيده
أمشي وأگول أوصلت والگنطره اِبعيده
*****
حلمانه برد الصبح رجف خلاخلهه
يا دفو… چمل دفو يا گمر ضويلهه
يا ذهب خيـــــط الشمس
والدغش ماريده
أمشي وأگول أوصلت والگنطره اِبعيده
*****
لا ..لا .. يبـــــرد الصبح
ما تحمل اِچفوفهه
اِزغيره وچواهه العشگ
واِتوسد اِزلوفهه
هيــــــمه وجحيل الوكت
ما لمني نفنوفهه
لوذي اِعله باجي البعـد
يا روحي حدر ايده
أمشي وأگول أوصلت
والگنطره اِبعيده
ولد شاعرنا الغائب أبو ســــــرحان في محافظ البصرة عام 1946 من أبوين عراقيين ينحدران من قضاء الشطرة قرية ( آل جار الله ) رحلا إلى البصرة طلباً للعيش ، قاده ادراكه الفكري المبكر الى الانتماء لحزب الفقراء الحزب الشيوعي ، سُجنَ في سجن نفرة السلمان ولم يبلغ السابعة عشرة من عمره النيزكي ، قادت الاحزاب الشيوعية واليسارية حملة لانقاذه باعتباره اصغر سجين سياسي و قاد الفيلسوف جان رســل والقائد الشيوعي الفرنسي جورج مارشيه الحملة العالمية و زارا السجن الذي إمتلأ بالاف السجناء الشيوعيين .
اصدر ديوانه الوحيد حلم وتراب في بداية السبعينات وكانت نبوءة مبكرة فقد اختلط حلمه مبكراً بتراب الارض فغاب في ارض غريبة دافع عنها ضد الاجتياح الاسرائيلي فوقف الى جانب اخوته الفلسطينيين واللبنانيين الوطنيين يدافع عن حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة تنهي حياة التشرد والغربة ، فاستضافته بيوت الفلسطينيين واللبنانيين الذين تضامنوا مع محنة الشيوعيين والشعب العراقي من الديكتاتورية الصدامية ، اما الكتائبيون فقد تضامنوا مع الديكتاتور ومع الاحتلال الاسرائيلي ، فاستبشروا بقدومه بينما تصدى له المقاومون الشجعان وكانت بينهم ثلة من العراقيين الاحرار ذهب منهم عدد من الشهداء سقت دمائهم ارض لبنان تضامناً مع اخوتنا الفلسطينيون ، اما ذياب كزار فقد استوقفه حاجز كتائبي ليغيب هذا القمر اليساري العراقي وليسقي ارض لبنان شعره وكلماته الساحرة .
كان من الكتاب الاوائل الذين عملوا في جريدة طريق الشعب عند صدورها عام 1973 مع نخبة من الكتاب البارزين كشمران الياسري ابو كاطع ورشدي العامل والفريد سمعان وسعدي يوسف .
كما شارك أبو ســرحان في المجموعة الشعرية الخالدة ( أغاني .. للوطن .. والناس ) والتي صدرت عــن دار الرواد في 31 /آذار / 1974 بمناسبة العيد الأربعين للحزب الشيوعي العراقي مع مجموعـة من الشعراء الشيوعيين وأصدقـــائهم منهـم الشاعــر المبـدع عريــان سيــــد خلف والشاعرالراحل كاظم ألركابي والشاعر عبد الأمير العضاض والشاعررحيم ألغالبي ، فاضل السعيدي وعبد الله الرجب والشاعر إسماعيل محمد إسماعيل وكامل ألركابي من الناصرية ، إضافة إلى الشعراء شاكر السـماوي وكريم العراقي ، كاظم غيلان ، ريسان الخزعلي والشاعر الشهيد فالح الطائي وأبـو وليـــد ، الشاعر الشهيد أبو سميح والراحل كاظم الرويعي ، وعبد السادة العلي وفالح حسون الدراجي ورياض النعماني وغيرهم (1)
نشرت جريدة الصباح مقالة للدكتور سعدي السماوي كتبها عام 1974 في مجلة التراث الشعبي بعنوان الخصائص الفلكلورية في اغاني ابو سرحان ذياب كزار يقول فيها :
بحكم ارتباط الاغنية عند ابو سرحان بالجو الفلكلوري ارتباطا اساسيا بحيث يبدو احيانا ان الابيات في اغانيه لا يمكن ان تكون الا من الفلكلور بحكم هذا الارتباط نجد ان اللغة هي ايضا محملة بالالوان الفلكلورية الصارخة النارية فهي لغة مرتبطة بأعنف العواطف ، لغة الاغاني عند ابو سرحان جميلة ، مفرداته فيها الكثير من عالم الريف من الوانه من مفاهيمه عن الحب والحياة ، هذا يشير الى ان جذور اشعاره تمتد بعيداً في تراب الوطن وتتصل بمشاعر ومفردات الناس البسطاء الذين انحدر منهم ودافع عنهم عبر انتمائه الفكري ، ومن هنا نجد ان اغاني ابو سرحان ذات لغة طفولية ريفية غارقة في الروح الفلكلوري الملون حتى لتبدو بعض أغانيه وكانها قطع من المنسوجات الريفية ذات الالوان النارية التي تعبر عن عواطف اهل الريف واشواقهم ولنلاحظ المفردات الفلكلورية والوانها وايحاءاتها:
غاد ابعد خليني احصد
واسمع رنات احجولي
اشرايد يحبيب تنشد
طولك ما والم طولي
مخوصر وعكالك مرعز
واحزامك فضة مرصع
ان هذه اللغة الموحية الملونة ليس من السهولة استعارتها بل لابد من معايشتها طويلا حتى تصبح جزء من الشخصية وفي كل محاولات الشعر الشعبي لم يستطع احد اجادة استعمال هذه اللغة (لغة الريف) سوى ابو سرحان ومظفر النواب مستفيدا ابو سرحان من ريف البصرة ومظفر من ريف العمارة والغريب اننا نجد ان مظفر النواب وابو سرحان عبرا بهذا اللغة على لسان امرأة رغم ان ابو سرحان كان غالباً ما يعبر عن عواطف مجموعة من البنات وهذه احد اسباب اقتراب ابو سرحان من مظفر وليس معنى ذلك ان ابو سرحان واقع تحت تاثير مظفر انما لكل منهما عالمه الخاص المميز بالوانه وعواطفه رغم انهما يقفان على ارض واحدة وينحدران من منبع واحد هو (الريف) المسحور.
وهذا ما يجعلني الاحظ هنا ان كل الذين كتبوا غزلاً على لسان المرأة خرجوا من معطف مظفر الا ابو سرحان فهو عالم قائم بذاته له حدوده الخاصة.
يريد الكاتب الدكتور سعدي السماوي في مقالته ان يرسم جسراً بين اغاني ابو سرحان والفلكلور ويصور قصائده وكأنها خرجت من معطف الموروث الشعبي ثم يؤكد خصوصية الشاعر في هذا الجانب وتفرده .
ولكن ليس معنى ذلك ان الشاعر لا يملك ايقاعاته الخاصة النابعة من روحه التي تمتزج وتتوحد بايقاعات الفلكلور ولكنه عندما يتحدث عن نفسه بعيداً عن اجواء الفلكلور نجد انه يعطينا ايقاعات خاصة به كما نلاحظ:
وين يلمحبوب وين كلبي يلوب
تتحمل اذنوب
وين رايح وين والمن ادير العين
شلك عليه خايب خطيه
ولنلاحظ هنا:
مره مرني الطيف نسمه اعله جنح
وبلل اعيوني ابدمعتين الصبح
ونكط ابهيده اعله روحي الغافية اسوالف عرس
وجانت الكذلة ذهب
وجانت الدنية كرستال وشمس
يتحدث الكاتب عن الصور في اغاني ابو سرحان معتيراً اغانيه تتفرع من شجرة الفلكلور الشعبي وتعنى بالموسيقى والغناء والرقص ولذلك يجب ان لا نطالبها بالصورة الكاملة المستديرة ولا حتى بالمعنى الكامل المحدد انما هي تستثمر ايقاع الكلمات واجواء الكلمات اكثر من اي شيء.
ان اغنية مثل اغنية (ام زلوف) لا يمكن ان نجد فيها صورة كاملة واضحة الملامح انما نجد ان الابيات القصيرة اللاهثة والمفردات ذات الدلالة العميقة تعطينا في النهاية جواً خاصاً:
حبس بالبيت حبسوني
هلي بلا صوج.. هيبله
وصحت وابجيت ارحموني
انه المكروده.. هيبله
بعيد بعيد بالدنيا
تعال وياي.. هيبله
انكط الروح حنيه
واشربك ماي.. هيبله
امشنه ابكاع ما بيها
ظليمة وخوف.. هيبله
واعيش واياك واكضيها
ابطرك نفنوف.. هيبله
يريد الكاتب اقناعنا بأن الشاعر ابو سرحان لم يكن مبالياً بالصورة وان الايقاع يشد قصيدته وينسج كلماتها اعتقد ان بامكانه القول بان الصورة في قصيدة ابو سرحان كانت بسيطة وسلسلة ومتناغمه تناغم فطري قريب الى قلوب الناس وايقاع حياتهم وحركاتهم وكانت الصورة بسيطة صافية تندفع كالماء .
فهل هناك اجمل من هذه الصورة
حسنج كَمر …
لو شمس …
لو فرحه لو زفّه
خليني حدر الزلف …
ترجيه
أرد أغفه
ويعود الكاتب ليضع الابيات التالية للتوكيد على فكرته بارتباط قصائد ابو سرحان بالفلكلور الشعبي وايقاعاته وموسيقاه
خبره يبعد اروحيتي
عن روحي ناشف مايها
لولي وسولف حالتي
حال الكطاية التايها
لا لا لول لوه
خلخالي صاح اودوه
لا لا لا لول ليه
ترجيتي اتضوي عليه
خذني اعله جفك سمسمه
ما هي ثجيله ياسمه
وذبني ابحلاتي مديرمه
يم ولفي وانسه الغيبه
يلراكب مهره ازغيره
ويلشايل خنجر عربي
هي انه ابدربك ليره
نزلني ابكوشر ربي
ان هذه اللغة الموحية الملونة ليس من السهولة استعارتها بل لابد من معايشتها طويلاً حتى تصبح جزء من الشخصية وفي كل محاولات الشعر الشعبي لم يستطع احد اجادة استعمال هذه اللغة (لغة الريف) سوى ابو سرحان ومظفر النواب مستفيدا ابو سرحان من ريف البصرة ومظفر من ريف العمارة والغريب اننا نجد ان مظفر النواب وابو سرحان عبرا بهذا اللغة على لسان امرأة رغم ان ابو سرحان كان غالبا ما يعبر عن عواطف مجموعة من البنات وهذه احد اسباب اقتراب ابو سرحان من مظفر وليس معنى ذلك ان ابو سرحان واقع تحت تاثير مظفر انما لكل منهما عالمه الخاص المميز بالوانه وعواطفه رغم انهما يقفان على ارض واحدة وينحدران من منبع واحد هو (الريف) المسحور، وهذا ما يجعلني الاحظ هنا ان كل الذين كتبوا غزلاً على لسان المرأة خرجوا من معطف مظفر الا ابو سرحان فهو عالم قائم بذاته له حدوده الخاصة . (2)
غاد ابعد خليني احصد
واسمع رنات احجولي
اشرايد يحبيب تنشد
طولك ما والم طولي
مخوصر وعكالك مرعز
واحزامك فضة مرصع
من هذه النماذج نرى ان طبيعة الصورة في اغاني ابو سرحان هي ايضا قريبة من طبيعة الصورة في الاغاني الفلكلورية من ناحية كثافة احساسها وسذاجتها ودورها في بناء القصيدة .
ولابد من تذكر الملحن المبدع كوكب حمزة الذي ابدع في تلحين هذه القصائد والبسها حلتها الموسيقية الساحرة التي كانت كالحلوى التي ذابت في افواه الناس التي ذاقت مرارة الظلم والطغيان والفقر .
لا اظن ان شاعرنا الغائب سيعود الينا لذا سأبكيه ماتبقى من عمري ، وسأعانق اشجار الارز واعاتبها بان تخبرنا عن مكانه نريد معرفة مصير شاعرنا الغائب ابو سرحان نريد ان نعيده الى وطنه الى ربوع البصرة او الى قرية جار الله في الشطرة او أية بقعة في وطني العراق واشد ما اخشاه ان تقول يا ابا سرحان : اتركوني حدر الارزة ارد اغفة.

(1) أبو سرحان .. شاعر في ذاكرة الزمن : حسين جهيد الحافظ
(2) الخصائص الفلكلورية في اغاني ابو سرحان : الدكتور سعدي السماوي