الرئيسية » مقالات » هل (الديمقراطية التوافقية) ..دكتاتورية متعددة الرؤوس!؟

هل (الديمقراطية التوافقية) ..دكتاتورية متعددة الرؤوس!؟

افرزت انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة في العراق جملة مؤشرات في الخارطة السياسية العراقية ..في المقدمة منها :
• تفكك الكتل التي تشكلت على اسس طائفية ، وكانت جزءا من القاعدة السياسية للمحاصصة وقيام “دولة الطوائف”.
• الميل نحو الدولة المدنية رغم القوة الدعائية للاحزاب الدينية.
• تنامي ثقة الفرد العراقي بقدراته القيادية خارج سلطة الاحزاب المشاركة في العملية السياسية.
• تزايد ثقة المواطن بصناديق الاقتراع كوسيلة للتغيير ( رغم عدم خلو العملية الانتخابية من الطعون ).
• اتساع القاعدة الانتخابية لنهج رئيس الحكومة السيد نوري المالكي نتيجة نجاح حكومته رغم:
1. قصر عمرها ( اقل من ثلاث سنوات ).
2. انسحاب قوى اساسية منها ( التوافق والقائمة العراقية والصدريون).
3. تحملها لاعباء اخطر مرحلة دموية وتدميرية في تاريخ العراق الحديث .
4. تسلمها اقتصاداً مُدمراً ومستوى معاشياُ دون خط الفقر ووضعاً امنياً على حافة الحرب الاهلية.
5. تناحر القوى السياسية المشاركة بالعملية السياسية الى درجة التقاتل بدماء الابرياء من السكان.
6. مقاطعة الدول الاقليمية والعربية لها.
رغم ذلك تمكنت حكومة السيد المالكي ( العرجاء لما يقرب من عام من عمرها القصير ) ان تحقق:
• النجاح في اعادة الامن والاستقرار النسبي الى البلاد.
• تحسين الوضع المعاشي للسكان بدرجة ملموسة.
• توقيع اتفاقية سحب القوات الاجنبية من العراق وتحجيم دور القوات الامريكية خلال الفترة الانتقالية.
• تفكيك المقاطعة الدبلوماسية ( دوليا واقليميا وعربيا).
• الانفتاح على الشركات العالمية وجذبها للعمل في العراق لتطوير البنية الاساسية للخدمات والانتاج والتداول التجاري.
• اطلاق الشعارات ـ الوطنية ـ (التي استقطبت قوى اجتماعية واسعة حولها ).. في مقابل المشروع الطائفي العرقي .
وترافقت تلك النجاحات مع دعوة السيد المالكي الى :
اعتماد الشراكة الدستورية في السلطة وتجاوز مرحلة ” التوافقات المبنية على المجاملات”!..
وبغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا مع مفهوم السيد المالكي لـ ” الشراكة الدستورية ” او الـ “توافقات المجاملات “..فإننا لم ننفك عن سماع دعوات بعض المشاركين بالعملية السياسية وخاصة مهندسي دولة المحاصصة للتمسك بـ”الديمقراطية التوافقية” كسبيل لمعالجة بلد متنوع المكونات يعيش في ظروف استثنائية.
خاصة وان جميع البلدان التي تدخل في ازمات تلجأ الى تشكيل حكومات توافقية الى حين تجاوز تلك الازمات ..ثم تعود الى الديمقراطية الحقيقية ( سلطة ومعارضة للسلطة).
الا اننا اجترعنا كوارث من فرائد تجربتنا العراقية “الديمقراطية “..
فقد تحولت “الديمقراطية التوافقية ” الى قناع مهلهل لمنهج “المحاصصة ” و “اقتسام الغنائم” بين “امراء الطوائف والاعراق “،اكثر منها ” توافقات ” حول البرامج الانقاذية للوطن والمواطن.
لكن الامر الاكثر خطورة ـ الذي نخشاه ـ هو ان هذه” الديمقراطية التوافقية ” بشكلها الانعزالي ومضمونها التساومي..قد:
تُنتِج” دكتاتورية متعددة الرؤوس” ..
فبعد ان ابتلينا بـ ” الدكتاتورية ذات الرأس الواحد ” على امتداد عقود طويلة من التعسف ..انزلقنا بعد الغزو والسقوط الى نمط فريد من الدكتاتورية .. شبيها بسلطة الاقطاع الابوي المطلقة على الارض .. وماعليها .. ومافي جوفها!..حيث استبيح الوطن والمواطن من قبل عصابات متوحشة خارجة من الكهوف المظلمة لتاريخ التعسف.
وتعود مخاطر وجذور ـ احتمال ـ تشكل تلك ” الدكتاتورية المتعددة الرؤوس ” الى ـ مرحلة ماقبل الغزو وسقوط الدكتاتورية ذات الرأس الواحد..منذ تقاسم بعض المعارضين لدكتاتورية الرأس الواحد _ السمك العائم بالشط _ خلال مؤتمراتهم التي رعاها الامريكان!
لكن الامر الهام والمُلِّحْ هو ماجرى في عراقنا منذ ” الغزو ” و “السقوط “..
حيث اسس ” ورثة عراق مابعد الغزو والسقوط ” دولة من نمط جديد ..دولة رخوة ومفككة ، تنتشلهم من ” مظلوميتهم ” ـ الفئوية ـ عبر تهميش مظلومية العراق شعبا ووطنا..وتحقق لهم ” احلامهم ” الطائفية والعرقية الضيقة على حساب وجود العراق وتنميته ..الذي هو وجودهم جميعا وتنميتهم الشاملة جميعا..
فولدت دولة المحاصصة..التي ارتكزت الى منهجيات:
• التشطير.
• الوصاية.
• القوة المسلحة الخارجة على القانون.
• الثروة المنهوبة والسائبة.
• “الشرعية الدستورية ” الانتقائية.
وتولى بول بريمر ـ منذ البدء ـ تلك المهمة ” القذرة ” :
• مبتدءا بالترويج لصراع الطوائف والاعراق ( مستعيرا تاريخ حرب الإبادة الاهلية الامريكية ، كـ ـ ضرورة حتمية تسبق بناء الدولة الحديثة!ـ على حد قوله)..
• واطلاق حدود ملتهبة من الخوف والضغائن بين مكونات السكان.
• وإصطفاء أوصياء لكل طائفة او عرق.
• ونزع سلاح وهيبة الدولة العراقية ..
• والتحريض على تسليح المكونات السكانية بالبارود والخوف من الآخر ..
• وبث الكراهية للآخر في نفوس وعقول قطاعات واسعة من السكان.
• وضخ اموال هائلة ـ من أسلاب العراق ـ ومن ـ اموال المُحَرضين والحاقدين الخارجيين ـ لتغذية تلك القوى وفق نظرية ( صراع الحضارات ) ..ومنهج ( الفوضى الخلاقة) التي جاء بها المحتل ..وصفق لها المتحاصصون.
• واستقطاب عصابات الارهاب الدولي الى حواضن جاذبة في العراق.
• وتأليب النظام العربي الرسمي الطائفي الحاقد على العراق.
• وتم تكريس تلك ” المحاصصة ” التدميرية في:
هيكلية الحكومة المؤقتة ..
وفي تركيبة الجمعية الوطنية ..
وفي توزيع المناصب على اعضاء الحكومة المنبثقة عنها..
وفي المناخ الانتخابي الدموي المتشنج والعاصف..
ومن ثم في نتائج الانتخابات البرلمانية الاولى..
وفي الدستور ” التوافقي “!..
• مما خلق وضعا كارثيا عشية واثناء تسلم حكومة السيد المالكي السلطة ..التي استغرقت ولادتها ” التوافقية ” العسيرة اشهرأ طويلة.. وتمخضت عن:
حكومة متناحرة ( انفجرت في اول منعطف وانسحب عنها بعض المتوافقين)…
وبرلماناً متنافراً ( مازال لليوم عاجزا عن اداء دوره الرقابي على الحكومة ..بل وعاجزا عن انتخاب رئيسا له بديلا للرئيس ـ التوافقي ـ الذي خذله المتوافقون)..
ودولة موروثة فاسدة ( لم يكف مسؤوليها يوما عن الوعيد بتطهيرها من المفسدين المستوطنين في جسدها العليل).
وأمناً مفقوداً ( ذهب ضحيته عشرات الالاف من العراقيين الابرياء..الى حين انتخى ابناء العراق لوطنهم وشعبهم ووأدوا بؤر الفتنة)!
وثروة سائبة مهدورة (عبث بها اللصوص الكبار والصغار..المحليون والاجانب الغزاة..الاشقاء والاصدقاء!)…
وحدوداً وطنية منتهكة( صارت معبرا للذبّاحين والجثث المفخخة والاموال الملغومة والافكار الدموية)..
• الى جانب .. تعاظم قوة :
” اوصياء ” الطوائف والاعراق المتطرفين ..
و” امراء ” الذبح ..
ومنتهكي حقوق الانسان ..
اضافة الى تسلط عصابات نهب البترول والثروات والموارد الوطنية على مصير الانسان ومقومات وجوده..
• واوشك الوطن على التشظي .. والشعب على التشرذم..والفرد على الانقراض.. والاقتصاد على الانهيار!
وجرت كل تلك الطاحونة الدموية بقيادة أسماء معلومة .. وعناوين واضحة .. واسلحة مكشوفة ..وضحايا مفصوحي الهوية والبراءة..ومصادر تمويل دولية اقليمية وعربية ومحلية مفضوحة..
لكن احدا لن يجرؤ على البوح بإسم القاتل..بل وصل الامر بالمتحاصصين الى درجة السكوت على اسم الضحية وهويتها..كي لايُحرج القاتل امام اهل الضحية!!..
كل ذلك .. نتيجة “التوافقات” بين القَتَلة واللصوص فيما بينهم..في ظل ” الديمقراطية التوافقية ” التي تحرس ” دولة الطوائف ” التي تمخضت عن نهج المحاصصة على التشبث بها..حيث سادت اعراف المافيا في الحياة السياسية العراقية :
كل عصابة تتستر على قاتليها ومفسديها ..
مقابل السكوت عن قتلة ولصوص العصابة الاخرى..
ووجد الانسان العراقي نفسه في مواجهة الفناء .. وتَشَرَّدَ الملايين داخل الوطن وخارجه ..وأحكمت العصابات قبضتها على عنق الوطن ومصادر حياة المواطن ..واستبيحت سيادة الوطن ودم وكرامة الانسان العراقي..
واستقوى ” اوصياء ” الطوائف والأعراق بسلاح الوطن وثروته ..على مصائر الناس وحياتهم ..وعلى مستقبل الوطن ..
فـ ” تَوافَقَ ” المتحاصصون خارج الدستور و بـ ـ الدستور ـ ( حسبما يقتضي قانون التنازع مع الاخوة الاعداء ) على ان يكون لكل منهم :
• قطيعا مليونياً يَعْلِفهُ متى يشاء ويذبحه متى يشاء ، باسم حماية الطائفة او العرق من كراهية وخطورة ( الاخوة الاعداء ).
• وجغرافيا يستوطن فيها من يشاء ويحرم منها من يشاء.. باسم ( الخصوصية التي تصون الديار من تجاوز واطماع – الاخوة الاعداء -).
• وسلاحا فتاكا لـ ” نتغدى ـ بالاخوة الاعداء ـ قبل ما يتعشون بنا “..
• وحصة من الثروة لبناء صروح لقادة الطائفة او العرق ـ المتحاصصين ـ ورموزها المتشنجة .. وتاريخا اللامتسامح..اولئك القادة المعصومين عن الزلل والمعفيين عن المساءلة والمنتجبين لقيادة القطيع..من المهد الى اللحد!.
• وإعلاما اقصائياً لثقافة المواطنة..إعلاما انكفائياً على التناقضات مع الآخر ..إعلاما ضيق الافق في رؤيته للماضي والحاضر والمستقبل..إعلاما يكرس ويشيع عبادة الفرد ـ القائد الضرورة ـ الطائفي او العرقي!.
وجرى تعميق هذه الخنادق الصديدية التشطيرية بين المكونات السكانية ..في ظل إقصاء كامل للوطن ـ العراق ـ ..وللمواطن العراقي المبدع..وللرمز العراقي الحضاري التنموي المتسامح..
وشرع المتحاصصون بإنشاء قاعدة بنيوية أساسية لدكتاتوريات متناحرة على الغنائم و ـ متوافقة على حماية امتيازاتها ومصالحها ـ على انقاض دكتاتورية الفرد الواحد البائدة.. وعلى حساب الوطن والمواطن.
ان الميل العام الذي انعكس في نتائج الانتخابات المحلية الاخيرة يعد فرصة لجميع اولئك الداعين الى القضاء على وباء المحاصصة من جسد الدولة العراقية ..و ـ إجتثاث ـ بؤر التلوث الطائفي والعرقي التي تفشت في المجتمع العراقي ..وخاصة بعد النجاح النسبي الذي حققته الاجهزة العسكرية والامنية على ـ امراء الحرب والفتنة ـ من خلال :
• فضح وبدء تفكيك ” التوافقات ” التي جرت لإرضاء امراء الطوائف والاعراق على حساب الوطن والمواطن.
• تشكيل حكومات محلية وفق مبدأ الغلبة الانتخابية والى جانبها ” معارضة ” فَعّالة قادرة على الرقابة على الاداء الحكومي المحلي وإثرائه بالنقد والتقويم.لتكون نبراسا للحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان المقبلة بعد الانتخابات البرلمانية في نهاية هذا العام.
• تشكيل الحكومات المحلية على اساس البرامج التنموية الحضرية للمحافظات والاقضية والنواحي والقرى..( برامج انتشال الوطن والمواطن من التخلف المتعدد الاوجه ).
ان ” الديمقراطية التوافقية ” في تجربتنا العراقية هي نقيض الديمقراطية الحقيقية..
وإن ادامتها وشرعنتها وفق الخطاب المعلن لزعماء الطوائف والاعراق..يعني إقامة ” دكتاتورية متعددة الرؤوس” يتوافق فيها “المتحاصصون” على اقتسام الوطن والسكان ليقيموا اماراتهم المستبدة عليها..
واكدت نتائج الانتخابات الاخيرة ضرورة الوقوف الى جانب البرامج الوطنية الساعية الى :
بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية المدنية التي تنتشل:
• الوطن من التخلف .
• الشعب من البؤس.
• الانسان من التعسف .
• السلطة من الاستئثار.
• الدولة من الفساد.
• الاقتصاد من التدهور.
• الدين من الدجل.
• السياسة من التضليل.
• الثقافة من الظلام .
• التعليم من الجهل .
• الصحة من الاوبئة.