الرئيسية » مقالات » الاستجداء من نظام الإستبداد (قراءة في بيان وفد أبناء الحسكة لمقابلة الرئيس)

الاستجداء من نظام الإستبداد (قراءة في بيان وفد أبناء الحسكة لمقابلة الرئيس)

منذ أيام نشرت عدد من المواقع الالكترونية والتي تهتم بالشأن الكوردي بياناً مذيلاً بتوقيع أعضاء ثلاث لوفد يحمل آلاف التواقيع – حسب ما ورد في نص البيان – وذلك على عريضة موجهة من أبناء محافظة الحسكة إلى بشار الأسد؛ رئيس الجمهورية موضحين فيه ما يلي: (بناء على تكليفكم ايانا بنقل عريضتكم الموقعة من قبل ستة واربعين ألفا وتسعة أشخاص اضافة الى تأييد ومباركة جميع الفعاليات والأطياف الاجتماعية والسياسية في المحافظة نود ابلاغكم بما جرى معنا في مدينة دمشق في محاولة أداء المهمة التي كلفنا بها من قبلكم وفق التفصيل التالي: بداية التقى الوفد بأحد أعضاء القيادة القطرية لأجل ترتيب موضوع المقابلة حيث بدا للوفد ان المقابلة صعبة جدا حسب ما أفاد به عضو القيادة واعدا بطرحها في اجتماعهم المقبل. من ثم توجه الوفد الى نائب رئيس الجمهورية “الدكتورة نجاح العطار” فاعتذرت عن استقبالنا بذريعة أن العريضة موجهة الى السيد رئيس الجمهورية مباشرة طالبين الوفد بالتوجه الى قصر الروضة حيث مكان تواجد السيد الرئيس حاليا وفعلا توجهنا الى قصر الروضة وتم الاتصال هاتفيا من بوابة القصر مع “أبو سليم” مدير المراسم الذي رفض استقبالنا مطالبا ايانا بترك العريضة مع التواقيع لدى حرس البوابة فرفضنا ذلك وبعد أخذ ورد طلب منا التوجه الى مدير مكتب الشكاوي في قصر الشعب الذي رفض بدوره استقبالنا مجتمعين مطالبا بدخول شخص واحد فقط مما اضطرنا الى ايفاد احدنا الى مكتبه حاملا العريضة والتواقيع طالبين مقابلة السيد الرئيس الا أن مدير المكتب رد بأن المقابلة مستحيلة في هذه الظروف واعدا بعرضها عليه في أقرب فرصة وابلاغنا النتيجة عبر الهاتف).

ويضيف البيان (اننا كأبناء محافظة ذات وضع استثنائي بسبب كارثة الجفاف التي مازالت المحافظة تعاني من آثارها وأضيف اليها المرسوم 49 الذي شل الحياة الاقتصادية في المحافظة بالكامل نستغرب: 1- كثرة الحواجز بين مواطني الجمهورية ورئيسهم. 2- عدم اكتراث بعض المسئولين بهذا العدد الهائل من المواطنين لاسيما وأنها أكبر عريضة شعبية حقيقية تقدم الى السيد رئيس الجمهورية حتى الآن). ويختم البيان المذكور بالخاتمة التالية: (أبناء محافظتنا الأعزاء: بذلنا كل الجهود الممكنة لمقابلة السيد رئيس الجمهورية لشرح معاناتكم بتفاصيلها لكننا لم نفلح للسببين المذكورين أعلاه الا أننا وبعد تسليمنا للعريضة لم ولن نتنازل عن ضرورة المقابلة التي نأمل أن تتم في أقرب وقت ممكن). وذيل بالتوقيع التالي (أعضاء الوفد: يعقوب درويش، حسين عيسو، ممتاز الحسن).

بدايةً نود أن نوضح بأن شعبنا – ومثل كل شعوب العالم – يملك خيارات عديدة لنيل حقوقه القومية والديمقراطية؛ منها التظاهر والاعتصام وبيانات الاحتجاج والتنديد وكل السبل والوسائل السلمية الديمقراطية الأخرى وذلك لسببين رئيسيين: أولهما ناتج عن المناخ الدولي والذي يدشِّن مرحلة ما بعد “حركات التحرر العالمية” والذي كان يشرِّع الكفاح المسلح وذلك في مناخ إنقسام العالم إلى معسكرين متناحرين وبالتالي فإن المرحلة الحالية والقادمة – وخاصةً في ظل ثقافة محاربة الإرهاب – لن تشهد ولادة حركات تحرر عالمية تشرِّع الكفاح المسلح من دون أن تصنف في خانة “المنظمات الإرهابية”. أما السبب الآخر فهو متعلق بطبيعة ولادة الحركة السياسية الكوردية في غرب كوردستان؛ حيث أختار ومنذ البداية – وتحديداً بعد الإعتقالات التي شملت صفوفها في بداية الستينات من القرن الماضي – أن تنبذ العنف وإستخدام السلاح في عملها السياسي، وقد تعرضت (أي الحركة الكوردية في غرب كوردستان) ونتيجةً لنهجها السياسة السلمية تلك للكثير من النقد والانتقاد وأحياناً التندر بها وخاصةً من إخوتنا في الأجزاء الأخرى من كوردستان والذين كانوا لا يرون بديلاً عن الكفاح المسلح وذلك مثل غيرها من الحركات العالمية.

وهكذا فإننا لسنا من دعاة العنف والسلاح والتضحية بالانسان في سبيل أهداف دينية أو سياسية أو غيرها من المسوغات؛ كونه (أي الانسان) هو الأكثر (قدسيةً) من أي مفهومٍ سياسي إجتماعي آخر – وهذا سبب إضافي، ولو أنه شخصي ويتعلق بطبيعة الثقافة التي نحملها في ذاتنا – وذلك لكي ننبذ العنف. وبالتالي فإننا لا ندعو أحداً لأن يحمل السلاح ويريق الدماء – كما أتهمنا البعض كذباً وإفتراءً – وإن كنا نستثني من هذه القاعدة حالة الدفاع عن الذات الشخصي والكياني الاجتماعي؛ كحال تعرض فرد أو كيان إجتماعي ما لحملات الإبادة والقتل والتهجير مثلما تعرض – ويتعرض – له أبنائنا في عموم كوردستان وفي مراحل تاريخية عدة. ولكن وبالتأكيد فإن هذه الثقافة السلمية لا تدفعنا إلى حالة الاستسلام وسياسة الاستجداء من الأنظمة الغاصبة لكوردستان وبأن نجعل من ذواتنا وكياناتنا السياسية والاجتماعية “قشمريتاريا” وبالتالي نضالاتها تهريجاً على أبواب تلك الأنظمة، كما يؤكد لنا ذلك نص البيان السابق وسوف نوضحه فيما يلي، بل هو موضح من أصحاب البيان أنفسهم، ومع ذلك سوف نقف عند بعض النقاط الأكثر جدلاً وذلك حسب قرائتنا للموضوع.

نقطة الانطلاق وكبداية بديهية: فإننا نقول لأعضاء الوفد والأخوة الموقعون – بفتح القاف وليس كسرها، لإننا نفترض بأنه تم الإيقاع بهم وليس التوقيع معهم على العريضة – بأن النضال والعمل السلمي حقٌ مشروع للشعوب وواجبٌ عليه ولكن لا يمكن أن يمارس في ظل أنظمة الاستبداد وعلى طريقة الاستجداء والمناشدة، بل بالمقارعة – ونعتذر عن إستخدامنا لهذا الاصطلاح والذي نشم منه رائحة الحرب، حيث لا بديل عنه – وخاصةً ونحن نرى ممارسات النظام السوري بأجهزتها الأمنية في محاربة (أي صوت) يطالب بالديمقراطية للبلد، ناهيك عن حقوق شعب يملك خصوصية الأرض والجغرافية وذلك كقضية شعبنا الكوردي في الإقليم الغربي من كوردستان والمغتصب منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة وبالتالي فإن مصير أي طالب حقيقي لحقوق هذا الشعب وقضيته لن يكون بأفضل من مصير كوادر إعلان دمشق، وهذه برسم الإجابة من لدن الحركة السياسية الكوردية وبأحزابها.

عودٌ على بدء؛ ما يلاحظ ومن العنوان بأن البيان من وإلى “أبناء المحافظة” (أي محافظة الحسكة) وهكذا يبدو بأن أعضاء الوفد قد توجهوا إلى دمشق بأسم “أبناء محافظة الحسكة” (مدعومين) بتوقيع “ستة واربعين ألفا وتسعة أشخاص اضافة الى تأييد ومباركة جميع الفعاليات والأطياف الاجتماعية والسياسية في المحافظة”، أي أن الوفد لا يحمل الصفة الكوردية وكذلك فإنه ليس بأسم كل السوريين المشمولين بالمرسوم (49) السيء الصيت – وإن كان أبناء الجزيرة يشكلون جزء ممن سيعانوا من هذا المرسوم الجينوسايدي الجديد بحق شعبنا الكوردي تحديداً، والكل يعلم ذلك بمن فيهم أعضاء الوفد الثلاثة – وبالتالي فإننا نقرأ من الرسالة السابقة، وكأن تبعات المرسوم المذكور محصور في محافظة الحسكة بكل مكوناتها ومن دون غيرها من المناطق الحدودية المشمولة بذاك المرسوم وهكذا يتم تحجيم المسألة بمحافظة الحسكة و”أبناء”ها ومن دون أبعاد وخلفيات سياسية عنصرية شوفينية وهذه نوع من التعتيم على سياسة النظام السوري بحق شعبنا الكوردي وقضيته. ولكن ما يحيرنا في المسألة أكثر بأن البيان المذكور – وحسب إدعاء أصحابها – قد نال “تأييد ومباركة جميع الفعاليات والأطياف الاجتماعية والسياسية في المحافظة” (أي بمن فيهم كل الأحزاب الكوردية) وبالتالي فهم؛ أي تلك الأحزاب مشاركون في هذا التعتيم والتعويم للمسألة، إلا من أبدى وجهة نظره مثل “تيار المستقبل” وهذه الأخيرة تنفي الإدعاء السابق للوفد بأنهم قد نالوا ” تأييد ومباركة جميع الفعاليات والأطياف”.

وهكذا فإن العنوان والمدخل خاطئ وإن “المقدمات الخاطئة تعطي نتائجة خاطئة” حتماً – إلا الشواذ منها، ولا نريد لقضيتنا الشواذ مثالاً وقدوةً – ذاك من حيث حجم الكارثة وبالتالي فكان من المفترض والمطلوب أن يكون تحرك الشارع السوري والكوردي تحديداً – كونه المستهدف الحقيقي من وراء المرسوم – على مستوى الخطورة الذي يشكله المرسوم السيء الذكر وأن لا تكتفي الحركة السياسية الكوردية وأحزابها بمظاهرة (رفع عتب) والتي دعت لها ثمانية أحزاب كوردية – مشكورة – وأمتنعت عنها بعض الأحزاب والأطياف السياسية الأخرى بحجة تشكيل وفد وإرساله إلى دمشق للوقوف على المسألة وقد كان أخيراً الوفد الذي ذهب والذي أنطبق عليه المثل القائل: “تمخض الجبل فولد فأراً” مع حفظ الاعتبار لكل من وقع على العريضة. وإننا في هذا السياق لا نود التعرض للرحلة البطوطية للوفد المذكور ووقوفهم أمام أبواب مسؤولي البلاط الجمهوري وما تعرضوا له من..، إلا إن كان وكما يقال في المثل الشعبي مع بعض الإضافات الكوردية: كان الله (ودعوات أباطرة الأحزاب الكوردية) في عونهم.

لكن النقطة الأكثر جدلاً وإشكالاً هي تلك التي توحي لنا – كقارئ ومتابع للشأن السياسي العام في سوريا، ولقضية شعبنا الكوردي على وجه الأخص – والتي ترشح من خلال التلميح والايحاء ولدرجة الافصاح والإجلاء وذلك من خلال أنساق البيان السابق؛ بأن أصحابها (أي أصحاب البيان) يذهبون مذهب القائلين بأن رأس النظام “غافلٌ عما يجري في البلاد، وأن كل مصائب الشعب السوري ناتجٌ عن فساد الدائرة المحيطة بالرئيس” وهكذا “على عينك يا تاجر”، حيث يقولون في بيانهم ذاك: “اننا كأبناء محافظة ذات وضع استثنائي بسبب كارثة الجفاف التي مازالت المحافظة تعاني من آثارها وأضيف اليها المرسوم 49 – لاحظوا معنا بأنهم لم يذكروا كلمة الجمهوري، التوضيح من عندنا – الذي شل الحياة الاقتصادية في المحافظة بالكامل نستغرب: 1- كثرة الحواجز بين مواطني الجمهورية ورئيسهم. 2- عدم اكتراث بعض المسئولين – لاحظوا البعض هذه؛ أي أن المشكلة ليس في النظام الفاسد وإنما في بعض المسئولين، أيضاً التوضيح من عندنا: كاتب المقال – بهذا العدد الهائل من المواطنين لاسيما وأنها أكبر عريضة شعبية حقيقية تقدم الى السيد رئيس الجمهورية حتى الآن”. وحيث أن البيان يختم ويقفل بما يؤكد قولنا السابق في التغطية على النظام وعلى الأخص رأس الهرم؛ حيث يأتي في ختام بيانهم: “أبناء محافظتنا الأعزاء: بذلنا كل الجهود الممكنة لمقابلة السيد رئيس الجمهورية لشرح معاناتكم بتفاصيلها لكننا لم نفلح للسببين المذكورين أعلاه الا أننا وبعد تسليمنا للعريضة لم ولن نتنازل عن ضرورة المقابلة التي نأمل أن تتم في أقرب وقت ممكن” وهكذا يتناسى (أي أعضاء الوفد) بأن المرسوم العنصري (الجمهوري) ذاك لم يسمى كذلك إلا لكونه موقع من قبل رأس النظام الذي يحاولون التغطية عليه، بل الأنكى من كل ذلك الايحاء للقارئ والمواطن الكوردي البسيط – كون السياسي يدرك طبيعة النظام في سوريا – بأن مجرد وصول الوفد المذكور (للسيد الرئيس) و”شرح معانات”هم.. هم فسوف تحل القضية الكوردية، عفواً الحسكاوية – وكل الاعتذار من الأخوة في المحافظة المذكورة عن الاصطلاح السابق – و.. “أنت الخصم والحكم يا.. سيادة الرئيس”.

هولير: 12/2/2009